رؤيتى لـ «القرن الحادى والعشرين» (346) مستقبلٌ بلا ماضٍ

15-9-2020 | 15:26

 

الرأي الشائع أن مَنْ ليس له ماضٍ ليس له مستقبل . وأنا علي الضد من هذا الرأي بمعني أن مَنْ ليس له مستقبل لن يكون له ماض. والمغزي أن المستقبل من حيث هو آن من آنات الزمان الثلاثة له الأولوية لأن الماضي في أصله كان مستقبلاً، أي هو مستقبل فات. ومعني ذلك أن الماضي مسلوب من سمته الأساسية وهي أنه كان مستقبلاً ولم يعد كذلك، كما أن الأولوية ليست للحاضر لأنه نهاية ماض وبداية مستقبل. يبقي إذن أن تكون الأولوية للمستقبل. والمستقبل مرتبط بالغاية.


وإلي هذا المعني أشار ماركس وهو يتحدث عن النحلة عندما قال «إن ما يميز أسوأ مهندس عن النحلة هو تخيله للبناء قبل أن يحققه في الواقع. وفي نهاية العمل يحصل علي نتيجة كانت في الأصل قائمة في تخيله منذ بداية العمل». الفعل إذن غائي ومن ثم فهو مستقبلي، ولأنه مستقبلي فهو رمز علي النفي من حيث إنه رافض لوضع قائم، ورمز على الإيجاب من حيث إنه محقق لوضع قادم، أي لوضع ممكن. ومعني ذلك أن الممكن هو السبب في تغيير الواقع القائم. ومعني ذلك أن السبب هو في الطريق إلي التحقق، وحيث إنه من اختيار الإنسان فإن الحرية تكون ملازمة للسبب.

دارت في ذهني هذه التأملات الفلسفية عندما أشار البيان الإماراتي الأمريكي الإسرائيلي إلي أن المعاهدة، التي عُرفت أمريكيا باسم اتفاق ابراهيم توفر تفكيرا جديدا حول أسلوب تناول مشاكل المنطقة وتحدياتها. وفي هذا السياق قال كبير مستشاري ترامب جاريد كوشنر: إن المستقبل يجب ألا يكون محددا مسبقا من قبل الماضي.

وفي تصريح آخر قال: إن الفلسطينيين لا يمكنهم الاستناد إلي الماضي في صياغة السلام. والمغزي في القولين أن المستقبل في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي هو بلا ماض، ومن هنا يلزم الإبداع. ومن أجل تحقيق هذا اللزوم أصدر الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس دولة الإمارات مرسوما بقرار في 29/8/2020 يلغي قانون مقاطعة إسرائيل لسنة 1972، ويسمح بعقد اتفاقيات تجارية أو مالية أو غيرها مع هيئات أو أفراد إسرائيليين.

وفي هذا السياق يمكن عقد مقارنة بين ثلاث معاهدات: المصرية في عام 1979 والأردنية في عام 1994 والإماراتية في عام 2020. أبرمت الأولي والثانية بين حكومتين من غير شعبين، أما الثالثة فأبرمت بين حكومتين وشعبين، وتتميز بثلاث سمات: السمة الأولى أنها خالية من تحكم الإخوان المسلمين والسمة الثانية أنها خالية من الفوضي، أما السمة الثالثة فهي أنها جاءت متجاوبة مع طرف فلسطيني فوجئنا به وهو الجالية الفلسطينية الموجودة في الإمارات والتي عقدت مؤتمرًا في اليوم ذاته الذي حضر فيه الوفدان الأمريكي والإسرائيلي إلي أبو ظبي وأعربت فيه عن تأييدها للمعاهدة.

والسؤال بعد ذلك: ما دور هذه الجالية الفلسطينية في مسار السلام؟ أو في صياغة أوضح: ما دورها في المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية القادمة؟ وأضيف سؤالا: هل تكون الإمارات هي الراعية لما ستقوم به الجالية الفلسطينية في مستقبل الأيام؟ وما هو الدور الذي يمكن أن تؤديه الدولتان المصرية والأردنية بحكم الخبرة إذا أبرمت معاهدات أخري بين دولة عربية ودولة اسرائيل، بل ما مكانها إذا أثيرت المسألة الإيرانية وما تنطوي عليه من تصميم علي تدمير إسرائيل؟ هل في هذه الحالة يحدث تحالف عربي اسرائيلي لمواجهة ملالي إيران؟

وفي المقابل هل في الإمكان حدوث تحالف إيراني صيني تركي قطري حماسي؟ هذه الأسئلة لا علاقة لها بأي ماض ومن هنا تكون علاقتها بالمستقبل بحكم الضرورة. ومن هنا يلزم مولد نخبة سياسية ذات رؤية مستقبلية بنكهة انسانية جديدة. وإذا تم ذلك فهل معني ذلك أن ذهنية هذه النخبة لن تكون إلا ذهنية كوكبية ويكون محور تفكيرها الامتداد بمسار السلام إلي كوكب الأرض ذاته ومن ثم يصبح السلام كوكبياً.

وفي هذا السياق يثار هذا السؤال: ما هو مصير المؤسسات الدولية أو الإقليمية مثل الأمم المتحدة والجامعة العربية وجامعة الأمم المتحدة؟ إنها مؤسسات كوكبية أو شبه كوكبية، ومن هنا لن يكون من الميسور الإطاحة بها بدعوى أنها محفورة في ماض بعيد، ومن ثم يثار السؤال الآتي: هل تدخل البشرية في صراع جديد يمكن أن يقال عنه إنه صراع كوكبي؟ أو هو بالأدق صراع بين نخبة ماضوية ونخبة مستقبلية، أي بين ماضٍ ومستقبل بلا ماضٍ؟ ومن هنا يكمن التحدي الحقيقي للمعاهدة الإماراتية الإسرائيلية في أنها تشي بمستقبل بلا ماض، أي تشي بتمثل ذهنية لم تمارسها البشرية منذ نشأة مفهوم الحرب من حيث إنه يستند إلى صراع بين دول وحكومات وجيوش تقليدية، والحرب القادمة إذا حدثت فلن تكون إلا على كوكب الأرض ذاته.

وإذا أردت مزيدا من الأسئلة فإليك هذا السؤال: في نهاية المطاف مَنْ المسئول عن الدفاع عن كوكب الأرض في الصراع القادم؟.

* نقلًا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

رؤيتي لـ «القرن الحادي والعشرين» (342) رحيل فيلسوف المائة عام

غادر دنيانا في 24 فبراير من هذا العام فيلسوف كندا ماريو بونجى وعمره مائة عام. أرجنتينى الأصل، إذ وُلد في بيونس أيرس عاصمة الأرجنتين في 21/9/1919 وتخصص

رؤيتي لـ «القرن الحادي والعشرين» (336) أفلاطون في هذا الزمان

عنوان هذا المقال يشي بأن أفلاطون تجاوز زمانه الذي كان يحيا فيه وهو القرن الرابع قبل الميلاد إلى زمان آخر هو هذا الزمان. وإذا قيل بعد ذلك إن أفلاطون فيلسوف

رؤيتي لـ «القرن الحادى والعشرين» (334) نهاية العالم الثالث

مع بداية النصف الثاني من القرن العشرين، أى فى عام 1950، حدث تغير فى الخريطة السياسية إذ أضيف العالم الثالث إلى العالمين: الأول وهو العالم الرأسمالي، والثانى وهو العالم الشيوعي، إلا أن هذه الإضافة لم تكن كمية بل كيفية بمعنى أن مهمتها المحافظة على استقرار الوضع القائم بين العالمين الآخرين.

رؤيتي لـ «القرن الحادي والعشرين» (332) .. أزمة مارس 54 برؤية مغايرة

قيل فى سبب الخلاف بين جمال عبد الناصر ومحمد نجيب فيما عُرف بأزمة مارس 1954 إنه مردود إلى أن الأول لم يحبذ الديمقراطية والثانى لديه التزام بالديمقراطية.

[x]