الدخول الوهمية والاقتصاد الوطني

15-9-2020 | 13:59

 

تحدثنا كثيرًا عن الاقتصاد المنظور أي المسجل ضرائبيًا وجمركيًا ويعتبر جزءًا لا يتجزأ من ثروة الدولة، بينما الاقتصاد غير المنظور هو ذلك الذي لا نعرف عنه الكثير ولكن نسمع عنه دائمًا، وقد رأي البعض تسميته باقتصاد (بئر السلم) في إشارة إلي خروجه علي كافة القواعد بل والإجراءات المتبعة في تقنين العمل التجاري ، وهناك عدد من مظاهر الحياة الاقتصادية الموجودة فعلًا ولكنها مرفوضة قانونًا وأخلاقًا وأعني بها تجارة المخدرات وبعض أنواع التجارة المجرمة في السلاح فضلًا عن ضعاف النفوس ممن يتعاملون في تجارة البشر خصوصًا أولئك المتورطين في جرائم الدعارة، وهذه كلها تتحول في النهاية إلي أرقام اقتصادية ولكنها لا تدخل في ملفات الدولة ولا في أضابير الحكومة وتبدو في الظل.


بينما قد تشكل في مجملها خمسين بالمائة من الاقتصاد الوطني، وليس هذا الأمر مقصورا علينا وحدنا ولكنه موجود في كثير من الدول الآسيوية والإفريقية واللاتينية بل إن مافيا الجريمة المنظمة في أوروبا وبارونات المخدرات في الأمريكتين ينضمون جميعًا إلي هذا النمط الشائن من اقتصاديات الظل التي نعرف تأثيرها، ولكننا لا نتعامل معها، وبرغم إحكام الرقابة البوليسية وتغليظ العقوبات القانونية إلا أن ذلك النمط من الجرائم لا يزال موجودًا، ولماذا نذهب بعيدًا؟! إن الولايات المتحدة الأمريكية تعرف مافيا السلاح ، ومافيا المخدرات، ومافيا تجارة الدواء، ومافيا أخري تندرج تحتها كل جرائم العنف والممارسات اللاأخلاقية، إننا أمام عالم عجيب يصعب التكهن بمستقبله ما لم ندرس بدقة حاضره ولم نتفهم بوعي ماضيه، وفي مصر تحديدًا فإن الأمر مختلف تمامًا، دعنا نتذكر معًا ما يلي:

أولًا: إن معظم البيوت المملوكة والشقق المسكونة أو الخالية أو المهجورة لا يوجد لها سجل لدي الدولة لأنها غير مسجلة من خلال الشهر العقاري، وهو أمر حاولت الدولة مؤخرًا التدخل فيه بقوة حتي تضع ممتلكات المجتمع في إطار من الشرعية لا يسمح بذلك التخبط الذي عهدناه لسنوات طويلة، ونحن نتلقي يوميًا شكاوي من أسر مختلفة حول الخروج علي قواعد تراخيص البناء وبيع عشرات الألوف من الشقق والمباني دون تصريح من مهندسي الإنشاءات أو إدارات الأحياء، وبهذه المناسبة فإنني لا أعفي المسئولين في الحكم المحلي عبر العقود الأربعة أو الخمسة الأخيرة من المشاركة في جريمة البناء بلا ترخيص أو الهدم بلا سند قانوني أو أثري حتي أصبحنا أمام منظومة مضحكة تدعو إلي الحزن والأسي في وقت واحد، وقد قال أحد كبار المسئولين في عصر مبارك: إن فساد المحليات قد وصل إلي الرُكَبْ، وهذه حقيقة نشعر بنتائجها الآن وندرك مغزاها في وقتنا الحالي.

ثانيًا: إن الرئيس والحكومة يسعون إلي تنظيف المجتمع وتحويله إلي كيان عصري يأخذ ويعطي ويخضع للقانون ويحترم الإجراءات المعمول بها ولا يسطو علي أراضي الدولة ولا يغتصب حقوق الآخرين، والمعركة ليست سهلة إذ إن خفافيش الظلام ومافيا الفساد يقفون بالمرصاد لكل جهود الدولة المصرية حاليًا لإجهاضها وإلقاء التبعة علي أسر الطبقات الفقيرة ودون المتوسطة ممن اشتروا شققًا دفعوا فيها دم القلب وجمعها ملاك فاسدون واختفوا وتركوا هؤلاء الفقراء المنصوب عليهم في مواجهة الدولة تحت ضغط ظروف صعبة، ويكفي أن الدولة تبني في بعض المناطق من الصفر وتريد أن تكون مصر دولة عصرية حديثة.

ثالثًا: إن الشعب المصري تعود لسنوات طويلة أن يعيش بمنطق (عيال الدولة) ولم يدرك أن لكل سلعة ثمنا حقيقيا ولكل خدمة مقابل محسوب ومن العسير أن يعيش الناس علي الدعم الداخلي والقرض الخارجي والمعونة العربية، إن مصر أيها السادة أكبر من هذا وأعظم وقد حان الوقت لكي يتحمل المصريون ـ ولابد أن أعترف أنهم يفعلون ذلك حاليًا بشكل مبهر ـ من أجل الاستقلال الكامل والكرامة الحقيقية والعناد الوطني لأن دولة يضرب تاريخها المكتوب لما هو أكثر من خمسة آلاف عام يجب أن تشعر بالتميز مهما كانت الظروف الصعبة والضغوط الشديدة والحصار السياسي والإعلامي الذي تقوده فئة منا خرجت علينا وأساءت إلينا.

رابعًا: إن مصر التي يراها البعض محمية إلهية، بينما ينظر إليها البعض الآخر علي أنها الدولة المركزية المحورية الأولي في الشرق الأوسط، فضلًا عن أنها حاضنة الديانات، مستقبلة الثقافات، موئل الحضارات لذلك فإنها لن تسقط أبدًا، وليس ذلك رجمًا بالغيب أو شطحًا في دهاليز الميتافيزيقا ولكنها قصة التاريخ الطويل وأسطورة الجغرافيا المتميزة، لديها خير أجناد الأرض الذين يشكلون واحدًا من الجيوش العشرة الكبري في عالم اليوم.

خامسًا: إننا أشد ما نكون حاجة إلي الضمير الوطني حاليًا الذي يؤمن بحق الدولة في الضرائب والجمارك، وفي الحصول علي التصريحات الصحيحة والبناء الذي يتسق مع احتياجات البشر محترمًا في الوقت ذاته مظاهر التنسيق الحضاري وعناصر الرقي العمراني، وأنا شخصيًا أعمل في مدينة الإسكندرية ودهشت في سعادة لما رأيته في مساكن بشائر الخير التي يتعانق وسطها مسجد وكنيسة في إشارة إلي تحول حقيقي في شخصية مصر إلي الأفضل، كما أن محور المحمودية الذي أعتز به لا لأنه اسم الترعة التي بناها محمد علي وأولاده ولكن أيضًا لأنه اسم المدينة الكائنة في محافظة البحيرة والتي تنتمي إليها طفولتي وسنوات عمري الباكر.

لقد آن الأوان لكي يستعيد الوطن المصري شبابه، وينفض عنه غبار الفساد، ويتقدم بخطوات ثابتة نحو غد أفضل للأجيال القادمة.

* نقلًا عن صحيفة الأهرام

[x]