السؤال الغائب عن صاحبة الجلالة

13-9-2020 | 14:31

 

طيب اذا كانت الصحف الورقية تعاني معاناة عربة نفد منها الوقود، ويحاول أصحابها دفعها بالأيدي على مطلع كوبري حاد الارتفاع، وكلما تقدموا خطوة تراجعت العربة خطوتين، هل حال المواقع الإلكترونية أفضل وتخدم متابعيها بما يجبرهم على عدم التفريط فيها يوما واحدا، ويقبلون عليها إقبال الصائمين على إفطار شهي؟ قبل أيام سألت صديقا وهو باحث مرموق وكاتب لامع، حاصل على الدكتوراة في العلوم السياسية من إحدي الجامعات الأمريكية ، ويكتب في موقع صحفي معروف على شبكة الإنترنت ، وهو من الكتاب منتجي الأفكار وليس من المعلقين على الأخبار الجارية أو أصحاب الانطباعات السريعة على الأحداث: خير لم أقرأ لك من مدة. رد ضاحكا: توقفت عن الكتابة، يبدو أن الكتابة لم تعد عملا صالحا للاستخدام الآدمي. انزعجت من عبارته: لا أصدق..صفحات التواصل الاجتماعي والمواقع متخمة بآلاف المقالات يوميا.


قال: لها مواصفات خاصة لا أحسنها.. أهمها خفة التناول مثل السندويتشات الجاهزة التي تباع على الطرق السريعة ، ضررها أكثر من نفعها، حتى لو أنهت جوع من يأكلها.

تجاوزت نبرة السخرية وسألته: بجد..ماذا حدث؟ قال: أزمة مالية، وطلبوا مني أن أكتب مجانا.. كان يمكن أن أوافق، لكن إحساسي بقلة اهتمامهم بالمهنة وعملهم والكتابة هي أصل قراري بالتوقف. ارتفعت ضحكته أكثر: المجانية صارت شائعة في الصحف والمواقع هذه الأيام،وكل شىء مجاني رخيص، يبدو أنهم أيضا لا يفرقون بين الصحف الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي..

قلت: كتابات هذه الشبكات بلا سعر، لأن كتابها ليسوا من المحترفين، وهي تشبه ثرثرة التليفون بين الأصدقاء والأحبة والزملاء يقصرون بها حبل الوقت، لكن الكتابات المحترمة ذات الثقل المعلوماتي والفكري تبيعها الصحف العالمية على مواقعها، مثلا إيرادات جريدة نيويورك تايمز ارتفعت فقط في الشهور الثلاثة الأخيرة من عام 2019 إلى ما يقرب من 510 ملايين دولار، وزاد عدد المشتركين بالنسخة الإلكترونية بنحو 350 ألف مشترك في نفس الفترة، يعني مائة وعشرين ألف مشترك جديد كل شهر، ولهذا لم ترتعب إدارة الجريدة حين تقلصت إيرادات الإعلانات بنسبة 11 % تقريبا، لأن إيرادات التوزيع غطتها وزادت عليها.

قال متحسرا: يا عم .. المسافة بيننا وبينهم سنوات ضوئية. قلت: ظاهريا فقط، بسبب اختلافات كثيرة في تاريخ الصحافة الأمريكية والصحافة المصرية، العلم والمعرفة والعقل المنظم يسد الفجوة ويقطع المسافات.. نحن واقعون في براثن أزمة في نمط الملكية، جعلت الصحف القومية تمضي على درب دواوين الحكومة في علاقات العمل والتراخي ونمط الإدارة، وللأسف انتقلت بعض هذه الأمراض إلى الصحف الخاصة، لأسباب كثيرة، وعلى أصحابها أن يجدوا لها حلولا جذرية. وقطعا مساحات الحركة ومقدار الحرية والقدرة على التطور في الصحافة الأمريكية أضعاف ما تتمتع به الصحافة المصرية، وهذا راجع لاختلاف تاريخ كل دولة والبنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية بينهما، ولا تنس أن الفارق الزمني بين نشأة الصحافتين مائة وخمسين سنة.

وبالرغم من كل هذا، يمكن للصحافة المصرية أن تنجح كما نجحت نيويورك تايمز في تحدياتها الحديثة، فقط أن تعمل بنفس العقلية في إدارة نفسها وإنتاج المادة المنشورة على الورق أو على الشبكة العنكبوتية.. انتهت المكالمة التليفونية، لكن القضية صارت مثل ذبابة جبلية في غاية الرذالة لا تكف عن الزن في رأسي. حاولت أن أهشها بسؤال بسيط جدا، سؤال لم تطرحه صاحبة الجلالة على نفسها مطلقا: هل يعقل أن مصر ليس فيها على الأقل خمسة ملايين قارئ صحف ورقية وإلكترونية يوميا؟ خمسة ملايين قارئ يدفعون ثمن المادة الصحفية. من فضلكم لا تحدثونا عن عادات القراءة التي اندثرت، ولا ثقافة المحمول التي سادت، نحن نتكلم عن أطباء ومهندسين ورجال أعمال وأساتذة جامعات ومحاسبين ومدرسين ومحامين وضباط وموظفين ورياضيين وفنانين ومضاربين في البورصة ومصريين على المعاش وربات بيوت متعلمات..الخ.

ورقم الخمسة ملايين لا يزيد على خمسة في المائة فقط من عدد سكان مصر الأكثر من مائة مليون، وعدد الذين يجيدون القراءة والكتابة حوالي 74 %، منهم 15% مؤهلات عليا، و25% مؤهلات متوسطة وفوق المتوسطة، أي أن سوق قراء الصحف ورقا أو على النت يمكن أن تصل إلى 40 مليون نسمة، ألا تستطيع الصحف اصطياد خمسة ملايين مشتر منهم ما بين الطباعة الورقية والنشر الإلكتروني؟.

نعم هو عدد كاف من المستهلكين ويزيد لإحياء الصحف واستعادة حيويتها ومجدها التليد، ويسترد لها حصة جيدة من حجم الإعلانات المتداولة في السوق، خاصة أن أغلب قراء الصحف ورقيا وإلكترونيا هم بحكم التركيبة الاجتماعية والاقتصادية أصحاب قدرة شرائية عالية أو متوسطة. فقط أن نعرف ميولهم واتجاهاتهم وما هي المعلومات التي يحتاجونها والخدمات التي تستدعيهم بها صاحبة الجلالة إلى بلاطها ولا تتوافر على شبكات التواصل الاجتماعي؟ هل فكرت الهيئة الوطنية للصحافة، مالكة المؤسسات الصحافة القومية الصحف، أن تكلف مكتبا متخصصا في الأبحاث واستطلاعات الرأي بعد انفجار الأزمة وانهيار واجهاتها بأن يجرى دراسة ميدانية جادة على احتياجات القراء المحتملين من الصحف وما هي الدوافع التي يمكن أن تجعلهم يشترون جريدة يومية أو مجلة أسبوعية؟ لم يحدث..لأن التفكير كله غارق في الأسباب التقليدية، من ديوان متراكمة تتضخم بالفوائد، ومصروفات ثابتة تطاردهم بقسوة ولا تسمح لهم بالتنفس الطبيعى، ونفقات يجب أن تخفض فورا وللأسف كان جزءا منها يمس جودة الصحيفة، وأصول يمكن أعادة تدويرها بشكل أفضل، دون أن يقتربوا من قلب المهنة العليل وشرايينها التي تمنحه الدم النقي لدوام نبضه، تعاملوا مع المؤسسات الصحفية بمنطق شركات قطاع عام خاسرة يصعب إصلاحها. تبقى كلمة أخيرة..المجتمعات العفية هي التي تتوسع فيها سوق حرة للأفكار والمعلومات، وكلما زاد المعروض منها كانت فرصة الوصول إلى رأي صائب وقرار أقرب للصحة كبيرة، فمن تصادم الأفكار والرؤى تتوالد شرارات الحضارات المتوهجة، وكلما ضاقت السوق لأي سبب، ضعف عقل المجتمع وتراجع وانسحبت عناصر التوهج، ليسقط في حبائل الجهل والتخلف!.

نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

مادة إعلانية

[x]