د. هشام مراد يكتب.. إعلان القاهرة والحرب العالمية الثانية| صور

7-9-2020 | 11:48

د. هشام مراد

 

لا يعلم الكثيرون أن مصير الحرب العالمية الثانية فى آسيا تحدد فى القاهرة منذ نحو 77 عاما.. ففى الفترة من 22 إلى 26 نوفمبر 1943، حينما كانت الحرب تقترب من نهايتها، اجتمع الرئيس الأمريكى فرانكلين روزفلت ورئيس الوزراء البريطانى ونستون تشرشل ورئيس الصين تشان كاى تشيك وأصدروا ما عرف ب إعلان القاهرة ، الذى نص على تجريد اليابان من جميع الأراضى التي استولت عليها من الصين وأهمها منشوريا وفورموزا وأرخبيل بسكادورز ومن الجزر التى احتلتها فى المحيط الهادئ منذ الحرب العالمية الأولى وعلى أن تصبح كوريا دولة مستقلة.

كان إعلان القاهرة نقطة فارقة فى مسار العلاقات الدولية آنذاك، حيث عزز من مكانة الصين كقوة عالمية كبرى. فقد أراد روزفلت إقامة علاقات إيجابية ومثمرة مع الصين بعد الحرب تساعد فى منع تجدد التوسع اليابانى، فضلاً عن الحصول على مساعدة الصين في إبقاء التوسع البريطاني والروسي في آسيا تحت السيطرة.

وكان الرئيس الأمريكي يأمل في منع البريطانيين والروس من استخدام عدم الاستقرار بعد الحرب لزيادة وجودهم في القارة كما كان يرغب فى الحصول على مساعدة الصين من أجل إنهاء الوجود الاستعماري لبريطانيا وفرنسا فى آسيا واستبدال مستعمراتهما بنظام الوصاية الدولية الذى ستضطلع به الأمم المتحدة فيما بعد.

لذلك اقترح عقد مؤتمر القاهرة كوسيلة للتعبير عن ثقة الولايات المتحدة في جمهورية الصين.وسعى من خلاله لإعطاء مكانة خاصة للزعيم الصينى تشان كاى تشيك عن طريق الاجتماع به منفردا قبل بدء المؤتمر وقبل وصول تشرشل للقاهرة.

ويصادف هذا الشهر الذكرى الخامسة والسبعين لانتهاء الحرب العالمية الثانية فى آسيا التى كانت بالأساس حربا بين الصين واليابان فى الفترة من 7 يوليو 1937 إلى 2 سبتمبر 1945. وقد اندلع النزاع بسبب توسع اليابان الاستعماري واحتلالها لمناطق شاسعة من الصين وشرق آسيا وجنوبها، بما فى ذلك غزوها لإقليم منشوريا الصين عام 1931. كانت تلك الحرب هى أكبر حرب أسيوية في القرن العشرين وتسببت فى مصرع ما بين 10 و 25 مليون مدني صيني وأكثر من 4 ملايين من العسكريين الصينيين واليابانيين.

كانت الحرب نتيجة لسياسة إمبريالية يابانية استمرت عقودًا لتوسيع نفوذها سياسيًا وعسكريًا من أجل تأمين الوصول إلى المواد الخام، خاصة البترول، والغذاء واليد العاملة. فقد أثرت زيادة إنتاج المنسوجات الصينية سلبًا على الإنتاج الياباني وأدى الكساد الاقتصادي الكبير الذى أصاب العالم فى نهاية العشرينات من القرن الماضى إلى تراجع كبير في الصادرات اليابانية وانخفاض الدخل الوطنى.
ساهم كل ذلك في نشأة تيار القومية المتشددة فى اليابان والذى بلغت ذروته في صعود فصيل عسكرى إلى السلطة فى الثلاثينات. وكان هذا التيار يؤيد شن سياسة توسعية فى شرق آسيا من أجل السيطرة على الموارد التى تحتاج إليها اليابان. وهو ما أدى لاندلاع الحرب مع الصين.

وقد حققت اليابان انتصارات كبيرة فى بداية الحرب، حيث استولت خلال عام 1937 على بكين وشنغهاى ونانجينج عاصمة الصين آنذاك. وقد أعقب سقوط العاصمة فى ديسمبر مذبحة مروعة راح ضحيتها ما بين 40.000 إلى 300.000 من المقاتلين والمدنيين الصينيين. وإرتكب الجيش اليابانى عمليات سلب ونهب وإغتصاب واسعة النطاق ظلت لسنوات طويلة عقبة أمام إقامة علاقات سوية بين البلدين.

ومع انتظام المقاومة الصينية من جانب القوات الحكومية بزعامة تشان كاى تشيك وقوات الحزب الشيوعى بقيادة ماوتسى تونج الذين شنوا حرب عصابات ضد الغزاة، تجمدت خطوط القتال وتحولت المعارك إلى حرب إستنزاف للقوات اليابانية. فقد سعت المقاومة لاستدراج الجيش اليابانى إلى المناطق الريفية الشاسعة من أجل إنهاكه.

والواقع أن الجيش اليابانى لم يستطع السيطرة سوى على المدن الكبيرة وكان يفتقر إلى القوة البشرية الكافية للسيطرة على الداخل الصينى. وهو ما مكن القوات الحكومية والقوات الشيوعية من شن هجمات مضادة على الجيش اليابانى.

ومع اندلاع الحرب فى 1937، بدأت الولايات المتحدة فى دعم الصين من خلال تقديم مساعدات عسكرية ومالية. وكانت واشنطن تناصب العداء لليابان بسبب سياستها التوسعية فى المحيط الهادىء.وازدادت المساعدات بعد هجوم اليابان على الأسطول الأمريكى فى بيرل هاربور فى ديسمبر 1941 ودخول الولايات المتحدة الحرب ضد دول المحور.وفى غضون أيام، انضمت الصين إلى الحلفاء في إعلان رسمي للحرب ضد اليابان وألمانيا وإيطاليا.

وبعدها بأيام قليلة، حققت المقاومة الصينية نصرًا حاسمًا ضد اليابان في معركة تشانجشا فى 15 يناير 1942وهو ما رفع من المكانة الدولية للصين إلى مستوى غير مسبوق بعد قرن من التدخلات العسكرية من جانب القوى الاستعمارية الأوروبية.

وقد وصف الرئيس روزفلت حينها الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد السوفيتي والصين بأنهم "رجال الشرطة الأربعة" في العالم. وبعد القصف الأمريكى لهيروشيما ونجازاكى بالقنبلة الذرية فى أغسطس 1945 وانتصار الحلفاء فى آسيا، استسلم الجيش اليابانى في الصين في 9 سبتمبر 1945 لقوات تشان كاى تشيك وانسحب من كل الأراضي التي احتلها خلال الحرب.

[x]