حقوق المرأة هي حقوق الرجل

2-9-2020 | 12:47

 

من المؤكد أن تحرير المرأة هو الحركة التي رفع لواءها قاسم أمين، وهو القضية التى تبناها وسخر لها كل طاقاته، وسار فيها خطوات واسعة، ونقلها إلى الجمهور العريض، ووصل بينها وبين الحركات التى قامت فى إطار النهضة المصرية الحديثة لتحقيق الاستقلال الوطني، وبناء النظام الديمقراطي ، و تجديد الفكر الديني ، والانفتاح على الثقافات الأخرى وما ظهر فيها من تيارات عقلانية وكشوف علمية.


ونحن نعرف أن قاسم أمين كان واحدا من الشباب المصريين الذين التفوا حول جمال الدين الأفغاني فى الفترة التى أقام فيها الأفغانى فى مصر. وعندما رحل إلى فرنسا ليدرس القانون جدد صلته بالأفغانى ومحمد عبده اللذين استقرا فى باريس بعد هزيمة العرابيين.

وكان إلى جانب عمله فى القضاء بعد عودته إلى وطنه يكتب للصحف، ويشارك فى نشاط الجمعيات الأهلية ومنها اللجنة التى ألفها هو وسعد زغلول لإنشاء الجامعة المصرية، ويواصل مع هذا جهوده التي بذلها في الدفاع عن قضيته الأولى وهى تحرير المرأة المصرية . لكن قاسم أمين لم يكن أول من تحدث عن المرأة وحقوقها فى هذا العصر الذى مازالت المرأة المصرية تناضل فيه حتى اليوم لتتخلص مما لايزال يطاردها ويقيد خطاها من أشباح الماضى وأغلاله، ولتقنع المجتمع بحقها الكامل في المساواة الكاملة مع الرجل، وهو شرط أساسى لا تحصل بدونه المرأة على حريتها ولا تنال حقوقها. لأن الاعتراف النظرى بهذه الحقوق لايكفي.

وربما تحقق هذا الاعتراف بجهود النخبة المستنيرة التى تملك القدرة على أن تتحدث وتعلن أفكارها، لكنها لاتملك القدرة على أن تطبق وحدها ما رأته. لأن النخبة دائما أقلية لاتستطيع أن تفرض رأيها على الأغلبية التى يمكنها أن تدير ظهرها لكل ما لايعجبها من الأفكار والمباديء الجديدة.

والنخبة تستطيع على سبيل المثال أن تمكن المرأة من الحصول على نص فى الدستور يؤكد حقها فى التصويت والترشيح، لكن هذا الحق يظل اعترافا نظريا تستطيع الأغلبية أن تحوله إلى واقع فعلى حين تختار من تراه جديرا بتمثيلها فى البرلمان رجلا أو امرأة، وتستطيع أن تهمله فلا تلتفت للنساء المرشحات كأنهن غير موجودات وتعطى صوتها لمن تراه من الرجال فحسب. وقد يظن البعض أن الأغلبية التى تقف هذا الموقف تتألف من الرجال وحدهم، والحقيقة أنها تتألف من الرجال والنساء. لأن حقوق المرأة ثقافة يجب أن تتاح للجميع وإلا فهى معرضة لمن يطعن فيها باسم الدين أو باسم التقاليد. ويستطيع بهذا أن يكسب لصفه صاحبات الحق اللائى يتنكرن لحقوقهن لينلن الرضا ممن يملكون القدرة على الإيذاء، وليتجنبن اتهام هؤلاء لهن بالمروق والخروج على التقاليد الموروثة.

ونحن نرى أن ما حققته المرأة المصرية فى النصف الأول من القرن الماضى على يد قاسم أمين، وهدى شعراوي، وسيزا نبراوي، ودرية شفيق تعرض للانتكاس فى العقود الخمسة الأخيرة على أيدى جماعات الإسلام السياسي. وهذا ما يدعونا للنظر فى هذه القضية من جديد. كيف بدأت؟ وكيف انتهت؟ لأن حقوق المرأة لا تنفصل عن حقوق الرجل. فالمرأة هى أم الرجل، وابنته، وشقيقته، ورفيقة حياته. وكل مكسب يتحقق للمرأة يتحقق للنهضة. وكل ما تفقده المرأة يفقده الجميع. أقول إن قاسم أمين لم يكن أول من تحدث عن المرأة فى هذا العصر، فمن هو المتحدث الأول عنها؟ المتحدث الأول هو رفاعة رافع الطهطاوي الذى حدثنا عن المرأة الفرنسية والمرأة المصرية فى كتابه «تخليص الإبريز» وفي كتابه «المرشد الأمين للبنات والبنين» وعبر فى حديثه عن ثقافته الجديدة التي حصلها من قراءاته فى فكر القرن الثامن عشر ومن حياته التي عاشها فى وطنه وفى باريس، وأتاحت له أن يفكر ويقارن بين ثقافة وثقافة وبين زمن وزمن آخر، ويخرج بالنتائج التى اكتشفها والقناعات التي وصل إليها. وهذا حديث يستحق أن نفرد له مقالة خاصة نستطيع أن نمهد لها بالنظر فى الظروف التى أحاطت بالطهطاوي وسبقته ولفتت نظره لقضية المرأة وطرحت عليه الأسئلة التي أجاب عليها. وفى ظنى أن هذه القضية ثارت أول ما ثارت خلال الحملة الفرنسية التى كشفت للمصريين عن عالم لم يكونوا يعرفون عنه شيئا، وأحضرت معها هذا العالم ليروه متجسدا أمامهم برجاله ونسائه، وجده ولهوه، وليله ونهاره، وآلاته وعاداته، ونظمه وقوانينه. بل لقد كشفت للمصريين ما لم يكونوا يعرفونه عن أنفسهم، لأنها فاجأتهم بما لم يتعودوه، وفرضت عليهم أن ينقلوا أبصارهم بين الطارئ العجيب والواقع المألوف، فضلا عما اكتشفه علماؤهم من تاريخ مصر ومن حضارتها التي كان يجهلها أبناؤها. وهكذا فتح هؤلاء عيونهم ليروا رجالا «يمشون فى الشوارع مع نسائهم وهن حاسرات الوجوه لابسات الفستانات والمناديل الحريرية الملونة، ويسدلن على مناكبهن الطرح الكشميرى والمزركشات المصبوغة، ويركبن الخيول والحمير ويسوقونها سوقا عنيفا مع الضحك والقهقهة ومداعبة المكارية منهم وحرافيش العامة، فمالت إليهم نفوس أهل الأهواء..» والجبرتى يواصل فى كتابه «عجائب الآثار فى التراجم والأخبار» p11 حديثه عن تلك الحياة التي تركت أثرها فى المصريين رجالا ونساء. المتنزهات، والمقاهي التي أنشأها الفرنسيون فى القاهرة، ومسرح الأزبكية وسواها من الأماكن التي كانوا يرتادونها هم ونساؤهم ومعهم بعض المصريين، والزيجات التى تمت بين الرجال الفرنسيين و«بنات الأعيان».

وكان الفرنسيون «يظهرون اسلامهم عند العقد» أما زوجاتهم المصريات فقد لبسن الفرنسيات وسلكن سلوكهن ونهجن نهجهن في الحياة والمعيشة وهو ما اعتبره الجبرتى تبرجا وخلاعة وخروجا عن الحشمة والوقار ولو أن الجبرتى امتد به العمر لرأى كيف كانت مصر كلها تنتقل من العصر الذى كانت فيه إلى عصر جديد ظهر فيه رفاعة رافع الطهطاوي، ومحمد عبده وقاسم أمين وأصبح من حق المرأة المصرية فيه أن تتعلم وتعمل وتشارك فى النشاط العام، وتصبح نائبة ووزيرة. لكنها مازالت تناضل لتقنع من لم يقتنعوا بعد .

* نقلًا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

الأستاذ الإمام وتلاميذه ـ4

بين محمد رشيد رضا وأستاذه الإمام محمد عبده وجوه شبه كثيرة تتجاوز المبادئ والأفكار التى تلقاها التلميذ عن أستاذه إلى المواقف والأعمال التى تابعه فيها وسار

محمد عبده .. العقل والدين

خلال الأسابيع الماضية وأنا أتحدث عن البيان الصادر عن الأزهر في ختام المؤتمر الذي عقده للنظر في تجديد الفكر الإسلامي، كنت أراجع ما لدي مما كتبه الإمام محمد عبده، ومما كتب عنه فوجدت أن كثيرًا مما قاله بيان الأزهر الذي صدر منذ شهرين سبق إليه الأستاذ الإمام قبل أكثر من مائة وعشرين عامًا.

[x]