مدرسة العلاج بالدموع!

27-8-2020 | 01:09

 

قديما قال الفيلسوف اليوناني أرسطو "إن البكاء ينظف العقل "، كما كتب شكسبير "أن تبكي هو أن تخفف من عمق الأحزان"..لكن فى الشرق نشأنا على حرمة البكاء وبأنه من "شيم النساء"، وهو ما يجافي تماما ما ذهب إليه موروثنا من الشعر والتراث العربى، بل وما ورد ذكره فى مواضع كثيرة من آيات القرآن الكريم.


فقد فاضت قريحة الشعر العربى فى الدموع والبكاء، بشلال هادر من الدموع والبكاء، إن سعادة أو حزنا ..

منها ما يقوله ابن حزم:

دليل الأسى نار على القلب تلفح.. ودمع على الخدين يحمي ويسفح

وهذا قول الشاعر ذي الرمة:

لعل انحدار الدمع يعقب راحة .. من الوجد أو يشفي نجيَّ البلابل

أما أبو فراس الحمداني فله مذهب آخر في الدمع؛ إذ يقول فى رائعته التى تغنت بها أم كلثوم مع بعض التصرف:

أراك عصيَّ الدمع شيمتُك الصبرُ .. أما للهوى نهيٌ عليك ولا أمر

أما أبو الطيب المتنبي فهو بين بين على نحو قوله:

الحزن يقلق والتجمُّل يردع .. والدمع بينهما عصيٌّ طيِّع

ومن أنواع الدموع دموع الفرح الشديد، يقول أحدهم:

طفح السرور عليّ حتى إنه .. من فرط ما قد سرني أبكاني

يا عين قد صار البكا لك عادة.. تبكين في فرحي وفي أحزاني

هناك أشكال وصور متعددة لمسببات البكاء، أشدها ألما "دموع قهر الرجال"، وأعلاها قدرا ومكانة البكاء من خشية الله ، فكان للقرآن الكريم حديث حول
فيض الأعين من الدمع فى مواضع كثيرة؛ كما في قوله تعالى: (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ)، وقوله تعالى: (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا).

وإن كان ذرف الدموع نعمة للمرأة ، كما يقولون، فكتمها نقمة على الرجل. ما دفع بعض الفلاسفة إلى القول بأن المراة أطول عمرًا من الرجل؛ لأنها أكثر منه بكاء وأغزر دمعًا، والعلم الحديث يؤكد أن المرأة أكثر بكاء بسبب زيادة عدد الغدد الدمعية لديها، فالرجل حين يغضب أو يحزن يغلي من الداخل كإناء يغلي ويحتبس بخاره، أما الغليان داخل المرأة فيتحول إلى قطرات دموع تنفس بها عما بداخلها من غليان، فهي تنفجر بالدموع.. لكن الرجل ينفجر فقط!!.

فالحرمان من البكاء خسارة كبيرة، هذا ما أكدته دراسة علمية من أن المحرومين من ذرف الدموع يعانون من صعوبات شديدة في التعبير عن مشاعرهم، وأن الحرمان من البكاء يهدد بأمراض نفسية مثل القلق والاضطرابات العصبية، وهو يحرم الإنسان من إحدى أهم وسائل التعبير عن الرأي والعاطفة، كما يراه خبراء الطب النفسي.

وتشير الدراسات العلمية إلى أن البكاء يطهر الجسم من بعض السموم، ويخلصه من الإجهاد الهرموني المفرط، ويحفزه على إفراز هرمونات السعادة كالإندورفين والأكستوسين والتي تقلل الشعور بالألم الجسدي والنفسي، كما يسمح البكاء للجسم باستعادة توازنه والتخلص من الشعور بالعبء الثقيل.

وتوصلت دراسة أخرى شملت أكثر من 4 آلاف شخص من 30 دولة، إلى أن معظم هؤلاء الأشخاص حققوا تحسنًا في الحالة النفسية والبدنية لديهم بعد مرورهم بنوبة بكاء.

وحتى الدموع نفسها تختلف من موقف لآخر، فقد اكتشف الكيميائي الحيوي و"خبير الدموع" ويليام فري في ولاية مينيسوتا الأمريكية، أن الدموع اللا إرادية تحتوي على 98% من المياه - ووجد بعد دراسة تركيبة الدموع - أن دموع العاطفة تساعد الجسم على طرح الهرمونات والسموم الأخرى التي تتراكم أثناء الإجهاد، إذ تحتوي الدموع العاطفية على هرمونات التوتر التي يفرزها الجسم عن طريق البكاء، وأن الدموع التي نذرفها عند مشاهدة أفلام حزينة أو قصص إنسانية مأساوية، تحتوي على نسبة أكبر من البروتين، مقارنة بالدموع التي نذرفها كاستجابة تلقائية لشرائح البصل التي تُقطع بجوارنا.

ومن الغريب أن البكاء كان من شيم الأبطال في الأساطير القديمة، ف الساموراي "المحاربين اليابانيين القدماء" كانوا يتفاخرون بأكمام قمصانهم التي تقطر منها الدموع، ومع ذلك يعتبر كبح الدموع فضيلة في الثقافة اليابانية، كما هي عيب وانتقاص من شيم الرجال في ثقافتنا العربية، ذلك أن المجتمع الياباني لا يقبل البكاء.

واليوم يأتي مُعلم ياباني ليحث الناس على " العلاج بالبكاء " ويقول - وفق تقرير حديث نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية - إن من شأن العلاج بالبكاء عن عمد مرة إلى 3 مرات شهريا المساعدة على إزالة السموم من قلبك وتعزيز نظامك المناعي.

"ناكاجيما" الذي يعتبر نفسه مُدرسًا فى " مدرسة الدموع "، يفكر فى صنع "كوكتيل دموع خاص"، ربما على طريقة "بالدمع جودي يا عين" بالياباني طبعًا، ويسعى جاهدًا لأن يجعل الرجال فوق سن الـ 40 يبكون، حتى لا يموتون كمدًا من ضغوط العمل.. هذا الكلام فى اليابان، لكن في دول أخرى كثيرة حول العالم؛ يبكي الناس قهرًا بسبب ضغوط الحياة، ولسان حالها "كفكف دموعك" أو "كبر دماغك"!

فهل يأتي يوم تكون فيه النصيحة، لا تحبس دموعك واطلق عنانك للبكاء ولا تخجل، فمقولة "الرجال لا يبكون" ولّت، فقد صار البكاء ميزة إنسانية بامتياز؟!

شارك برأيك

توقع من سيتوج بكأس الأميرة الإفريقية ؟

مقالات اخري للكاتب

تجارة "بصمات الأصابع".. و"قراءة العقول"!

تجارة "بصمات الأصابع".. و"قراءة العقول"!

لقاح فريق الأحلام!

لقاح فريق الأحلام!

السيد "روبوت" العاطفي!

أصبحنا نُفضفض "أون لاين" ونحكي مشاكلنا "أون لاين" ونبحث عمن "يطبطب" علينا "أون لاين"، مع إن أقرب الناس إلينا في الغرفة المجاورة هم الأولى بذلك، ولولا وسائل

ويسألونك عن القيلولة!

من يعود بالذاكرة إلى مظاهر حياة المصريين قبل عقود مضت، سيجد أن من بين العادات الصحية التي سلبتها دوامة الحياة هي "نوم القيلولة"، فقد كان مشهدا يوميا مألوفا رأيناه في الآباء والأجداد..

ملابس المستقبل .. ذكية!

"ملابسنا تحددنا" مقولة مهمة للأديب عباس العقاد، بمعنى أنها تكشف عنا وتوضح هويتنا، ويؤثر عن أحد الفلاسفة قوله " الملابس تؤثر على مشاعرنا وأمزجتنا"..

مسافر زاده الخيال!

كل إنسان فى داخل عمره، عمر "تانى"، تتراجع معه سنوات عمره للوراء فى لحظات السعادة، وقد يتجاوز سنوات عمره الحقيقى حين تُعجزه مطالب الحياة، أو تصدمه ردة فعل من كان ينتظر منهم فقط حفظ الجميل، وليس رده ..

أول روبوت "صحفي"!

هل تتذكرون "صوفيا"، ذلك الروبوت الذكي الذي يفكر ويتكلم ويجري حوارات مفتوحة.. في إحدى حواراتها سألها مذيع سؤالا، ربما رآه البعض ساذجًا "هل تريدين تدمير البشر؟"، لكن ردها جاء مُفحما.. "نعم .. أريد تدمير البشر!!".

نهاية عصر الهواتف الذكية!

لو عدنا بالذاكرة لـ 30 عاما مضت، سنجد أن التليفزيون والفيديو وكاميرا التصوير التقليدية أو الديجتال والكاسيت والتليفون الأرضي، كانت وسائل التواصل مع العالم الخارجي في البيوت، وفي فترة زمنية قصيرة جدا جمعها الهاتف الذكي في جهاز واحد بحجم كف اليد، وبكفاءة تفوقها مجتمعة.

شريحة تغير دماغك!

قبل أن ينتهي العام الحالي بكل سوءاته، ووسط ركام الدماء والدمار والاستقطابات والتجاذبات، التي صارت مرادفًا لكلمة "نشرة الأخبار"، يأتي الإعلان عن شريحة Neuralink،

العالم قبل وبعد 30 عاما!

في مطلع ثمانينيات القرن الماضي كانت هناك شركة عربية ملء السمع والبصر في مجال الكمبيوتر، هي "صخر"، فأين هي الآن؟ رغم أنها كانت صاحبة الفضل في إدخال الكمبيوتر للمنازل العربية، ووصفت بأنها "مايكروسوفت العرب"، لكن لم يشفع لها التواجد على الساحة لأكثر من 20 عاما على البقاء لأنها لم تتطور، فاختفت.

حياة تبحث عن حياة!

قد يستغرب الكثيرون، لماذا هذا التزاحم لإطلاق رحلات نحو المريخ في خلال شهر واحد؟، أما كان من الأولى استكشاف المجهول في مناطق كثيرة من الكرة الأرضية؟، أليس من الأولى توجيه مثل هذه المليارات لتحسين حياة البشر على الأرض؟

حياتنا النفسية في عالم الحيوان!

حين نسمع ونرى أبناء يفرون هاربين من أمهم ويدعونها تصارع الموت وحيدة مع كورونا.. وحين نجد شخصا منزوع الرجولة يستأجر بلطجيا ليشوه سمعة زوجته "الشريفة" حتى

مادة إعلانية

[x]