أردوغان وإسرائيل .. لغز معقد

25-8-2020 | 13:39

 

سوف يظل رجب طيب أردوغان شخصية مثيرة للجدل تحيط بها أوهام عبثية وأفكار عفا عليها الزمان مع حالة من حالات ازدواج الشخصية التى لا نكاد نعرف لها مثيلًا، لقد رأيت له ثلاث لقطات تليفزيونية تدعو إلى الدهشة؛ أولاها فى زيارة لإسرائيل منذ عدة سنوات محاطًا بالقيادات الصهيونية داخل الدولة العبرية، ورأيت له لقطة أخرى فى حوار مع شيمون بيريز حضره عمرو موسى أمين عام جامعة الدول العربية وقتها ومعهم أمين عام الأمم المتحدة حينذاك، وفوجئنا برجب طيب أردوغان يترك اللقاء منفعلًا ويوجه حديثًا عنيفًا بصوت مرتفع لشيمون بيريز بصورة توحى بأن أردوغان هو حامى حمى الحرمين والحافظ الأول للقضية الفلسطينية والحريص الأشد على حقوق الشعب الفلسطيني.


ثم رأيناه فى مشهد ثالث يوفد مركبًا تركيًا فى محاولة للوصول إلى أبناء غزة المحاصرين فتضرب إسرائيل المركب وتقتل عددًا من أفرادها في جريمة مروعة شهدها العالم كله، ويمتطى رجب طيب أردوغان صهوة جواد عثمانى ويهدد إسرائيل بتجميد العلاقات وبعقوبات ما لم تحقق له شروطًا ثلاثة، كان من بينها دفع تعويضات لأسر الضحايا، والثانى تقديم اعتذار رسمي للدولة التركية، والثالث تحسين أوضاع الفلسطينيين فى غزة، والطريف أن الأمور عادت إلى مجاريها بين إسرائيل وتركيا بزعامة السيد أردوغان دون أن تحقق له إسرائيل أيا من الشروط الثلاثة التى ذكرها باستثناء اعتذار هزيل.

وهكذا وجدنا الرجل يلعب بصورة بهلوانية على حبل رفيع، حتى رأينا مشهده الآخر ينتقد بشدة دولة الإمارات لأنها اتفقت مع إسرائيل برعاية أمريكية على إقامة علاقات بين البلدين ونسى هو تاريخه الشخصى وتاريخ بلاده فى العلاقات القوية مع إسرائيل سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، وبدأ يسكب الدموع حزنًا على الشعب الفلسطينى؛ ولكنها دموع التماسيح عندما تنحسر عنها المياه، وكل ذلك لا يمنع السيد أردوغان من ارتداء عباءة السلطان العثمانى عند اللزوم ويضع عمامة الخلافة على رأسه ضاربًا بأفكار أتاتورك عرض الحائط، ومحاولًا التدخل فى كل الدول التي خضعت للسلطنة العثمانية فى قرون الظلم والظلام بدءًا من البلقان مرورًا بالصومال ثم عودة إلى لبنان الجريح لكى يقدم عروضه المشبوهة، كما أنه يريد أن يجعل من الدولة الليبية مسرحًا للإرهاب ومأوى للمتطرفين، فيضرب عدة عصافير بحجر واحد أولها اغتصاب الثروة الليبية واستخدام ساحلها الطويل على البحر الأبيض فى مغامراته المتتالية، إلى جانب وضع برميل بارود ضخم على حدود مصر فهى التى قصمت ظهره وتحرك شعبها فى تلقائية يوم 30 يونيو 2013 ليغير الخريطة ويبدل الأوضاع، فضرب المصريون مخططًا ضخمًا كان يتوهم به أردوغان أنه يستعيد الخلافة ويجلس على كرسى السلطان مرة أخرى مستمدًا الشرعية من جماعة الإخوان المسلمين التى نشأت بعد سقوط الخلافة العثمانية بأربع سنوات فقط، وتوهم أنه سوف يحكم الأقطار والأمصار ويعيد سياسة القهر التركى إلى المنطقة، ولقد ناصب مصر العداء واعتبرها هى الجائزة الكبرى لأطماعه هو ومن يقفون وراءه.

والغريب أنه تمتع بشيء من التدليل من جانب الولايات المتحدة الأمريكية بل وبعض دول الاتحاد الأوروبى باعتبار بلاده عضوًا فى حلف الأطلنطى، فضلًا عما أوهم به أردوغان تلك الدول من أنه حائط الصد والحماية لهم من الإرهاب، وأنه أيضًا القادر على حل مشكلة الهجرة من جنوب المتوسط إلى شماله، ولقد ابتلعت دول كثيرة فى الغرب الطعم الأردوغانى فسكتوا على جرائمه، وتحملوا مؤامراته، وقبلوا تصرفاته الشاذة والتى كان من آخرها تحويل متحف آيا صوفيا إلى مسجد مرة أخرى متصورًا أنه يشترى بذلك التصرف ولاء العالم الإسلامى ومباركته برغم أنه تصرف يوقظ الفتنة ويعيد إلى الأذهان عصورًا لم يعد لها مكان فى عالمنا، ولنا هنا بعض الملاحظات:

أولًا: إن أردوغان يملك سجلًا من الأطماع فى الأراضى العربية سواءً السورية أو العراقية فضلًا عن التحرك الجديد فى جنوب المتوسط وفي غرب ليبيا تحديدًا إلى جانب أطماعه فى إفريقيا العربية بدءًا من سواكن والصومال بل والسودان أيضًا، وهو يريد أن يوزع القواعد العسكرية لكى تحيط بمصر وتطوقها بحيث تكون محصورة بين قوى داعش و الإرهاب التركى في الغرب و الجماعات التكفيرية فى سيناء الذين يحاولون استنزاف طاقات الجيش المصري ، والدولة المصرية قيادة وشعبًا صامدة لا تلين، واقفة لا تركع.

ثانيًا: إن صورة تركيا فى شرق أوروبا والبلقان صورة تعسة للغاية مثلما هو الأمر فى معظم المناطق الإسلامية والعربية، ف مذابح الأرمن لا تزال شاخصة في ذاكرة العالم المعاصر، كما أن العبث التركى فى عدد من الأقطار الإسلامية والعربية لا يزال تاركًا بصماته على الحدود بينها فما أكثر ما تنازلت تركيا عما لا تملك وفرطت فيما لا تستحق فضلًا عن العنف المفرط، وهل ينسى السوريون مشانق جمال باشا فى ميادين دمشق؟!.

ثالثًا: تسعى تركيا إلى إيواء العناصر الخارجة عن الشرعية والقانون فى بلادها وتفتح أبواق الدعاية من أرضها ضد السياسات العربية الحرة والمواقف الإقليمية الثابتة، ولا تألو جهدًا فى تسميم العلاقات بين الأشقاء فى العالمين العربى والإسلامى.

هذه لمحات من الشيزوفرينيا المركبة لسلطان أنقرة الجديد الذى كنا نتوقع منه أن يكون إضافة للعالم الإسلامى فإذا هو عبء عليه، وعندما لفظه الاتحاد الأوروبى الذى كان يسعى لأن يكون فى مؤخرته توهم أن بإمكانه أن يكون فى مقدمة الشرق الأوسط ورأس الحربة للمخططات الأجنبية فيه، كل ذلك والشعب التركى يعانى من جراء تصرفات حاكمه المستبد الذى قضى على كثير من مظاهر التحضر الفكري والرقي السياسي الذي كنا ننتظر أن تلعبه الجمهورية التركية المستقلة والتى خرجت من عباءة السلطنة منذ قرابة مائة عام، ولكننا كمن يؤذن فى مالطا التى سعى إليها أردوغان أيضًا ليقيم فيها قاعدة عسكرية لتمويل سفنه وتجهيز عتاده للعدوان على غيره.

* نقلًا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

[x]