بسبب كورونا.. سنة دراسية من الجحيم في بريطانيا.. «أزمة درجات» في كل مستويات التعليم الثانوي

24-8-2020 | 14:48

سنة دراسية من الجحيم في بريطانيا

 

منال لطفى

< ملايين الطلاب حول العالم سيضطرون للعيش في « فقاعات تعليمية صغيرة »

< المحاضرات بالجامعات الكبرى ستكون عبر الإنترنت في الفصل الدراسي المقبل

< الجائحة تكلف قطاع التعليم الجامعي 2.6 مليار جنيه إسترليني وتؤدي إلى فقدان 30 ألف وظيفة

 

بعد أيام قليلة من تفشى فيروس كورونا عالميا فى فبراير 2020، بات واضحا أن الفيروس لن يشكل فقط تحديا صحيا.  

ومع ذلك لم يتوقع أحد حينذاك حجم التحديات التى سيشكلها الفيروس للعالم على كل صعيد تقريبا. من الصعيد الصحى، للاقتصادى، للسياسى، للاجتماعى، للنفسى، للتعليمى. فقد ضغط فيروس كورونا على أعصاب الجميع، لكنه ضغط بشكل أكثر قسوة على التلاميذ فى كل العالم.

فالعام الدراسى توقف فى المنتصف، وبات على التلاميذ الاعتماد على تلقى الدروس عبر الانترنت. لكن ليست كل الدول، ولا كل المدارس، ولا كل التلاميذ لديهم كمبيوتر فى المنزل وخط انترنت. حتى فى الدول الأوروبية لا يتوافر هذا لكل التلاميذ. فوسط الطبقات الأكثر فقرا، هذه مزايا غير متوافرة. ولم تكن بريطانيا استثناء.

فمنذ مارس أغلقت كل المدارس فى بريطانيا وتقرر إلغاء كل الامتحانات. ووجد تلاميذ الثانوية العامة بأشكالها فى بريطانيا أنفسهم أمام ظروف غير مسبوقة وترتيبات غامضة. هناك ثلاث شهادات ثانوية فى بريطانيا: الأولى ( GCSEs ) وهى للتلاميذ بين 14 عاما و16 عاما ويدرسون عامين نحو عشر مواد أساسية، من بينها 6 مواد إجبارية تشمل اللغة الإنجليزية والحساب والكيمياء والفيزياء والأحياء. وأربع مواد اختيارية: لغة أجنبية وعلوم إنسانية وفنون. وبعد انتهاء هذه المرحلة يختار معظم التلاميذ الاستمرار فى الدراسة لدراسة الـ (A Level) وهى للتلاميذ بين 16 عاما و18 عاما وتستمر عامين آخرين، ويتم دراسة ثلاث أو أربع مواد تخصصية هى ما تحتاجه الجامعات لتسجيل التلاميذ. وإلى جانب هذا، هناك الثانوية الفنية ( Btec ) حيث يتم تدريس مواد تطبيقية يمكن استخدامها مباشرة فى سوق العمل، لكن يمكن أيضا استخدامها للدراسة الجامعية فى التخصص نفسه.

ومع إغلاق أبواب المدارس وإلغاء الامتحانات لكل شهادات التعليم الثانوى فى بريطانيا فى مارس الماضى كان السؤال الأكثر إلحاحا هو: كيف ستمنح المدارس الدرجات للتلاميذ فى الشهادات الثانوية دون إجراء امتحانات؟

فى البداية، تُركت صلاحيات إعطاء الدرجات للمدرسين بناء على أداء التلاميذ طوال العام والامتحانات التى أجريت قبل الإغلاق العام، لكن الهيئة المشرفة على الامتحانات قالت إن تقييمات المدرسين كان ثلثها «متفائلا» ونصفها «عادلا» وسدسها «متشائما». ولعلاج هذه المشكلة قررت الهيئة المشرفة على الامتحانات استخدام سلسلة من العمليات الحسابية ( الخوارزميات ) اعتماداً على نتائج الأعوام الدراسية الخمسة الماضية فى المدارس لتعديل متوسط الدرجات كى تكون الدرجات «عادلة» و«ذات مصداقية» و«متسقة» عموما مع أداء المدارس فى السنوات الماضية.  

لكن هذه العملية الحسابية الأوتوماتيكية أدت إلى خفض كبير فى درجات مئات الآلاف من التلاميذ.ووجدت حكومة بوريس جونسون نفسها أمام أسوأ أزمة تواجهها منذ تولى السلطة.  ويحكى لويس فين جريفين، مساعد مدير «مدرسة سانت بنديكت» فى جنوب لندن تجربة مدرسته قائلاً:«منذ ثلاثة أعوام حصل أحد التلاميذ على درجة (U) أى (راسب). وبسبب هذه الدرجة، قرر نظام الخوارزميات هذا العام أن أحد التلاميذ يجب أن يحصل أيضا على درجة (U) فى إطار فلسفة الاتساق. لكن هذا العام كل التلاميذ كانوا جيدين ولم يكن هناك تلميذ واحد يستحق أن ينال هذا التقييم السلبى. ومع ذلك تم خفض درجات التلاميذ عشوائيا ونال تلميذ بشكل ظالم درجة  (U).

ومع أن نيات النظام هى «الاتساق» مع متوسط درجات الأعوام الماضية وعدم المبالغة فى الدرجات المرتفعة، إلا أن النتيجة كانت أبعد ما تكون عن العدالة. فنظام العمليات الحسابية ( الخوارزميات ) يتعامل مع التلاميذ كـ«كتلة جماعية»، بينما هم أفراد مختلفون، بظروف مختلفة، وقدرات مختلفة وليسوا رقما جامدا فى عملية حسابية الكترونية.

 

الوجه الذي جسد إخفاقات النظام

وظلم هذه الطريقة فى التقييم وقع بصورة أكبر على التلاميذ فى المدارس الحكومية مقارنة بتلاميذ المدارس الخاصة. ففي المدارس الخاصة يكون عدد تلاميذ الفصل الدراسى قليلا جدا مقارنة ب المدارس الحكومية . وبسبب قلة الأعداد فى المدارس الخاصة لم يستطع نظام العمليات الحسابية ( الخوارزميات ) الاعتماد على بيانات متراكمة لآلاف التلاميذ، ففى بعض المدارس الخاصة عدد الطلاب بالعشرات فقط. وبسبب هذا تم الاعتماد على تقييم الأساتذة كما هو ولم يتم خفض درجاتهم.

لكن فى المدارس الحكومية ونظرا لاستيعابها آلاف الطلاب وتوافر قاعدة بيانات ضخمة من الأعوام الخمسة الماضية، تمكن النظام بسهولة من وضع متوسط للدرجات المتوقعة وطبقها هذا العام، مما أدى إلى خفض درجات نحو 40% من التلاميذ فى المدارس الحكومية الذين ينحدرون عادة من أقليات عرقية أقل قدرة اقتصاديا.

وجسد وجه هذا الظلم الفادح، التلميذ ميثوشان ثياجاراجا، هو طالب بريطانى ينتمى لأسرة هاجرت إلى بريطانيا من سريلانكا بسبب الحرب الأهلية هناك، ويعمل والده فى محطة بنزين.

ووفقا لأساتذة ميثوشان فى مدرسته الحكومية فى جنوب غرب لندن ،كان من المفترض أن يحصل الطالب النابه على أعلى نسبة وهى أربع درجات (A +) (ممتاز) مما يؤهله لدراسة الطب فى جامعة كامبريدج التى قبلت أوراقه من حيث المبدأ انتظارا لنتائج الثانوية العامة. لكن بعد تطبيق نظام العمليات الحسابية ( الخوارزميات ) لتعديل درجات المدرسة كى تكون متسقة مع درجات الأعوام الخمسة الماضية تم خفض درجات ميثوشان ثياجاراجا آلياً إلى درجة واحدة (A +) وثلاث درجات (A) مما يعنى أنه لا يمكنه الالتحاق بكامبريدج لدراسة الطب. يذكر أن نسبة قبول التلاميذ من الأقليات العرقية و المدارس الحكومية  فى الجامعات العريقة مثل أكسفورد وإمبريال كوليدج وكامبريدج ما زالت أقل جداً من نسبتهم الديمجرافية مما يشكل تحدياً أمام تعزيز التنوع العرقى فى الجامعات الكبرى وبالتالى الحراك الاجتماعى. 

الصدمة لم تقع على ميثوشان ثياجاراجا وأسرته فقط، بل على المدرسة كلها، فلو ميثوشان ثياجاراجا دخل كامبريدج ، لكان التلميذ الأول فى تاريخ المدرسة الذى يُقبل فى تلك الجامعة العريقة، مما يعنى رفع تقييم المدرسة الحكومية إجمالا ودفع غيره من تلاميذ المدرسة للعمل بجدية بالغة للتسجيل فى أعرق الجامعات.

عقاب ميثوشان ثياجاراجا ونزع درجاته الممتازة منه بسبب مدرسته الحكومية، ووضعه الاقتصادى، وخلفيته العرقية (فى بريطانيا مثل كل العالم هناك ارتباط قوى بين المدارس الحكومية والوضع الاقتصادى والخلفية العرقية)، أدت لغضب كبير ومطالبات تصاعدت بشكل فورى بعد النتائج بإعادة النظر فى نظام التقييم كله.

وتحت ظلم نظام العمليات الحسابية ( الخوارزميات ) وتعامله مع التلاميذ كأرقام دون الأخذ فى الاعتبار الجهد الشخصى لكل تلميذ ومعدلات الذكاء والحوافز، انتشرت مظاهرات التلاميذ فى كل بريطانيا مما أجبر الحكومة خلال أيام على التراجع عن نظام التقييم الالكتروني عبر الخوارزميات وأخذ تقييمات المدرسين. وبالتالى احتفظ ميثوشان ثياجاراجا بدرجاته الاستثنائية (فقط نحو 250 طالبا فى بريطانيا نالوا تلك الدرجات النهائية) وتم قبول أوراقه لدراسة الطب فى كامبريدج وسط دموع مدرسيه وناظر المدرسة.

ورغم تراجع وزارة التعليم عن التقييم الالكترونى للدرجات، فإن الأزمة أبعد ما تكون عن الانتهاء. فتلاميذ الثانوية الفنية ( Btec ) تم تأجيل إعلان درجاتهم هذا الأسبوع لعلاج مشاكل التقييم الآلى. وبالتالى هم ما زالوا بالانتظار لا يعرفون مصيرهم بينما غيرهم من الطلاب يقدم أوراقه للجامعات التى يريدها التى لديها أماكن محدودة ولا تستطيع قبول كل المتقدمين. وفى كثير من الحالات يكون الفرق بين قبول أوراق تلاميذ أو رفضها هو «موعد التقديم».  

ويقول منتقدو وزير التعليم جافين وليامسون إن نظام التقييم الخوارزمى لم يكن فكرة سديدة من البداية. فهو يقوم على افتراض أن المدرسة التى كانت نتائجها متوسطة من عامين أو ثلاثة أعوام ستظل نتائجها متوسطة اليوم. وهذا غير صحيح، فكثير من المدارس تغير ترتيبها وأداؤها خلال عام واحد إذا كان لديها نظام إصلاحى جيد. كما أن دولا أوروبية أخرى لم تواجه هذه المشكلة أصلاً. فألمانيا أجرت الامتحانات لطلاب الشهادات الثانوية وهو ما يظل أفضل طرق التقييم. أما الدول التى لم تتمكن من إجراء الامتحانات مثل فرنسا والنرويج، فقد اعتمدت على تقييم المدرسين وأداء التلاميذ فى الامتحانات قبل الإغلاق العام بسبب كورونا.

جامعات مكدسة وأخرى تبحث عن طلاب

وبسبب استمرار تفشى العدوى ، لن تستقبل الجامعات الطلاب الجدد داخل أروقتها خلال أسبوع التقديم الذى يكون عادة أسبوعا لتعرف الطلاب الجدد على بعضهم البعض وعلى مبانى الجامعة ومساكن الطلاب وتنظيم المناهج الدراسية.

أما بالنسبة للطواقم الإدارية للجامعة فإن أسبوع تعرف الطلاب الجدد على الجامعة وأماكن الإقامة وتنظيم المناهج، لن يكون سهلاً بدوره. فتعريف الطلاب بكل تلك التفاصيل عبر الانترنت عملية صعبة ومتعبة.

كما أن بعض الجامعات ستعانى أكثر من غيرها. فبسبب تضخم الدرجات هذا العام، ستجد الجامعات الكبرى مثل أكسفورد وكامبريدج وكلية لندن للعلوم الاقتصادية والسياسية نفسها مضطرة لقبول عدد أكبر جدا من الأعداد التى تقبلها عادة وستعانى مشكلة الاكتظاظ بعد ارتفاع الدرجات بشكل حاد. فهذه الجامعات ملزمة باستقبال طلاب أكثر مما توقعت. وأكدت جامعة أكسفورد، على سبيل المثال، فى بيان أنها ستحترم وعدها وتمنح الطلاب أماكنهم فى الجامعة.

على النقيض، بعض الجامعات التى تقع فى الصف الثانى أو الثالث فى ترتيب الجامعات قد لا تجد ما يكفى من الطلاب للتسجيل لديها، وبالتالى ستعانى خسائر مالية كبيرة. وستتفاقم المشاكل المالية بسبب تدابير التباعد الاجتماعى، حيث تعمل قاعات المحاضرات وقاعات السكن بقدرة مخفضة. فقد قررت العديد من الجامعات البريطانية أن سكن الطلاب الذى عادة ما يستوعب نحو 12 طالباً سيستوعب الآن ثمانية فقط، مما يجبر ثلث الطلاب على العثور على سكن فى مكان آخر.

وفى الماضى عملت الحكومة البريطانية لحماية الجامعات الأقل شعبية من خلال فرض «حد أقصي» لأعداد الطلاب الذين يمكن قبولهم من الجامعات الكبيرة، أولاً لمنع كبرى الجامعات من تسجيل طلاب أكثر من قدراتها الاستيعابية. وثانياً، لإتاحة الفرصة للجامعات الأقل شعبية لتسجيل الطلاب الذين لم يتم قبولهم من جامعات القمة، لكن بعد تراجع وزارة التعليم عن قرار استخدام نظام  الخوارزميات  لتقييم الطلبة، تم التراجع أيضا عن «الحد الأقصي» لعدد الطلاب المقبولين فى الجامعات وباتت كل جامعة حرة فى تسجيل العدد الذى يحلو لها من الطلاب.

 

الأموال لن تسقط من السماء

وإذا كانت المشاكل المالية لجامعات الصف الثانى والثالث متوقعة، فإن جامعات الصف الأول لن تتساقط عليها الأموال من السماء من الرسوم الدراسية. فرغم أن جامعات القمة ستشهد زيادة فى عدد الطلاب المحليين، الذين يدفعون نحو 9.5 ألف جنيه إسترلينى سنويا مصاريف دراسة (بدون الإقامة والمواصلات والطعام، وبإضافة هذا يصل المبلغ فى المتوسط لـ40 ألف جنيه إسترليني)، فإن تلك الجامعات ستخسر عدداً كبيراً جدًا من الطلاب الأجانب، خاصة من الصين والشرق الأوسط، الذين يمكن أن تصل رسومهم السنوية إلى 58 ألف جنيه إسترلينى فى العام. وبحسب المؤشرات من الجامعات فإن نحو 70% من الطلبة الأجانب لن يأتوا هذا العام للدراسة بسبب كورونا ما يعنى كارثة اقتصادية للكثير من الجامعات.

وتعود أسباب اختيار هذه النسبة الكبيرة من الطلبة الأجانب عدم التسجيل للدراسة هذا العام الى انعدام جزء كبير من جاذبية التعليم الجامعى، فهى فرصة للقاء مئات وآلاف الطلاب الآخرين من دول عديدة حول العالم وتكوين صداقات وحياة جامعية تشكل شخصية الطلاب لسنوات وسنوات.

هذه الحياة الجامعية الثرية لن تكون ممكنة خلال أغلب العام الدراسى المقبل.

 فبينما يواجه العديد من الطلاب احتمالات عدم الذهاب للجامعة هذا العام على الإطلاق، أو على الأقل خلال الربع الأول من العام، فإن الطلاب فى الجامعات العلمية (الطب والهندسة مثلاً) سيضطرون للعيش فى «فقاعات» صغيرة مع عدد قليل من الأشخاص الذين يحضرون معهم نفس «الكورس»، وسط إجراءات تعقيم دائمة. فكثير من الجامعات البريطانية وضعت بروتوكولا صارما للتنظيف والتعقيم لحماية الطلاب وكوادر التدريس، وفى قلب هذا البروتوكول غسل اليدين باستمرار وارتداء الكمامات. أما مطاعم الجامعة والمقاهى فقد تم الاستغناء عن بعضها لدواعى النظافة وعدم نقل العدوى. وفيما كانت إحدى الشكاوى المتكررة للطلاب، حتى قبل كورونا، هى ضيق وقت التواصل مع هيئة التدريس، فإن كورونا جعلت هذا أصعب. فسيتم خفض الوقت الذى سيلتقى فيه الطلاب مع الأساتذة. إلى جانب ذلك، أعلن عدد من الجامعات، بما فى ذلك «كامبريدج» و«إدنبرة» و«وارويك» و«بريستول» و«مانشستر» أن جميع المحاضرات ستكون عبر الإنترنت فى الفصل الدراسى المقبل، كما أعلنت جامعات البريطانية أخرى أن التعليم سيكون أونلاين خلال العام الدراسى الجديد 2020-2021.

وفى محاولات يائسة لجذب الطلبة الأجانب الذين لا يرون ميزة فى الدراسة بالخارج هذا العام، استأجرت بعض الجامعات رحلات جوية إلى الهند والصين لضمان أن الطلاب الدوليين يمكنهم شغل أماكنهم.

 

مشكلة طويلة

فرضت الجائحة وضعا تعليميا يعانى مشكلات هيكلية فى بريطانيا. فهناك أولاً تراجع فى أعداد الشرائح الأصغر سناً وسط السكان حيث إن بريطانيا شأنها شأن كل أوروبا تكبر فى العمر: بمعنى أن عدد المواليد يقل تدريجياً، فيما يرتفع متوسط أعمار كبار السن بشكل مطرد.

هذا الانخفاض الديمجرافى يعنى أن بعض المراهقين فى سن الجامعات (18 عاماً) فى تناقص مستمر وبالتالى العوائد الاقتصادية للجامعات فى تراجع. ولولا الطلاب الأجانب لأغلقت كثير من الجامعات أبوابها لأنه من المستحيل إبقاؤها مفتوحة اعتمادا على الطلبة البريطانيين فقط.

إلى جانب مشكلة الانخفاض الديموجرافى للطلبة المحليين، تعانى غالبية الجامعات من تراكم ديون كبيرة عليها بسبب توسع غير مدروس، أو إنفاق فى مشروعات غير ذات عائد. ففى العقد الأخير، أصبح التعليم العالى فى بريطانيا قطاعاً  اقتصادياً مزدهراً مع إقبال غير مسبوق من الطلاب الأجانب. ووضعت الجامعات خططاً توسعية ضخمة، وحصلت على ديون كبيرة معتمدة على قدرتها على جذب أعداد جديدة من الطلاب كل عام. فمنذ 2008، هناك ارتفاع متواصل فى أعداد الطلاب. والتحق 2.4 مليون طالب فى دورات التعليم العالى العام الماضى، وهو رقم قياسى. وأحد أسباب الزيادة أن الإقبال على التعليم الجامعى يرتفع فى فترات الركود الاقتصادى، لأنه مع تقلص خيارات إيجاد وظائف، يتجه الناس من كل الأعمار للدراسة.

 

كورونا تضرب خطط التوسع في مقتل

لكن جاء تفشى فيروس كورونا وإغلاق الجامعات ومساكن الطلبة وكل الأنشطة المرتبطة بالحياة الجامعية، ثم التراجع الحاد فى أعداد الطلبة الأجانب من آسيا والشرق الأوسط وأمريكا. وأخيراً، قرار الاعتماد على تقييمات المدرسين فى شهادة الثانوية العامة كل ذلك أدى إلى الضغط على الجامعات الكبرى لاستيعاب طلاب أكبر من قدراتها.

وبحسب «وكالة إحصاء التعليم العالي» فى بريطانيا فإنه حتى قبل فيروس كورونا كانت العديد من الجامعات على حافة الهاوية المالية، لكن كورونا جعلت الأمور أسوأ وبسرعة. فمن أصل 194 جامعة فى بريطانيا، هناك  119 جامعة تعانى عجزا ماليا، أى أكثر من ضعف العدد فى العام السابق.

وفى أبريل الماضى أحصت مجلة «لندن ايكونوميكس»، أن فيروس كورونا قد يكلف قطاع الجامعات 2.6 مليار جنيه إسترلينى العام المقبل ويؤدى إلى فقدان 30 ألف وظيفة.

فإذا انخفض عدد الطلاب الدوليين بنسبة 50%، فإن ذلك سيكلف الجامعات 1.5 مليار جنيه إسترلينى إيرادات ضائعة. أما الانخفاض المتوقع فى أعداد طلاب الاتحاد الأوروبى فسيكلف الجامعات البريطانية 350 مليون جنيه إسترلينى. وعلى مدى السنوات القليلة المقبلة، إذا استمر ذلك التراجع، فستكون خسائر الجامعات البريطانية نحو 11 مليار جنيه إسترلينى، وستواجه عشرات الجامعات تحديات مالية صعبة وقد لا يمكن إنقاذها بدون خطة إنقاذ مالى.

والسؤال: هل ستنقذ الحكومة  البريطانية الجامعات الفاشلة أم تتركها تنهار؟.

المشكلة أمام الحكومة أن العديد من الجامعات التى تعانى مالياً وقد تحتاج إلى مساعدات حكومية تقع فى شمال انجلترا، فى دوائر صوتت لبوريس جونسون فى انتخابات ديسمبر الماضى لعلاج المشاكل الهيكلية التى تعانى منها وعلى رأسها ضعف البنية التحتية، والبطالة، وتراجع مستويات الدخل. وفى كثير من هذه المدن، فإن وجود جامعة كبيرة وطلاب يسهم فى تنشيط الأداء الاقتصادى للمدينة ككل. فالآلاف من طلاب تلك الجامعات يستأجر أماكن للإقامة ويذهب يوميا للمطاعم والمقاهى ويستخدم المواصلات العامة وفى نهاية الأسبوع يتوجه للسينما والمسارح. وكل هذه مداخل مالية لا غنى عنها للمدن التى بها جامعات، وبدونها تغلق مئات المطاعم والمقاهى ودور السينما والسكن الجامعى، والمتضررون فى تلك الحالات بمئات الآلاف.

أيضا توفر الجامعات فى المدن الصغيرة فرصة للطلاب من خلفيات منخفضة الدخل، والذين يميلون أكثر إلى الالتحاق بجامعاتهم المحلية. وبالتالى فشل جامعة واحدة قد يعنى فشل مدينة كاملة بسكانها. 

والمشاكل التى تواجه الحكومة فى بريطانيا، وأوروبا إجمالا، لا تتعلق فقط بهذا العام، بل بالعام المقبل أيضا. فعلى عكس طلاب هذا العام الذين شاهدوا درجاتهم ترتفع بشكل ملحوظ بعد إلغاء الامتحانات والاعتماد على تقييم المدرسين فقط، لن يتمتع طلاب العام الدراسى الجديد 2020-2021 بميزة تضخم درجاتهم لأن الامتحانات غالبا ستقام خلال العام الدراسى المقبل. وستصبح المشكلة أمام الجامعات هى كيف يتم الاختيار بين طلاب الثانوية لعام 2020 وطلاب عام 2021. فالكثير من طلاب هذا العام قرروا عدم التوجه للجامعة مباشرة وأخذ عام كاستراحة. وعندما يقدمون أوراقهم العام المقبل مع الطلبة الجدد سيكون أمام الجامعات اختيار صعب بين الدفعتين. فدفعة 2020 حصلت على درجات متضخمة، وإذا لم يتم التعامل مع طلاب 2021 بنفس المعايير سيظلمون ولن يدخلوا الجامعات التى يحلمون بها لأن طلاب 2020 بدرجاتهم الأعلى سيحتلون كل مقاعد الجامعات الكبرى. وبالتالى هناك دعوات كى تبدأ الجامعات منذ الآن التحسب لتلك المشكلة والاستعداد لها. 

أيضاً هناك مشكلة التفاوت الطبقى وتأثيرها على القبول بالجامعات العام المقبل. فطلاب الصف الأول والثانى الثانوى فى المدارس الحكومية والخاصة خلال هذا العام لم يحصلوا على نفس الخدمة التعليمية. فالمدارس الخاصة فى بريطانيا احتفظت بجدول زمنى كامل للدروس عبر الإنترنت طوال فترة الإغلاق (من مارس حتى يوليو). فيما غالبية المدارس الحكومية لم تعط الطلاب إلا نحو ساعة تدريس فى اليوم. وجانب من هذا يعود إلى أن كثيرا من طلاب المدارس الحكومية من خلفيات فقيرة لا يتمتعون بالضرورة بخدمة الانترنت أو بمساحات خاصة فى المنزل للدارسة أونلاين (بعض الأسر تعيش فى غرفتين فقط).

هذه الفجوة فى المستوى بين المدارس الخاصة و المدارس الحكومية ستشكل أزمة للجامعات. فالجامعات ملزمة بقبول نسبة معينة من طلاب المدارس الحكومية ، لكن إذا كان التعليم فى المدارس الحكومية قد واجه صعابا عديدة خلال محنة كورونا أثرت على مستويات التلاميذ ودرجاتهم، يكون من الصعب على الجامعات قبول طلاب المدارس الحكومية .

وفى هذه الحالة، سيتم إلقاء اللوم على الجامعات لأنها لم تأخذ حصتها من تلاميذ المدارس الحكومية . وبدون بذل جهد كبير لإصلاح الأضرار التى لحقت بالتعليم فى المدارس الحكومية بعد فترة الإغلاق العام، لن تستطيع الجامعات وحدها الوفاء بحصتها من تلاميذ المدارس الحكومية .

 إضافة إلى ذلك، ستواجه العديد من الجامعات مشكلة إضافية تتمثل فى الاضطرار إلى توفير دروس إضافية - خاصة لدورات العلوم والتكنولوجيا - للطلاب الذين لديهم فجوات كبيرة فى تحصيلهم بسبب الإغلاق العام.

 

منافسة دولية

دون الجوانب الاجتماعية للحياة الطلابية، هل سيظل الطلاب يرغبون فى دفع 9.5 ألف جنيه إسترلينى سنوياً كرسوم دراسية؟. هذا السؤال تحد كبير لصناعة التعليم فى بريطانيا. فكما هى الحال مع كل صناعة أخرى، أوجد فيروس كورونا تحديات غير مسبوقة. فمثلاً، إذا كان إلقاء المحاضرات سيتم فى كل الحالات عبر الانترنت فهل يحتاج الطالب للتسجيل فى جامعة ليفربول أو مانشستر ويدفع رسوما دراسية كبيرة، أم يدرس عبر الانترنت فى جامعة أقل تكلفة فى أمريكا أو ألمانيا أو فرنسا أو كوريا الجنوبية؟.

هناك إذن خسائر مؤكدة جلية للقطاع التعليمى من أزمة كورونا، مع مكاسب قليلة جداً ربما يكون على رأسها أنه بسبب كورونا سوف تستثمر كثير من الجامعات حول العالم فى دورات التعليم عن بعد، سواء  عبر الاستثمار فى البنية التحتية بحيث تعزز شبكة اتصالات فائقة السرعة، أو الاستثمار فى كوادر هيئة التدريس، أو تقنيات وأساليب التدريس عبر الإنترنت  خاصة أن تداعيات كورونا قد تستمر لعامين أو أكثر.

نقلا عن صحيفة الأهرام

شارك برأيك

توقع من سيتوج بكأس الأميرة الإفريقية ؟

مادة إعلانية

[x]