صاحبة الجلالة تهجر عشاقها

23-8-2020 | 14:59

 

سألتنا الأستاذة الأمريكية من أصل إفريقي: من منكم يجيد الكتابة على الآلة الكاتبة؟. كنا عشرين صحفيا مصريا، فى يومنا الأول فى كلية الصحافة بجامعة جاكسون الحكومية، بولاية ميسيسبى ذات التاريخ العنصرى ضد الأمريكيين من أصل إفريقي، ككل ولايات الجنوب، لم يرفع أحد صوته أو يده، قالت فى ابتسامة تجمع ما بين الشفقة والسخرية الخفيفة: الصحفيون الأمريكيون لا يستخدمون الأقلام فى كتابة أعمالهم المنشورة من 40 سنة.


شعرنا بالعار، كنا الدفعة الثانية من مئة صحفى رشحتهم نقابة الصحفيين سافروا تباعا فى بداية التسعينيات فى برامج تدريبية على مدى خمس سنوات إلى كلية الصحافة بجامعة بوسطن، نلتحق أولا بجامعة جاكسون لمدة أسبوعين لإعادة التأهيل ودراسة تاريخ الجنوب القاهر للعنصرية البيضاء، ثم نطير إلى بوسطن ونستقر فيها ثلاثة أشهر فى محاضرات بالجامعة وتدريب عملى فى مؤسسات صحفية وإعلامية. على نهاية الأسبوعين كان أغلبنا قد تعلم الكتابة على الكمبيوتر وباللغة الإنجليزية، من فرط جدية الأساتذة وصرامة مساعديهم.

بعد الشهور الثلاثة عدنا إلى مؤسساتنا نسابق الريح، أحلامنا محلقة فى فضاء سرمدي، توقعنا أن يعقدوا معنا جلسات استماع: ماذا تعلمتم؟، وكيف نستفيد مما تعلمتموه فى تطوير مطبوعاتنا؟ لم ينتبه لنا أحد، لا رئيس قسم ولا مدير تحرير ولا رئيس تحرير، وقد تابعت كل زملائي، ولم يختلف الحال فى أى مؤسسة..كأننا أشباح كما غابت ظهرت.

يبدو أن المؤسسات الصحفية نظرت إلينا نظرة المحسن إلى متسول، محسن مجبور من نقابة الصحفيين على إحسانه، ومتسولون كانوا فى إجازة خارج البلاد مدفوعة الأجر، أمرهم هين ولا قيمة لما حصلوه فى بلاد برة، بل أن محققا صحفيا بارعا فى العمل بشروط الصحافة الحديثة، ونشر بعضا من شغله فى صحف أمريكية خلال التدريب، لقى عنتا شديدا من رئيس قسمه فى الجريدة اليومية لعامين، بل كان رئيس القسم يسخر منه قائلا: يا دكتور..ما الذى تكتبه؟، هل هو مقال أم حوار أم قصة قصيرة؟. باختصار ضاع المئة صحفى بكل ما تعلموه فى دهاليز الشلة والولاء الرخيص والإهمال المتعمد، بعضهم هاجر إلى الصحف والوكالات العربية والأجنبية، بعضهم استقال من الصحافة واشتغل بالفضائيات، وبعضهم اختفى أو نجح منفردا دون مؤسسته.

أى مستقبل ينتظر هذه الصحافة التى يدوس كبارها على أهم عنصر إنتاج فى صناعتها؟، كيف لا تهوى المهنة من قمة الجبل إلى السفح؟

فى الوقت نفسه، تعرضت الصحافة المصرية لأكبر حملة تشويه فى الخمسين سنة الأخيرة، منذ أن وصف الرئيس أنور السادات الصحفيين والمثقفين بأنهم قلة من الأفندية، ونكل بعدد كبير منهم، ونقلهم من صحفهم إلى أحذية باتا وشركات قطاع عام، وتخصصت صحف تحت بير السلم فى عصر الرئيس حسنى مبارك، فى سب بعض الصحفيين الذين لا ترضى عنهم الحكومة، وتقول فيهم أكثر مما قال مالك فى الخمر ، وهى صحف ابتزاز صدرت بتصاريح من خارج مصر، وشنت حملات منظمة شرسة على رؤساء تحرير رحلوا عن مناصبهم فى عام 2005 ، كجزء من عملية تصفية حسابات بين بعض أجنحة فى السلطة، وكان جناحا نافذا غاضبا عليهم، ثم امتدت الحملة وطالت جموع الصحفيين ، الذين قيل إنهم يتقاضون عشرات الألوف من الجنيهات شهريا، فى شعب فقير.

كان هدف السلطة فى السابق دوما هو صناعة فجوة بين الشعب والصحافة، وأن يفقد الناس الثقة فى صحافتهم، لتنفرد بهم السلطة، لاسيما الصحافة الخاصة التى قادت عملية حراك سياسى قوى فى السنوات العشر الأخيرة من حكم مبارك، وحلت صفحاتها الساخنة محل الأحزاب الباردة، واضطرت الصحف القومية إلى الدخول إلى ساحة الحوار بدرجات محسوبة، حتى لا تفقد جمهورها. وتصاعدت الحملة إلى فتح ملفات فساد كما وصفوها، وقطعا لم تخل المؤسسات من أخطاء، وتركزت على أكبر مؤسسة صحفية فى مصر، ملفات لم يصدر فيها حكم واحد بإدانة أى مسئول لا قبل 2011 ولا بعدها، ساءت سمعة الصحافة و الصحفيين كما خططت السلطة، ولم يشفع لها أن بعض أعضاء الحملة عوقبوا بالحبس والغرامة فى جرائم سب وقذف ونشر أخبار كاذبة. المدهش أن الكلام عن رواتب الصحفيين لم يكن صحيحا بالمرة، فئة ضئيلة للغاية هى التى كانت تحصل على دخول مرتفعة جدا، الفئة القريبة من مراكز السلطة، ولا تزيد على 5 % ، و30 % لها دخول متوسطة، و65% رواتبها عادية، مثل أغلب موظفى الحكومة، ربما تزيد قليلا، مع مهنة مكلفة للغاية، كتب وسينمات ومسارح ومعارض وانتقالات وعلاقات اجتماعية واسعة. وإذا حسبنا رواتب الصحفيين فى الصحف الخاصة، فيمكن أن نصفها بأنها رواتب سخرة، ولولا الفضائيات لكان أغلب صحفييها أفقر من عمال التراحيل.

والسؤال: كيف يمكن صناعة صحافة عصرية جيدة بهذه الدخول المحدودة الفقيرة لأهم عنصر فى المهنة؟ ومع الأزمة الاقتصادية وارتفاع الأسعار لم يتفرغ إلا عدد محدود من الصحفيين لمهنتهم، والأكثرية بحثت عن وسائل لزيادة الدخل خارج مؤسساتها، واصبحت الغالبية مثل موظفى الحكومة الذين يوقعون حضورا وانصرافا ثم يفرون إلى العمل الآخر، ولم تملك المؤسسات وسائل لحسابهم، ربما خجلا من ضعف الرواتب، ربما رشوة يتخلصون بها من وجع الدماغ، فالمؤسسات هادئة الأحوال التى بلا أزمات معلنة توصف فى دوائر السلطة بأنها مستقرة وإدارتها ناجحة. على نفس المنوال حدث ورم خبيث فى عدد الصحفيين ، ورم ناتج عن مجاملات فجة فى التعيينات، وتكاثر كليات الإعلام وزيادة أعداد الخريجين فى مناخ مغلق لا يسمح بمساحات لصحف جديدة فاعلة وقوية تناسب حجم المجتمع المصري، فانتشرت ظاهرة البطالة المقنعة فى مهنة تتطلب قدرات ومهارات خاصة، فكانت ورما خبيثا يفسد الخلايا الصحيحة. ولم تقتصر المجاملات على الصحفيين ، إنما توسعت فى الإداريين والعمال، وهو ما يعنى رواتب ومكافآت ومصروفات ثابتة تستنزف موارد المؤسسات الكبرى عاما بعد عام، ولم تعد الإيرادات المتغيرة قادرة على تغطية نصف المصروفات الجارية . فى هذه الأوضاع تراجعت خدمات الصحف، عدد الصفحات وكفاءة الكتابة، من باب تخفيض التكاليف، فهرب القارئ وانزلقت الصحافة إلى دوامة بلا قرار.


نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]