وقفة مع د. سعد الدين إبراهيم .. العروبة الحلم الضائع

21-8-2020 | 14:35

 

كما توقعت جاءت ردود أفعال كثيرة حول ما كتبت عن العروبة الحلم الضائع ومستقبلنا الغامض وحقيقتنا التائهة.. وقد فوجئت برد من صديق قديم اختلفنا كثيرًا في قضايا متنوعة وإن جمعتنا جلسات حوار وود في حضرة أصدقاء أحببناهم، شاعرنا الكبير نزار قباني والشاعرة د.سعاد الصباح ويا ليتها دامت أيام طرح د.سعد الدين إبراهيم أكثر من تساؤل في مقاله الذي نشر في جريدة المصري اليوم يوم السبت الموافق 8 / 8..


< أعترف بكل تقديرى للدكتور سعد كمثقف كبير إلا أن بيننا مناطق خلافات ربما تعود إلى ثوابت فكرية وثقافية كانت سببًا في هذا الخلاف..

< أبدأ مع الدكتور سعد في نقاط اتفاق أولًا حول ما كتبت عن العروبة وهو يشاركنى الألم والحزن على ما وصلت إليه أحوالنا في العالم العربى من الانقسامات وغياب الرؤى وتضارب المصالح والمؤامرات الخارجية وهو يوافقنى أن قضية سد النهضة وهذا التحدى التاريخى الذى يواجه مصر والسودان.. والعالم ــ كل العالم ــ يعلم أننا أمام أقدم أنهار التاريخ وأقدم حضاراته وهذا العالم لم يعرف شيئًا يسمى الحضارة إلا من بضع سنوات.. إن العتاب على الأشقاء العرب الذين شاركوا في تمويل سد النهضة لا يكفي، لأن العتاب أيضًا لدول كبرى تعرف كل شيء عن هذا النيل وحقوق مصر والسودان فيه وأنه ليس مجرد شريان ماء ولكنه شريان حياة..

< إن الدكتور سعد يعرف فيما يبدو وأنا أثق في مصادره أن تمويلًا عربيًا ليس قليلا شارك في تمويل هذا المشروع الضخم وهو ليس مصدرا لتوليد الكهرباء ولكن هناك مشروعات زراعية لحساب دول عربية شقيقة سوف تقام على مياه هذا السد.. إن مصر العروبة في زمان مضى ما كان أحد يجرؤ أن يمس قطرة من مياه نيلها ولكن مصر الآن وبعد أن تخلى عنها من تخلى كان من الممكن أن تجد دعمًا عربيًا يعيد الأشياء والمواقف إلى مسارها الصحيح..

< إن د. سعد تحدث كثيرًا في مقاله في "المصرى اليوم" عن شواهد من التاريخ وهو ليس بعيدًا عن موقف الزعيم الراحل جمال عبدالناصر من قضية مياه نهر الأردن حين حاولت إسرائيل تحويل مجرى نهر الأردن لاستزراع صحراء النقب وحرمان الأردن من حقها التاريخي في مياه ذلك النهر الذي ينبع من الأراضي السورية..

< إن د. سعد يتفق معي في أن قضية سد النهضة بين مصر والسودان وإثيوبيا كانت تحتاج إلى موقف حاسم من جامعة الدول العربية حتى لو وصل الأمر إلى قطع العلاقات بين العرب وإثيوبيا وسحب السفراء وإعادة الاستثمارات العربية التى أقيم بها السد وهى واضحة ومعروفة في أرقامها ومصادرها..

< هناك نقطة كنت أتمنى لو أن د. سعد اتفق معي فيها وهي أن وراء المشروع مؤامرة فيها أطراف كثيرة، وهنا أين الدور الأمريكي وهو يستطيع أن يفرض ما يريد على إثيوبيا؟ وهل يعقل أن تنسحب إثيوبيا من مفاوضات واشنطن وترفض التوقيع على أي اتفاقيات أمام الدولة العظمى.. كنت أتمنى لو أن د. سعد وضح خلفيات هذا الجانب وهو بالتأكيد يعلم.. لا أعتقد أن إثيوبيا يمكن أن ترفض لأمريكا طلبًا خاصة أننا نعلم حدود العلاقة بين مصر وأمريكا.. إن الموقف الأمريكى هو الذى سمح لإثيوبيا أن تتمادى في غيها، ولو أن أمريكا حسمت الموقف ما غادر الوفد الإثيوبي واشنطن دون أن يوقع الاتفاق وينتهي كل شيء..

< أريد أيضًا أن أستكشف موقف إسرائيل من سد النهضة ولا أتصور أن إسرائيل كانت يومًا بعيدة عن ملف مياه النيل ، خاصة أنه كان مطروحًا في مفاوضات كامب ديفيد بين السادات وبيجن، وأنا لا يمكن أن أتجاهل فكرة ترعة السلام في سيناء برغم أنها توقفت، ولكن العلاقات القوية بين إسرائيل وإثيوبيا تفتح أبوابًا للشك والهواجس؛ لأنه من غير المعقول ألا تهتم إسرائيل بسد النهضة أو أن تكون بعيدة عن سلطة القرار في إثيوبيا أو تكون مياه النيل خارج حساباتها..

< بقيت مواقف دول أخرى كانت واضحة في مجلس الأمن حين ناقش قضية السد كان موقف الصين غامضًا إلى أبعد مدى وقيل إن الصين شريك مهم في بناء هذا السد خاصة الشبكات الكهربائية.. وكان موقف روسيا أيضا أبعد ما يكون عن تأييد مصر والسودان.. الأخطر من ذلك كله هو موقف إيطاليا ولها الآن علاقات فريدة مع مصر في إنتاج الغاز في البحر المتوسط.. إن شركة إينى الإيطالية هى التى أنتجت الغاز المصرى وشركة سالينى إمبريجيلو الايطالية هى التى أقامت سد النهضة في إثيوبيا وكلاهما يعرف الأضرار التى ستلحق بمصر من وراء هذا السد.. إن موقف إيطاليا فيه الكثير من الشك والغموض تجاه قضية السد..

< إننى أريد أن أصل إلى نتيجة أرجو أن يتفق معى د.سعد الدين إبراهيم وهى أن العالم تواطأ ضد مصر والسودان بما في ذلك دول كبرى ودول شقيقة، وكان ينبغي أن ندرك ذلك من البداية وقد صاحب ذلك حالة من التراخى في مسيرة المفاوضات..
< هذه المقدمات التى طالت أريد منها أن أصل إلى عدة حقائق يعرفها الدكتور سعد الدين إبراهيم بحكم علاقاته الدولية والعربية أيضًا خاصة علاقته مع أمريكا وإسرائيل ودول البترول في مراحل سابقة..

< ما هو موقف أمريكا الحقيقى من سد النهضة وهى تعلم حجم الكوارث التي يمكن أن يتسبب فيها هذا المشروع.. وهل يصعب على القرار الأمريكى أن يفرض واقعًا على إثيوبيا..

< مازلت لا أصدق أن البيت الأبيض لا يستطيع أن يوقف التعنت الإثيوبى؛ لأنه يقوم على الابتزاز والمراوغة..

< ما هو موقف إسرائيل وهل حقيقى أن لديها أطماعًا في مياه النيل وهل تقف وراء التشدد الإثيوبى لأهداف تحركها المصالح وإذا كانت إسرائيل تلعب في ملف مياه النيل فهل هى من الغباء بأن تتجاهل اتفاقية السلام مع مصر وتصبح طرفًا في هذه القضية المصيرية..

< أعرف أن للدكتور سعد علاقات عميقة مع دول عربية منها دولة قطر وهي لا تخفي تعاطفها مع كل ما يضر بمصر، وربما كان التقارب بين إثيوبيا وقطر من أهم أسباب المشاركة في تمويل السد..

< إن هناك أشياء كثيرة غامضة حول سد النهضة، هناك من لا يقدر مخاطر هذا السد على مصر والسودان، وهناك من لا يدرك هذا الحدث التاريخي أن تصبح مصر بلا نيل، وهناك دول ترى أن الدور المصرى يكبر ويتسع وأن المطلوب هو تهميش هذا الدور وقبل هذا كله فإن مصر القوية تهدد أطرافًا كثيرة وينتظرها موقع أخطر على خريطة الأحداث..

< أعترف بأن بينى وبين د.سعد الدين إبراهيم نقاط خلاف لا أتردد في أن أصارح بها أن جغرافيا وثوابت فكرى ليس لها في الساحة الأمريكية كراهية، ولكن الخلافات جذرية في الثوابت والرؤى وأنا واحد عارضت من سنوات قضية السلام مع إسرائيل قد يكون لكل إنسان قناعاته ولكن هذا ما حدث..

< يبقى بعد ذلك أحاديث جميلة جمعتنا مع نزار قباني وسعاد الصباح وهى الأبقي.. والشعر أيضًا هو الأبقى.. بقيت ملاحظة أخيرة هى قضية العمر لأن د.سعد يسبقنى بعشرين عامًا على الأقل وهذا توضيح للحقيقة..

ويبقى الشعر
شُهداؤنَا.. بينَ المقـَابر يَهمسِونْ:
واللهِ إنـَّا قـَادمونْ
فى الأرض ِتـَرتفِعْ الأيادِي..
ننبت الأصوات في صَمتِ السُّكونْ
واللهِ إنـَّا راجعُونْ
تتساقط ُالأحجَارُ يرتفعُ الغُبارُ..
تـُضِيء كالشـَّمسِ العيونْ
واللهِ إنـّا عَائدونْ
شُهداؤنا خَرجُوا مِنَ الأكفانِ
وانتفضُوا صُفوفـًا..
ثمَّ رَاحوا يَصْرُخونْ :
عارٌ عليْكـُم أيُّها المُسْتسْلونْ
وَطنٌ يُباعُ.. وأمة ٌتنسَاق قـُطعَانـًا..
وأنتمْ نائمونْ !!
شُهداؤنا فوقَ المنابـِر يَخطـُبونْ
قامُوا إلى لـُبنانَ صلـُّوا في كنِائِسِهَا
وَزارُوا المسْجِدَ الأقـْصَى..
وطـَافـُوا في رحَابِ القـُدْسِ..
وَاقتحَمُوا السُّجونْ
فِى كـُل شِبر ٍ..
مِنْ ثرَى الوَطن ِالمكبَّل ِيَنبتـُونْ
مِنْ كـُلّ ركـْن ٍفى ربُوع الأمَّةِ الثـَّكـْلى
أراهُم يخْرُجونْ
شُهداؤنا وسَطَ المجازر يهْتفـُونْ
اللهُ أكبرُ مِنكَ يا زَمنَ الجُنُونْ
اللهُ أكبرُ مِنكَ يا زَمنَ الجُنُونْ
اللهُ أكبرُ مِنكَ يا زَمنَ الجُنُونْ
شُهداؤُنا يتقدَّمونْ
أصْواتـُهمْ تـَعلـُو على أسوَار بَيروتَ الحزِينـَةِ
فى الشـَّوارع ِ.. في المفـَارق ِ.. يَهدرُونْ
إني أرهُمْ في الظـَّلام يُحاربونْ
رغمَ انكسَار الضَّوءِ..
فى الوَطن ِالمكـَّبل بالمهانةِ..
والدمَّامةِ.. والمجُونْ
واللهِ إنا عَائُدونْ
أكفـَانـُنا..ستـُضِيءُ يومًا في رحَاب القـُدْس
سَوف تـَعودُ تقتحمُ المعاقِلَ.. والحصُونْ
شُهداؤنا فِى كلّ شبرٍ يَصرُخونْ :
يا أيُّهَا المتنطـّعونْ
كيفَ ارتضيْتـُم أنْ ينامَ الذئبُ
فى وَسطِ القطِيع.. وتأمَنُونْ ؟!
وَطنٌ بعَرْضِ الكون يُعَرضُ في المزادِ
وطـُغمة ُالجُرذان ِ..
فى الوطن ِالجريح ِيـُتاجـِرونْ !!
أحْياؤنـَا الموْتـَى على الشـَّاشـَاتِ
فى صَخبِ النـّهايةِ يسْكرُونْ
مَنْ أجهَضَ الوَطنَ العريقَ
وكبـَّلَ الأحْلامَ في كـُلَ العُيونْ ؟!
يا أيـُّها المتـَشرْذمونْ
سنخلصُ الموْتى مِنَ الأحياءِ..
مِن سَفهِ الزُّمانِ العَابثِ المجْنونْ
واللهِ إنـّا قادِمونْ
»ولا تحسَبَنَّ الذينَ قـُتلوا في سَبيل ِاللهِ
أمواتـًا.. بَلْ أحْياءٌ عِنـْدَ ربِّهمْ يُرزَقونَ«
شُهداؤنـَا فِى كـُلّ شِبر ٍ..
فى البـِلادِ يُزَمْجُرونْ
جَاءوا صُفـُوفـَا يسْألونْ :
يَا أيـُّها الأحَياءُ مَاذا تفعَلونْ ؟!
فِى كـُلّ يوم ٍكالقـَطيع ِعَلَى المذابح ِتُصْلبُونْ !!
تتسرَّبونَ على جَناح اللـَّيل ِ
كالفِئران ِ.. سرّا للذئابِ تـُهرْولونْ
وأمَامَ أمريكـَا..
تـُقامُ صلاتـُكم فتـُسبّحونْ
وتطـُوفُ أعيُنكـُم على الدُّولار..
فوقَ ربُوعِه الخضْراءِ يَبْكِى السَّاجدونْ
صُورٌ على الشـَّاشاتِ..
جُرذانٌ تـُصافحُ بعضَها
والنـَّاسُ مِنْ ألم الفـَجيعةِ يَضحكونْ
فِى صُورتيْن تبَاعُ أوطانٌ.. وتسقـُطُ أمة ٌ
ورُءوُسُكمْ تحتِ النـّعال.. وتركعونْ!!
فِى صُورتـَين ِ..
تـُسلـَّمُ القـْدسُ العَريقة ٌللذئّاب
ويَسْكرُ المتآمِرونْ
شُهداؤنـَا فِى كـُلّ شبر يَصُرخونْ
بَيروتُ تسبَحُ في الدّماء
وفوقـَهَا الطـَّاغوتُ يهدِرُ في جُنونْ
بَيروتُ تسألكـْم أليسَ لعِرْضِها
حقُّ عليكـُمْ ؟!.. أينَ فَرَّ الرافِضونْ ؟!
وَأينَ غابَ البائعُونْ؟!
وَأينَ راحَ.. الهَاربِونْ
الصَّامُتونَ.. الغافِلـُونَ.. الكِاذبُونْ ؟!
صَمُتوا جميعًا..
والرَّصاصُ الآنَ يخترقُ العُيونْ
وإذا سألت سمعتهم يتصَايحُونْ
هَذا الزَّمانُ زَمانـُهمْ
فِى كـُلّ شيءٍ في الوَرَى يتحَكـَّمونْ!!
لا تُسْرعوا في مَوكبِ البيْع الرَّخيص فإنـَّكمْ
فى كـُلّ شيء خَاسِرونْ
لنْ يتركَ الطـُّوفانُ شَيئـًا.. كلـُّكمْ
فى اليَمّ يومًا غَارقونْ
تجرونَ خـَلفَ الموتِ..
والنخـَّاسُ يَجرى خلفـَكـُمْ
وغَدًا بأسْواقِ ِالنـّخاسةِ تـُعرَضُونْ
لنْ يَرحمَ التـَّاريخُ يومًا
مَن يفرّطُ.. أوْ يخونْ
كـُهَّانـُنا يترنـَّحونْ
فوقَ الكراسِى هَائمونْ
فِى نـَشوةِ السُّلطان ِ.. والطـُّغيان ِ...
رَاحُوا يَسكرونْ
وشُعوبُنا اَرْتاحتْ..ونامتْ
فِى غيابَاتِ السُّجونْ
نامَ الجميعُ وكلـُّهمْ يتثاءبُون
فمتيَ يفيقُ النـَّائمونْ ؟!
متيَ يفيقُ النـَّائمونْ ؟!

* نقلا عن صحيفة الأهرام

شارك برأيك

توقع من سيتوج بكأس الأميرة الإفريقية ؟

مقالات اخري للكاتب

مادة إعلانية

[x]