[x]

آراء

في الصلة بين الفقه الأصغر والفقه الأكبر (4)

16-8-2020 | 15:07

نحن نتحرك من قوانين الله في الطبيعة إلي قوانين الله في الطبيعة ، نتحرك من قدر الله إلي قدر الله، نتحرك من مستوي للقوانين إلي مستوي آخر، لكن لا خرق لقوانين الطبيعة. إن الله لا يعبث بصنعته. وهو سبحانه لا يتحدي أعماله بأعماله. وهو سبحانه أعلي وأجل من أن يتحدي مخلوقاته. والكون منظومة شاملة محكمة صنعها الحكيم وجعلها تسير في نظام غائي معلل وخاضع لمنهجية سببية ضرورية في الزمان والمكان.


لكن البعض يظن خطأ أن إثبات قدرة الله لا يكون إلا بالمقارنة مع مخلوقاته! وأنا أتصور أن وضع المقارنة غير جائز ولا يليق بمعتقدنا في الله القائم علي التنزيه المطلق. وليس من الحكمة إثبات قدرة الله تعالي بإضعاف فاعلية الأسباب وكأنها طرف أمام الله سبحانه. وكما أوضحنا في مقالات سابقة فإن إضعاف الرابطة السببية في رؤية الطبيعة في علم أصول الدين التقليدي وجعلها مجرد مناسبة، الله يفعل (عندها) لا (بها)، أدي إلي إضعاف الرابطة السببية في تعليل الأحكام الشرعية في علم الفقه عند الطوائف المنكرة للعلاقة السببية الضرورية، والتي تعد العلة علامة علي الحكم وليست سببا له؛ فالأسباب عندهم ليست مؤثرة لذاتها في وجود الأحكام التكليفية. وهو ما انعكس علي الأحكام العملية في حياتنا التي أصبح فيها كل شيء جائزا وممكنا، فكانت الرعونة وكان التهاون وكان التواكل، فسبقتنا الأمم علما وقوة.

ولِمَ لا ؟ فليس من الضروري أن تترتب النتيجة علي أسبابها!

تفضل مشكورا ارم نفسك في النار فليس من الضروري أن تحترق؛ لأن النار عند منكري الرابطة السببية الضرورية قد لا تحرق. وهم يستندون إلي معجزة إبراهيم عليه السلام. وهي معجزة نؤمن بها بوصفها من الثوابت التي ذكرها الوحي، ووقوعها ليس مستغربا من صاحب العلم والقدرة المطلقة سبحانه.

إن المعجزة حدث معجز واستثنائي، ونحن ننظر إليها في هذا الإطار، لكن البعض يحولون المعجز والاستثنائي إلي قاعدة عامة في قوانين الطبيعة! وهم بهذا يقعون في مغالطة واضحة؛ فإذا كانت المعجزة استثنائية فكيف يحولونها إلي قاعدة عامة في طبيعة العلاقة السببية بين السبب والنتيجة علي مستوي الطبيعة كلها؟! ثم انهم لا يعلمون كل الأسباب العاملة في تلك الواقعة بأمر الله وبقوانينه الأخري، ولا يعلمون الشروط والظروف المحيطة بها. وهذا إعجاز بالنسبة لمعارفنا وعلومنا وخبرتنا الإنسانية، ولكنه ليس إعجازا أمام الله تعالي وعلمه وقدرته، فهناك أسباب وقوانين أخري دقيقة بقدرة المقدور تعمل في بنية خاصة قد أعاقت الحرق ونحن لا نعلمها حتي الآن. وتوجد قوانين أعلي يمكنها أن تحول خاصية الحرق إلي برد وسلام، فالمسألة أيضا خاضعة لقوانين، وليست ضرب عشواء. فتجاوز بعض القوانين المعروفة لنا ليس خرقا لها بل إعمالا لقوانين أخري. وهي ظاهرة يمكن رصدها في العديد من قوانين الطبيعة، مثل تلك القوانين التي تقلل درجة عمل الجاذبية الأرضية، فالجاذبية الأرضية لها قانونها الفاعل، والجاذبية تحكم الحركة في أنحاء الكون كله بدرجات متفاوتة، وليس من الصواب الاعتقاد الشائع بانعدامها تماما في الفضاء، فهناك ما يطلق عليه الجاذبية الصغري microgravity.

لكن هذه الفاعلية للجاذبية الأرضية تحدث بشروط معينة وفي ظروف مناسبة، فإذا غيرت هذه الشروط والظروف طبقا لقوانين الله أيضا في الطبيعة، يمكنك أن تحول الجاذبية إلي درجة أقل أو ما يسمي مجازا انعدام الجاذبية، وليس هذا معناه خرقا لقوانين الطبيعة التي يحكمها الارتباط الضروري بين السبب والنتيجة، بل معناه إعمال قوانين أخري أعم من القانون الخاص الحاكم لظاهرة الجاذبية. وهو ما يحدث في تدريب رواد الفضاء في بيئات مصطنعة علي الأرض تحاكي ما يسمي مجازا انعدام الجاذبية. فهذا ليس سحرا ولا خرقا لقانون الجاذبية، بل إعمال لشروط وظروف أخري تخضع بدورها لقوانين محكمة.

إذن نحن نتحرك من قوانين الله في الطبيعة إلي قوانين الله في الطبيعة ، نتحرك من مستوي للقوانين إلي مستوي آخر، لكن لا خرق لقوانين الطبيعة. إن الله لا يعبث بصنعته.

لكن سوف يعيد البعض السؤال: أليست المعجزات خرقا لقوانين الطبيعة؟

إن هذا الإشكال يحل عن طريق تفسير موقف القرآن من المعجزات بوصفه خرقا لما تعود عليه الناس في معرفتهم بالطبيعة، وليس خرقا لقوانين الطبيعة نفسها؛ ففي المعجزات إعمال لقوانين طبيعية أعم لا يعرفونها في زمنهم وإن كان يعرفها النبي بوحي إلهي، وهي ليست خرقا للقوانين الطبيعية الثابتة؛ فهي أكرر- خرق لعادات الناس المألوفة في التعامل مع الطبيعة، وليست خرقا للقوانين الطبيعية ذاتها. فالمعجزات تنطوي علي تحد لقدرات ومعارف الناس المقيدة بعلوم عصرهم في التعامل مع الطبيعة، وليست تحديا للقوانين الطبيعية نفسها؛ فالله سبحانه -أكرر- لا يتحدي أعماله بأعماله، وحتي المعجزات لها أسبابها ووسائلها والطرق المؤدية إليها التي تفوق القدرات البشرية المألوفة.

لكن لماذا نعتقد أن هناك أسبابا أخري وقوانين أعم تعمل بفاعلية تفوق قانون الحرق في النار؟

لأن قوانين الله في الطبيعة ثابتة، ومنسجمة مع بعضها البعض، وقد جعل سبحانه لكل شيء سببا، والطبيعة صنعة الله المحكمة محكومة بآلية مطردة لا يمكن خرقها، وخاضعة للقوانين الثابتة. والوحي نفسه يؤكد هذا في نصوص واضحة الدلالة علي أن سنة الله ثابتة لن تجد لها تبديلا، (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) (الأحزاب: 62)، وكل شيء عنده وفي كونه بقدر ومقدار (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر) (القمر: 49)، (وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا) (الزخرف: 11)، فالماء ينزل بقدر دقيق، وهو السبب في إحياء الأرض الميتة بجوار الأسباب الأخري لصلاحية نمو النبات. وأيضا التمكين في الأرض خاضع لضرورة تحكم العلاقة بين الأسباب والنتائج، (إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا. فَأَتْبَعَ سَبَبًا) (الكهف: 84، 85).

هذا قانون الله الذي يعمل في الطبيعة وفي التاريخ، ومن المؤكد أن الله تعالي يقدر علي كل شيء، لكنه سبحانه أراد -حسب نصوص الوحي- أن يتم كل شيء بسبب، وأن هناك علاقة ضرورية بين الأسباب والمسببات إلا إذا تدخل سبب أكبر وهنا سوف تختلف النتيجة. لكن ليس معني ذلك أن العلاقة غير ضرورية؛ حيث إن عمل السبب الأكبر يخضع أيضا للعلاقة الضرورية بين جميع الأسباب والمسببات الأخري. إنها منظومة شاملة محكمة صنعها الحكيم وجعلها تسير في نظام غائي معلل. ومسار الأحداث في التاريخ والطبيعة له غائية حتي وإن غابت عنا بعض جوانبها حتي الآن؛ لأن الحكم للأغلب وليس للاستثنائي. والطريقة العلمية في النظر تقيس الأمور علي الأغلب الأعم، بينما الطريقة السحرية في التفكير تقيس علي الاستثنائي وتحوله إلي قاعدة عامة!

والإنصاف يقتضي القول إنه مثلما توجد طوائف تنكر العلاقة الضرورية في رؤية الطبيعة في الفقه الأكبر (علم أصول الدين)، وفي الأحكام في الفقه الأصغر (علم الفقه)، فإن هناك قطاعا يقول بهما ويؤكدهما بطرق مختلفة ربما تختلف مع طريقتنا في بعض الجوانب وربما يكون لها أهداف أخري. وفي كل الأحوال فنحن لسنا مع الماديين الذين يقعون في خطأ مقابل لخطأ الطوائف المنكرة للعلاقة الضرورية بين الأسباب والمسببات، حيث يقعون في النقيض فيثبتون العلل وفاعليتها في مقابل إنكار الله أو إنكار قدرته. إننا إزاء طريق ثالث مختلف يرفض منطق إما أو ، أي يرفض منطق ( »أ«إما أن تكون »ب«أو لا »ب«، ولا ثالث بينهما).بمعني أن أية قضية (إما أن تكون صادقة أو كاذبة ولا ثالث بينهما). فهذا منطق ضيق الأفق. وقد سأل أحدهم ذات مرة بهذه الطريقة الخطأ في التفكير: (قوانين الله أم قوانين الطبيعة؟)، ونحن نقول بمنطق إثبات الثالث بينهما، وهو هنا أن قوانين الطبيعة هي قوانين الله المحكمة التي لا يتخلف عملها، والكون منظومة طبيعية شاملة محكمة صنعها الحكيم وجعلها تسير في نظام غائي معلل وخاضع لمنهجية سببية ضرورية. فنحن نتحرك من قوانين الله في الطبيعة إلي قوانين الله في الطبيعة ، نتحرك من مستوي للقوانين إلي مستوي آخر، لكن لا خرق لقوانين الطبيعة. إن الله لا يعبث بصنعته. وهو سبحانه لا يتحدي أعماله بأعماله. لسنا مع الذين يفكرون بطريقة سحرية فينكرون القوانين الطبيعية الضرورية، ولسنا مع الماديين الذين لا يرون الله في الطبيعة.


نقلا عن صحيفة الأهرام

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة