أبو الغيط في حوار مع رئيس تحرير "الأهرام": أدعو اللبنانيين لإصلاح شامل.. و«السلاح» لن يحل الأزمة الليبية

14-8-2020 | 15:02

أحمد أبوالغيط الأمين العام للجامعة العربية خلال حواره مع علاء ثابت رئيس تحرير الأهرام

 

علاء ثابت

- المشهد العربى ملتبس ولا يدعو للتفاؤل

- العالم العربى يعيش أوضاعًا خطيرة بين فوضى السلاح وصراعات الميليشيات وتآكل الهويات الوطنية
- التنمر الإقليمى بمقدراتنا العربية عبر استراتيجية استعمارية تستند إلى تفتيت المجتمعات من الداخل
- المشروع الإيرانى التركى هدفه القضاء على الدولة الوطنية وتقسيم العالم العربى إلى مقاطعات تحكمها الميليشيات بقوة السلاح
- أخاف على لبنان فالوضع مفتوح على كل الاحتمالات واستقالة الحكومة قد تكون البداية لإصلاح شامل وليس مجرد تغيير للوجوه
- القضية الفلسطينية لا تزال قضية العرب الرئيسية وضم إسرائيل أي نسبة من الأراضي المحتلة يعنى أن منطق التسوية لم يعد قائما
- الأوضاع في اليمن تبعث على الأسى والحوثيون ينفذون أجندة إيرانية لا علاقة لها باليمن ومصالحه
- الجامعة العربية هى العنوان الرسمي لـ"العالم العربي" وتحطيمها لن يفيد سوى أعداء العرب
- خطة القرن فاشلة وننتظر من الإدارة الأمريكية الجديدة مشروع سلام حقيقي قابلًا للتطبيق والحياة
- ليس بمقدور أي طرف بسط سيطرته بالقوة على كامل التراب الليبي وتسوية الأزمة من خلال مسار سياسي تحت رعاية الأمم المتحدة

جدد الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط ، تحذيراته مما وصفه بـ«حالة التكالب التركى الإيراني» غير المسبوقة على المنطقة العربية، وما سوف تخلفه من أوضاع كارثية، تمثل خطورة شديدة على الأمن القومي العربي، مشيرا إلى أن الأوضاع الحالية التى تشهدها المنطقة العربية، باتت تتطلب الانتباه، حتى لا نصحو على وضع تتآكل فيه مقدرات الأمة لصالح قوى إقليمية، تريد الهيمنة والسيطرة على مقدرات العرب.

وقال الأمين العام للجامعة فى حوار مع «الأهرام»، ، إن القوى الإقليمية التى تسعى للهيمنة على مقدرات المنطقة، تستخدم الطريقة الأكثر فاعلية والأقل تكلفة، عبر تفتيت المجتمعات من الداخل، وهى استراتيجية قديمة جداً، اتبعتها كل القوى الاستعمارية، مشيرا الى أن أى مشروع استعمارى لا يكتب له النجاح، بدون استراتيجية تفكيك للقوى الوطنية، وقال الأمين العام للجامعة العربية، إن المشروعين الإيراني والتركي، هدفهما الرئيسى هو القضاء على الدولة الوطنية العربية، بحيث ينقسم العالم العربى إلى مقاطعات طائفية، تُسيطر على كلٍ منها ميليشيا مُسلحة، مشيرا الى أن كل تآكل للدولة الوطنية، هو خصمٌ من السيادة والاستقلال، وهو ما بات يتعين معه، على القوى الحية فى العالم العربي، مقاومة هذا الخطر المحدق.

وأكد الأمين العام أن القضية الفلسطينية ، سوف تظل هى قضية العرب المركزية، معربا عن أمله فى أن تدرك الإدارة الأمريكية الجديدة، التي سوف تسفر عنها الانتخابات فى نوفمبر المقبل، عدم مقبولية مشروعها للتسوية، المدعو بـ «خطة القرن»، وأن تشرع فى إحياء مشروع جديد لسلام حقيقي، يقوم على التفاوض المباشر بين الطرفين، على أساس إنشاء دولة فلسطينية على حدود 67، وعاصمتها القدس الشرقية، مشيرا الى أن هذا هو المشروع الوحيد القابل للتطبيق والحياة.

ووصف الأمين العام للجامعة العربية، الوضع فى لبنان بعد كارثة انفجار مرفأ بيروت بأنه أصبح هشا للغاية، ومفتوحا على كل الاحتمالات، وقابلاً للانفجار فى أى لحظة، داعيا القوى السياسية فى لبنان الى ترتيب أوراقها، وأن تراجع نهجها بشكل جوهري، وليس فقط بصورة تجميلية، مشيرا الى أن استقالة الحكومة ربما تمثل بداية لمعالجة حقيقية للأزمة اللبنانية، التى باتت تتطلب إصلاحا حقيقيا وشاملا، وليس مجرد تغيير فى الوجوه.

وإلى نص الحوار:

- يواجه الوطن العربى تحديات خطيرة خلال الفترة الأخيرة، وهناك عدد غير قليل من الملفات والهموم التي تشغل العرب وجامعتهم بالضرورة، وهو ما يستوجب قراءة دقيقة لهذا الوضع، فكيف تنظر الى ما يجرى فى المنطقة، وما هى خريطة الطريق للخروج من هذا الوضع الصعب، ودور الجامعة العربية فى وضع تلك الخريطة موضع التنفيذ؟

المشهد العام فى العالم العربى ملتبس، ومتشابك ولا يدعو للتفاؤل أيضا، والمواطن العادى لا يشعر بالاطمئنان للمستقبل، إزاء ما يطالعه من قضايا ملتهبة فى سوريا وليبيا واليمن، الى جانب القضية ذات الأهمية المركزية فلسطين، والجراح المفتوحة فى لبنان والعراق، وكل هذه القضايا نُتابعها يومياً، وهى تنطوى على مخاطر وخسائر وتهديدات واضحة، لكن هناك مشكلتين أساسيتين أعتبرهما لب الأزمة الشاملة، التي تُعانى منها المنطقة، وهما بالمناسبة مشكلتان متداخلتان، الأولى تتعلق بتآكل معنى الدولة الوطنية فى العالم العربي، وأنا أتحدث هنا عن الدولة الوطنية، كما عرفها العالم فى العصر الحديث، بمؤسساتها وسلطاتها المختلفة، وسيادتها على كامل إقليمها، وسيطرتها الحصرية على السلاح الشرعي، ولو نظرتَ إلى هذه الملفات المُلتهبة لوجدت أن جزءاً لا يُستهانُ به من أصول الأزمات، يعود إلى هذه المشكلة التى تُفرز أوضاعاً لا يمكن أن تستقر معها دولة أو مجتمع، وهى أوضاع خطيرة تُمثل مزيجاً ملتهباً من فوضى السلاح وصراعات الميليشيات، وتآكل الهويات الوطنية الجامعة، لصالح انتماءات طائفية أو جهوية أو غيرها.

أحمد أبو الغيط الأمين العام للجامعة العربية


أما المشكلة الأخرى فتتعلق بالتدخلات الإقليمية الخطيرة فى شئون الدول العربية، وقد أطلقتُ عليها من قبل مُسمى التنمر الإقليمي، وأشار البعض إلى أن الأمر يتجاوز التنمر إلى ما هو أشد وطأة، وربما هم محقون، فنحن نشهد حالة غير مسبوقة من التكالب التركي الإيرانى على المنطقة، وصلت إلى حد احتلال الأراضى بصورة مباشرة والتدخل العسكرى الصريح، وإذا تأملنا الأمر قليلاً لوجدنا أن مثل هذه الأوضاع كانت بعيدة عن الخيال منذ سنواتٍ قليلة مضت، وبالتالى هى أوضاعٌ كارثية وتُمثل خطورة شديدة على الأمن القومى العربي، سواء فى جناحه الشرقى الذى يضم العراق وسوريا، أو الغربى فى ليبيا، وقد أصبح الانتباه واجبا علينا، حتى لا نصحو على وضعٍ تتآكل فيه المُقدرات، والقوى العربية لصالح قوى إقليمية، تريد الهيمنة والسيطرة على إقليمنا.

- كيف يمكن أن تتداخل المشكلتان إذا، تآكل الدولة الوطنية والتدخلات الإقليمية وما هى ملامح هذا التداخل فى ظل الأزمات التى تشهدها المنطقة مؤخرا؟

القوى الإقليمية التى تسعى للتدخل فى شئون المنطقة، لديها أكثر من وسيلة واستراتيجية، ولكن الطريقة الأكثر فاعلية والأقل تكلفة، هى تفتيت المجتمعات من الداخل، وهى استراتيجية قديمة جداً، اتبعتها كل القوى الاستعمارية، وقد تعلمناها فى المدارس صغاراً تحت عنوان «فرق تسُد»، والحقيقة أن أى مشروع استعمارى لا يكتب له النجاح، من دون استراتيجية تفكيك للقوى الوطنية، لأنه لو واجه الاستعمار الدول والمجتمعات، وهى فى حالة توحد واندماج وطنى كامل، لكانت كُلفة الاحتلال والسيطرة أعلى من أى عائد محتمل، لذلك نجد أن كلاً من إيران وتركيا تتبنى مشروعات تهدم فكرة الدولة الوطنية من الأصل، فإيران تزرع الميليشيات الشيعية هنا وهناك، بحيث يصبح لهذه الميليشيات وجودٌ مسلح فى قلب المجتمعات، وتحوز نوعاً من السيطرة على القرار السياسي، ففى وجود الميليشيات تختفى السياسة، أو تُصبح لعبة خطيرة للغاية، لأنك لا يمكن أن تخوض حواراً سياسياً مع فصيل يحمل السلاح، وتركيا تفعل الأمر نفسه، عندما تتبنى تياراً سياسياً عابراً للحدود، مُعادياً لفكرة الدولة الوطنية ذاتها، وتمول هذا التيار وتضع فى خدمته منصاتٍ إعلامية، وأخيراً -كما فعلت فى ليبيا- تتدخل مباشرة فى صورة عسكرية، وعبر تشكيلات ميليشياوية مُسلحة لدعم نفس هذا التيار. والمشروعان الإيرانى والتركى هدفهما الرئيسي هو القضاء على الدولة الوطنية العربية، بحيث ينقسم العالم العربى إلى مقاطعات طائفية، تُسيطر على كلٍ منها ميليشيا مُسلحة، وفى هذه الحالة يسهل على هذه القوى الإقليمية بسط نفوذها وسيطرتها، لأن الميليشيات لا تدين بالولاء للدولة، ولكن لمن يدفع ويموِّل، وبالاختصار فإن كل تآكل للدولة الوطنية هو خصمٌ من السيادة والاستقلال، ويتعين على القوى الحية فى العالم العربى -وليس الدول وحدها- مقاومة هذا الخطر المحدق.

- ما هو الدور الذى تقوم به الجامعة العربية فى مواجهة هذا الخطر الكبير الذى بات يواجه معظم الدول العربية؟

مواجهة هذا الخطر هو ما نحشد له فى الجامعة العربية بالفعل، فهناك لجنة تعمل وتجتمع على المستوى الوزاري منذ عام 2016 ، لرصد ومواجهة التدخلات الإيرانية فى شئون الدول العربية، ومنذ أكتوبر 2019، هناك قرارٌ عربى يتناول التدخلات التركية بنفس المعنى، لأن هذه التدخلات تجرى فى ثلاث دول هى العراق وسوريا وليبيا، وهناك قرار بإدانة التدخلات التركية في العراق منذ عام 2015، وقراران آخران فى العام الماضى لإدانة ورفض هذه التدخلات نفسها فى كلٍ من سوريا وليبيا، وبداية من الدورة القادمة للمجلس الوزاري في سبتمبر المقبل، سيكون هناك بندٌ دائم على أجندة المجلس يتناول التدخلات التركية فى الشئون الداخلية للدول العربية، وهنا؛ فمن المهم أن ننظر إلى الصورة فى شمولها، فهناك قواسم مشتركة تجمع هاتين الهجمتين الشرستين -من إيران وتركيا- على العالم العربي، ولابد من التعامل معهما بنفس المنظور.

أحمد أبو الغيط الأمين العام للجامعة العربية


- القضية الفلسطينية هى قضية العرب المركزية، كيف ترى مستقبلها بعد فشل خطة الضم الإسرائيلية؟

القضية الفلسطينية تأثرت بشدة بسبب ما يحدث فى العالم العربى منذ عام 2011، ويجب ألا ننكر أنها فقدت زخماً مهماً على الصعيد العالمي، بسبب توجه الاهتمام إلى صراعات أخرى ملتهبة فى المنطقة، لها أبعاد استراتيجية وكُلف إنسانية رهيبة، مثل الصراع السوري، وهناك بالطبع بعض الارتياح لأن مُخطط الضم الإسرائيلى تعطل ولم يمُر، وقد ظهر حجم الرفض العالمى لهذا التهور الذى يمارسه رئيس الوزراء الإسرائيلي، للخروج من أزمته السياسية، فيهدد بإشعال المنطقة كلها، والحقيقة أن ضم أى نسبة من الأراضى المحتلة فى الضفة الغربية يعنى ببساطة، أن منطق التسوية نفسه لم يعد قائماً، وقد لعبت الدول العربية والجامعة دوراً مهماً، فى الوقوف بحزم ضد هذا المخطط، والتحذير من مغبة المضى قدماً فيه، وتقديرى أن الإدارة الأمريكية ربما تُدرك بصورة أفضل عدم مقبولية مشروعها للتسوية، المدعو بـ «خطة القرن»، فالذى حدث أن إسرائيل حولت هذا المشروع إلى خطة لقضم وضم الأراضى الفلسطينية لا أكثر، وبطبيعة الحال، فإن الجميع ينتظر ما سيجرى فى الانتخابات الأمريكية فى نوفمبر المقبل، وأتمنى -وبصرف النظر عن هوية الإدارة الجديدة- أن يكون هناك إحياء لمشروع سلام حقيقي، تتبناه الولايات المتحدة والقوى الأخرى فى الرباعية الدولية، يقوم على التفاوض المباشر بين الطرفين، على أساس إنشاء دولة فلسطينية على حدود 67، وعاصمتها القدس الشرقية، فهذا هو المشروع الوحيد القابل للتطبيق والحياة.

- منذ أيام أُضيفت كارثة جديدة لأجندة الكوارث العربية، وهى حادث انفجار مرفأ بيروت ، وقد سارعتم بالتوجه إلى العاصمة المنكوبة، للوقوف على طبيعة ما حدث، فكيف رأيت بيروت فى تلك الزيارة، وإلى أى مدى ترى أن الإعلام قد نقل الصورة الحقيقية لحجم الكارثة، وبماذا تُنبئ الأمور على أرض الواقع؟

توجهت إلى بيروت فور وقوع الكارثة، وأحب أن أقول من واقع ما شاهدته إن الأمر يتجاوز مجرد انفجار كبير، فالمدينة تبدو وكأنها خارجة لتوها من حرب، وما حدث كان كارثة وطنية حقيقية، ولمس جراحاً مفتوحة لدى اللبنانيين، وستكون له تداعيات كبيرة، ليس فقط على مستوى الخسائر الاقتصادية، ولكن أيضاً على الوضع السياسى والاستقرار الاجتماعي، فلبنان لم يكن بعيداً عن الأزمات، بل كان يُعانى بالفعل من أزمة اقتصادية خطيرة وغير مسبوقة، وأزمة سياسية ممتدة منذ أكتوبر 2019 على الأقل، وانفجار المرفأ يُضيف إلى هذه الأزمات بعداً جديداً، ويُفاقمها ويكشف عن استحالة استمرار نفس النهج فى إدارة الأمور.

ومن المؤسف أن يرى المرءُ بيروت فى هذا الوضع، فهى مدينةٌ محبةٌ للحياة والجمال، ولها مكانة فى قلب كل عربي. وقد قلتُ للبنانيين خلال لقاءاتى بهم للمواساة والتضامن، إن الكارثة كشفت حجم محبة لبنان فى قلوبنا جميعاً، وأن شعور التضامن حقيقى وصادق من الجميع، وقد رأيت حجم المساعدات التى تدفقت بصورة فورية وعفوية من كافة البلدان العربية على بيروت، حتى إن المسئولين اللبنانيين أوضحوا لى فى أحاديثهم، أن المساعدات الإغاثية العاجلة الطبية والغذائية، ربما تكون قد لبت الحاجة فى الوقت الحالي، وأن الأولوية التالية هى لإعادة ترميم وبناء المبانى التى تهدمت وتضررت، حتى تعود الأسر التى غادرت منازلها، فهناك نحو 300 ألف لبنانى خرجوا من بيوتهم بسبب الكارثة، والأولوية أن يعود هؤلاء ليستأنفوا حياتهم الطبيعية.

- أعلنتم فى بيروت استعداد الجامعة العربية ، لتقديم كل أوجه الدعم للبنان في محنته، وشاركتم في مؤتمر المانحين الذي دعت إليه فرنسا، وأعلنتم نيتكم دعوة المجلس الاقتصادى والاجتماعى العربى ، للانعقاد قريباً لبحث أوجه الدعم العربى للبنان، كيف يرى الأمين العام لجامعة الدول العربية التحركات العربية لمساندة لبنان، وما هى أوجه الدعم التى يمكن أن تقدمها الجامعة لمساعدة لبنان فى الخروج من تلك المحنة؟

أحمد أبو الغيط الأمين العام للجامعة العربية


قلتُ للبنانيين خلال زيارتى إن الجامعة تحت إمرتهم، وأننا سنفعل كل ما في وسعنا، وفى إطار الإمكانيات المتاحة لنا، لمساعدتهم فى تلك المحنة، و الجامعة العربية ليست دولة يمكنها إرسال شحنات من المساعدات، لكن لديها إمكانية كبيرة على الحشد والتحفيز، لكافة الجهود فى العالم العربى وكذلك العالم الخارجي، والمنظمات الإغاثية، وقد عملتُ فور وقوع الكارثة، وبالتنسيق مع السلطات اللبنانية، على وضع بند دائم على أجندة المجلس الاقتصادي والاجتماعي ب الجامعة العربية ، يتعلق بدعم لبنان، وسوف يكون لوجود هذا البند تأثير مهم فى معالجة الآثار الممتدة للدمار الذى حدث، وليس فقط فى المسائل الإغاثية العاجلة، و الجامعة العربية لديها قدرات كبيرة فى منظومة العمل العربى المشترك والمنظمات المتخصصة، يمكن حشدها من أجل معالجة آثار الكارثة في لبنان.

وفور عودتي من لبنان، وجهتُ خطاباً إلى وزراء الخارجية العرب، حمل تقييمي لما شاهدته خلال زيارتي الميدانية في بيروت، ولقاءاتى مع كافة مكونات الطيف اللبناني، وما أرى أنه يُمثل الحاجات العاجلة فى هذه المرحلة لمساعدة اللبنانيين على تجاوز آثار الكارثة، فلا يجب أن يتوقف الأمر عند حد المساعدات الإغاثية العاجلة، وإنما هناك ضرورة أن يمتد لمسائل متعلقة بالمشاركة فى إعادة بناء المساكن والمبانى وترميم ما تضرر، وهذه أيضاً حاجة عاجلة فى الوقت الحالي، فى ظل النقص الحاد فى مواد البناء، وإذا سرت فى بيروت اليوم، سوف تُلاحظ أن أحياء كاملة زجاج مبانيها تكسر، وتناثر فى الطرقات، وهو أمر لابد من معالجته فى أسرع وقتٍ ممكن، حتى تعود الحياة لطبيعتها، ومن اللمحات الجديرة بالاهتمام والاحترام، ما رصدته من وجود مئات وربما آلاف من الشباب اللبنانيين فى سن صغيرة، وهم ينتشرون فى الشوارع لإزالة الحطام والزجاج المتناثر، هذه هى روح بيروت الحقيقية، ربما يكون زجاج نوافذ البيوت قد انكسر وتناثر، ولكن روحها وإرادتها عصية على الكسر.

- كيف استقبلت الأطياف السياسية اللبنانية، ما طرحتموه من إمكانية مشاركة الجامعة فى التحقيقات فى حادث انفجار مرفأ بيروت ؟

تحدثنا مع عدد من القيادات السياسية، فى الحكم والمعارضة، عن استعداد الجامعة المساهمة الفعلية فى التحقيق فى ملابسات وقوع هذا الحادث، بشكل جدي ومهني إذا طلب منا ذلك، وتحاورت حول هذا الأمر مع من التقيتُهم، وتباينت الرؤى بطبيعة الحال، لكنى حرصت على أن أؤكد للجميع، أن الهدف هو استجلاء الحقائق بشكل كامل وجدي، وعرضها أمام الرأى العام اللبناني، خاصة وأن ما حدث يعد أمراً جللاً بكل المقاييس، ونتج عنه خراب ودمار وفقدان ارواح بريئة، والجامعة حريصة على دعم لبنان فى هذا الموضوع، لأن الشعب اللبنانى يستحق معرفة الحقيقة، ويهمه أن يرى العدالة تأخذ طريقها للتطبيق، فالمستقبل السليم لهذا البلد يُبنى على الشفافية، ولا يجب أن تكون مسألة التحقيق موضعاً لاستقطاب جديد، وإنما سبيلاً لبداية تصحيح الأوضاع ومعاقبة المسئول أياً كان، وكما يقول اللبنانيون: لا خيمة فوق رأس أحد.

- سيادة الأمين العام، هل ترى أن ما حدث فى بيروت، يمكن أن يُمثل اختباراً حقيقياً للتضامن العربى وأهميته فى مثل تلك الظروف. وإلى أى مدى يُمثل تحدياً للجامعة وتأكيداً على دورها وقدرتها على التعامل مع القضايا الخارجية؟

فى نهاية المطاف، الحاضنة الأساسية للبنان هى حاضنة عربية، والعالم العربى يُدرك هذا، واللبنانيون أيضاً -باختلاف انتماءاتهم السياسية- يُدركون هذه الحقيقة التاريخية الجغرافية الثابتة، وعندما تنزف بيروت لابد أن يتداعى العالم العربى لتقديم العون، وأنا أثق أن هذا الدعم سوف يستمر للبنانيين، والتضامن العربى فى الكوارث أمرٌ لا يحتاج إلى بيان، ولكن ما نحاول أن نفعله فى الجامعة هو «مأسسة» هذا التضامن، بحيث يكون له طابعٌ استراتيجى وليس موسمياً، فلا يقتصر على الدعم فى الكوارث والمُلمات، وإنما يتحول إلى مفهوم مستقر ودائم وله طبيعة مؤسسية، والحقيقة أن التحدى الأول أمام الجامعة هو إسباغ هذه الصفة المؤسسية والاستراتيجية على العمل العربى المشترك فى كل الميادين والمجالات.

- سيادة الأمين العام، أنت دبلوماسى محنك عاصر الكثير من الأحداث والمحن التى مرت على المنطقة، أين تضع كارثة لبنان وما يتعرض له العرب حالياً من تحديات داخلية وخارجية، مقارنة بما مروا به من تحديات فى العصور السابقة؟

المشكلة الآن تتعلق بالدولة الوطنية نفسها، وليس فقط بالتحديات الخارجية والإقليمية، فالمنطقة العربية عاشت عصر الاستقطاب الدولي والحرب الباردة، وتوزعت الدول العربية بين المعسكرين، وقد تأثرنا بشدة جراء الصراع بينهما، وبالتحديد بسبب احتضان الولايات المتحدة للحليف الإسرائيلي، الذى مثل الخصم الرئيسى للعالم العربى عبر عقود طويلة، والمنطقة العربية لم تكن فى أى وقتٍ بعيدة عن الحروب والأزمات، فقد كانت هناك حربٌ بين العراق وإيران استمرت ثمانى سنوات، ثم حرب أهلية مُدمرة فى اليمن، ثم كانت حماقة صدام الكبرى باحتلال الكويت، التي أدخلت العمل العربى المشترك فى أزمة لم يُفق منها لسنواتٍ طويلة، ثم جاءت احداث عام 2011 وما زلنا نعيش تداعياتها، عندما وضعت فكرة الدولة الوطنية نفسها على المحك، الى جانب التهديدات من الداخل والخارج، سواء من المحيط الإقليمى القريب، أو من القوى الدولية التى لن تتوقف أطماعها، والأزمة اليوم مركبة وشاملة، لأنها ليست حصيلة صراعٍ واحد، مثل الصراع العربى الإسرائيلي، أو حرب واحدة مثل الحرب العراقية-الإيرانية، وإنما مجموعة من الصراعات المركبة والمتداخلة، التي تتغذى على نزعاتٍ دينية وطائفية متطرفة، ومعادية لأى معنى عرفناه عن العروبة والانتماء لها، كفكرة جامعة كان لها أثرٌ مهم في تاريخ هذه المنطقة.

- يتخوف البعض من سيناريوهات مرعبة، قد يعيشها لبنان بعد تلك الكارثة، خاصة ما يتصل بإمكانية العودة إلى أجواء الحرب الأهلية، تحت ضغط الغضب والاحتقان الشعبي الموجود، فهل هذا التخوف مشروع وما هي تقديراتكم لاحتمالات حدوثه، وكيف يمكن منع تدهور الأمور فى لبنان أو انزلاقها إلى هذا السيناريو؟

الحقيقة أن المخاوف على لبنان فى محلها، فأنا أيضا خائفٌ على لبنان، وقد أصبح الوضع هشا للغاية، ومفتوحا على كل الاحتمالات، فهناك غضب حقيقى فى الشارع منذ شهور، بسبب الأزمة الاقتصادية والشلل السياسي، وقد تأجج الغضب أكثر بعد كارثة انفجار المرفأ، وهذا طبيعي، على الناحية الأخرى، لبنان بلدٌ لديه خبرة مع الحرب الأهلية، ويعرف تداعياتها المؤلمة، وما يُمكن أن تفعله بمستقبل هذا البلد، لذلك تجد أن الاستقطاب السياسى يذهب إلى الحافة، ثم يُكبح بصورة أو بأخرى، حتى لا ينزلق إلى الهوة السحيقة للاقتتال الأهلي، وهذا أمر جيد بالتأكيد، ولكن إلى متى يستمر هذا الوضع؟ لا أحد يعلم، لكن المؤكد أنه وضع غير مطمئن وقابل للانفجار فى أى لحظة، إذا لم تتدارك الطبقة السياسية بسرعة هذه الحالة من الغضب الشعبي، وتُعيد ترتيب أوراقها بحيث تراجع نهجها بشكل جوهري، وليس فقط بصورة تجميلية، وربما تُمثل استقالة الحكومة بداية مثل هذه المعالجة، وأشدد على أنها مجرد بداية، فالمطلوب هو إصلاحٌ حقيقي وشامل، وليس مجرد تغيير وجوه.

أحمد أبو الغيط الأمين العام للجامعة العربية


الأمر الآخر المهم، هو إحياء فكرة حياد لبنان، وهى مبادرة تؤمن بها قوى مختلفة داخل لبنان، وتبناها البطريرك بشارة الراعي، ودعت إليها قوى أخرى، فحياد لبنان مهم للغاية، لإنقاذه من حالة الاستقطاب الإقليمي التى ستقضى عليه، واللبنانيون أطلقوا على ذلك في السابق مفهوم «النأي بالنفس»، والشعار هنا ليس مهماً، فالمهم ألا يظل شعاراً وأن يجد طريقه للتطبيق الفعلي، إذ لا يجب أن يشكل لبنان مشكلة أو مصدر خطر لأى دولة، وبالتأكيد، وبالأحرى، لا يجب أن يكون لبنان مصدر مشاكل لأى دولة عربية، لذا فإن الحياد الحقيقي والفعلي، فيه نجاةٌ لهذا البلد.

- سيادة الأمين العام، دعنا ننتقل إلى جرحين عربيين آخرين، هما ليبيا واليمن، والناس تتساءل عن دور الجامعة العربية فى مواجهة العدوان التركى على ليبيا ، وكيف ترى الجامعة المحاولات التركية للتواجد على الأراضى الليبية، واتفاقها مع حكومة السراج بشأن الحدود البحرية، وما هى تأثيرات ذلك على أمن واستقرار الدول العربية؟

الوضع فى ليبيا بات معقدا للغاية، بكل أبعاده العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية المتداخلة، والخلافات بين الأطراف الليبية عميقة، فكل من هذه الأطراف لها رؤيتها حول سبل الخروج من الأزمة الراهنة، ناهيك عن أن الصراع نفسه قد ازداد خطورة، بسبب تعدد وكثرة التدخلات العسكرية الخارجية، والخروقات المنهجية لحظر السلاح المفروض على البلاد، واستقدام المرتزقة والمقاتلين الأجانب إلى ساحات القتال، و الجامعة العربية موقفها واضح وصريح إزاء سبل تسوية الأزمة الليبية، التى يجب أن تكون عبر مسار سياسى سلمى وجامع، بقيادة وملكية ليبية، وتحت رعاية الأمم المتحدة، إذ لا يوجد حل عسكري للوضع الليبي، وليس بمقدور أى طرف أن يحقق انتصاراً على الآخر، أو يبسط سيطرته بالقوة على كامل التراب الليبي.

والحقيقة أن هذه التسوية، لا يمكن أن تتم فى ظل هذه التدخلات الخارجية والاستهداف الإقليمى لأمن واستقرار البلاد، فكل هذه التدخلات والتصرفات بمختلف أشكالها مرفوضة، وتدينها الجامعة العربية ، ولا يمكن لنا القبول بها، وهو أيضاً موقف المجتمع الدولى الذي يعبر عنه مجلس الأمن، وأجمعت عليه الدول والمنظمات المشاركة في عملية برلين.

- وماذا عن التدخلات التركية تحديدا، والتواجد العسكري التركي في الأراضي الليبية؟

كل التدخلات الخارجية فى الشأن الليبى تعتبر غير شرعية، ومخالفة لقرارات مجلس الأمن، ولا تساهم سوى فى إذكاء الصراع وإطالة أمده، وتعقيد الجهود الرامية إلى التوصل إلى حل سلمى للأزمة الليبية؛ وموقف الجامعة العربية واضح وثابت بشأن هذا الأمر، وفى المطالبة بسحب كافة القوات الأجنبية الموجودة على الأراضى الليبية وداخل المياه الإقليمية الليبية؛ أما بخصوص تركيا تحديدا، فموقف الجامعة أيضا واضح، في رفضه وإدانته لتدخلات وتصرفات تركيا فى الشئون الداخلية للدول العربية، سواء فى ليبيا أو فى العراق أو فى سوريا، ولا يمكن أن نقبل بهذا السلوك التركى الذى ينتهك سيادة الدول العربية ويعتدى على أراضيها ويهدد الأمن القومى العربى ككل.

- هل ترى بصفتك الأمين العام للجامعة العربية، أن هناك مجالا الآن للدفع بفرص الحل السياسي في ليبيا، وما هو الدور الذى يمكن أن تقوم به الجامعة في هذا الخصوص؟

الكل يعتبر أن الأولوية الآن هى لتثبيت وقف إطلاق النار على الأرض فى ليبيا، والوصول إلى اتفاق رسمى لتقنين كل الترتيبات المتصلة بإيقاف القتال، بين حكومة الوفاق، والجيش الوطنى الليبي، تحت رعاية وإشراف ومراقبة الأمم المتحدة وبعثتها الأممية فى ليبيا؛ إلا أن هناك إدراكاً أيضاً بأن أى وقف لإطلاق النار لن يصمد، ما لم تكن هناك عملية سياسية ليبية، وطنية خالصة حاضنة له، تحت رعاية الأمم المتحدة، لتسوية الأزمة بمساراتها الأمنية والسياسية والاقتصادية، دون أي تدخل خارجي، وبعيداً عن التهديد الذى تمثله الميليشيات والجماعات المسلحة.

وهناك عدة مبادرات وأفكار مطروحة، لحلحلة الأزمة على المسار السياسي، لعل آخرها كان إعلان القاهرة، الذى أطلقه الرئيس السيسى بحضور المستشار عقيلة صالح والمشير خليفة حفتر، ونحن ندعو الليبيين إلى الانخراط بجدية فى كل هذا الجهد، والوصول إلى اتفاق وطني عريض، يفضى إلى تشكيل سلطات شرعية ممثلة وتوحيد المؤسسات المنقسمة، وتمهيد الأرضية لانتخابات رئاسية وتشريعية، يرتضى الجميع بنتائجها؛ و الجامعة العربية ملتزمة بمواصلة مساندتها لهذا الجهد، والعمل على إنجاحه ومرافقة الأطراف الليبية فيه حتى نهايته، بشكل ينهى حالة الانقسام القائمة، ويرفع المعاناة عن الشعب الليبي، ويحافظ على استقلال وسيادة الدولة الليبية ووحدة أراضيها.

- تتعقد الأمور في اليمن بفعل تدخل إقليمي آخر، داعم ل ميليشيا الحوثي ، فكيف ترون المخرج من هذا الوضع، وما هو تقييمكم للجهود الدولية خاصة تلك التى يبذلها المبعوث الأممي، وأين الجامعة العربية مما يحدث فى اليمن؟

الوضع في اليمن مُثير للأسى حقا، فنحو 80% من الشعب اليمني، يعيشون على المساعدات الغذائية، ونصف الشعب على حافة المجاعة، حتى أن أمراضاً مثل الكوليرا والملاريا صارت تفتك بأجساد اليمنيين، هذه الأزمة الإنسانية الخطيرة، وهى بالمناسبة الأزمة الأخطر عالمياً الآن، من حيث حدتها وحجمها، هى فرعٌ من الأزمة الأصلية التى بدأت عام 2015 بسيطرة ميليشيا الحوثي على العاصمة بقوة السلاح، ثم أصبحت هذه الميليشيا، التى تنفذ أجندة إيرانية لا علاقة لها باليمن ومصالحه، تشكل تهديداً للدول المجاورة، خاصة المملكة العربية السعودية، إنه وضع يستحيل أن تقبل به أى دولة، ومن هنا جاء تحرك التحالف الدولى فى مارس 2015، والمبعوث الأممى يسعى بصورة أمينة لمحاولة صياغة حل سياسي، لكن المشكلة الرئيسية تكمن فى أن القرار الحوثى مختطف ومُسيطر عليه بصورة كاملة من طهران، وبالتالى فإن المفاوضات تُظهر بعض التقدم حيناً، ثم لا تلبث أن تتعطل وتنهار، والسبب أن هناك قرارا إيرانيا بعدم التخلى عن هذه «المنصة العسكرية» لإزعاج السعودية وتهديدها، والآن تعقد الأمر أكثر بظهور المشكلة فى الجنوب، ومساعى المجلس الانتقالى لتحقيق نوع من الإدارة الذاتية، ومن الجيد أن هذا الاتجاه قد تم تداركه بتوقيع اتفاق الرياض في نوفمبر 2019، ثم إعادة تفعيل الاتفاق وتطبيقه على الأرض قبل أسابيع قليلة، وهذا مهم حتى لا تُفتح جبهة جديدة فى الصراع اليمني-اليمني، وقد استقبلتُ رئيس الوزراء اليمنى معين عبد الملك أواخر يوليو الماضى بمقر أمانة الجامعة، ولمستُ فيه إخلاصاً حقيقياً لتحقيق الحد الأدنى من الاستقرار فى اليمن، ولكن الوضع أصعب بكثير من النوايا الطيبة، وأحيلك إلى ما تحدثتُ عنه فى أول كلامنا عن تآكل الدولة الوطنية، فهذا للأسف ما يحدث فى اليمن.

- رغم الجهود التى تقومون بها، فالجامعة دائماً تتهم بتراجع دورها، فهل لنا أن نطلب منكم إجلاء للحقيقة، أو إن شئت كشف حساب للرأي العام، عما حدث فى الجامعة ودورها خلال أربع سنوات من توليكم منصب الأمين العام؟

لا أريد أن أفتح ملفاً مُحزناً، لكن الحقيقة تقول إن العمل العربى المشترك يحتاج بالتعريف، لإيمان حقيقي من الدول العربية ولإرادة سياسية، وهو أيضاً يحتاج لتمويل، إذا كنا نريد عملاً تنظيمياً إقليمياً، لا يقل عما نشهده فى أقاليم أخرى سبقتنا للأسف، برغم أن البداية كانت من عندنا، وقبل الأمم المتحدة ذاتها، فنحن نحيى هذا العام الذكرى الخامسة والسبعين لتأسيس الجامعة. ومما يؤسف أن الدول العربية تتأخر فى دفع مُساهماتها السنوية، وأحيانا ما تتقاعس بعض الدول عن السداد لسنوات متتالية، وهذا يُضعف المنظمة ويجعلها تعمل بالحد الأدنى من الموارد، والأمر يقترب فى بعض الأحيان من مرحلة الإضعاف الشديد لقدراتها، على تمويل عملياتها الأساسية. وهو وضعٌ صعبٌ لا يجب أن نسمح -كعرب- باستمراره على هذا النحو. ولا تتصور ما نبذله من جهدٍ للإبقاء على علم الجامعة العربية مرفوعاً فى العواصم المختلفة، وأن يكون لها تواجد وحضور، يُسمع الآخرين الصوت العربى الجماعي، ف الجامعة العربية لا زالت مهمة، لأنها العنوان الرسمى لكيان اسمه العالم العربي، وهى ساحة التنسيق الأساسية بين الدول العربية، والدول تُدرك هذا جيداً، وفى وقت الأزمات تجد استدعاء للجامعة فى صورة اجتماعات طارئة لوزراء الخارجية، أو غير ذلك من صور العمل الجماعي، وهو أمرٌ طبيعى لأن أى موقف سياسى يكتسب قوة إذا كان جماعياً، ويتبناه عددٌ من الدول، ولكن ما نحاول عمله كما قلتُ هو إضفاء الطابع المؤسسى على هذا العمل، وبحيث لا يجتمع العرب فقط فى وقت الأزمات.

هناك منظومة واسعة جداً ومتشعبة للعمل العربى فى كافة المجالات، من الاقتصاد إلى العمل الاجتماعى إلى الثقافة إلى الصحة ..إلخ، وهناك جهود تُبذل فى مجال تنسيق السياسات فى كافة هذه المجالات، ولا يسمع عنها المواطن العربى بشكل كافٍ، ولكنها موجودة ومتواصلة، وأقول لك باختصار إن الجامعة تُمثل المنظومة الوحيدة القادرة على تجميع القدرات العربية، وتنسيق السياسات فى أى مجال، لذا فإن علينا ألا نُفرط فيها، بل نُعززها ونُرسخ وجودها وندعمها بشتى الأوجه، خصوصا وأن تكسير الجامعة لا يُفيد أحداً، سوى أعداء العرب والمتربصين بهم، وصدقنى أن هناك دولاً تتمنى أن يأتى يومٌ ينهار فيه هذا الكيان الجامع ويتفتت، وخصوم العرب يرغبون فى تدمير هذا النظام العربي، والالتفاف عليه بأى صورة، وبحيث لا تكون هناك منظمة عربية إقليمية تُعبر عن العرب، لأن وجود هذه المنظمة لا يعطيهم فرصة التسلل للإقليم أو أن يكونوا أعضاء مؤثرين ذوى نفوذ فيه.

* نقلًا عن صحيفة الأهرام

مادة إعلانية

[x]