المجىء الثاني .. والحنين للاستعمار!

11-8-2020 | 18:33

 

أقولها دائما وسأظل: إذا أنت أردت يومًا تغيير شكل المكان الذي تعيش فيه للأفضل، ثم جاءك من يتعهد لك بذلك، فبدأ بالفعل بحسب ما وعدك، ثم اكتشفت أنت مع مرور الوقت أن ما يقوم به قد أساء إلى مكانك بأسوأ مما كان عليه، في هذه اللحظة لا شك في أنك ستندم، بل تتمنى لو عاد بك الحال لما كنت عليه أيًا كان!! 

هذا هو حال جل بلدان الوطن العربي ، رزحت تحت احتلال تلو احتلال، وراودها حلم كبير تلو حلم في التحرر، فلما تحررت كل بحسب تاريخ استقلاله، (ظنت) الشعوب أن القادمين الجدد سيفرشون لشعوبهم طرق العزة والفخار ورغد العيش، فإذا بانهيار تلو انهيار، ثم إذا بفشل يتلوه فشل، ثم إذا بتدنٍ غير مسبوق في نوعية الحياة، إلا من رحم ربي، لظروف قلما كان لأسلوب الحكم دخل بها!!

أما الأدهى، فهو أن هؤلاء الوطنيين الجدد القادمين لانتشال شعوبهم من (ظلم واستبداد) الاستعمار ، سرعان ما اختلقوا آليات حكم (استبدادية)، ليست فقط متشابهة مع آليات الاستعمار ، وإنما متشابهة مع بعضها البعض دون اتفاق مسبق فيما بينهم؛ إلى حد التطابق، مع اختلاف الشخوص قطعا والمسميات، بل وإلى حد تتالى أنظمة شبيهة: أنظمة بوليسية ، قمعية، تشعر دوما بالافتقار التام للأمن والأمان؛ تبحث كالذئاب الجوعى عن (العملاء)، سواء كانوا معها فتزكيهم وتدفع بهم لملء (جميع) الصفوف، أو ضدها فتنكل بهم تنكيلا!! وكلما أحكم نظام قبضته على تلابيب شعبه تجبرا وظن أنه قادر عليه، تلفت من حوله فجأة ليجاهر جيرانه بالعداء، ويصور للناس أنه وأنهم بصدد مؤامرة كبرى، سرعان ما تفتح فى جوهرها أبواب المعتقلات؛ وليس أدل على كلامى مما بدأ به صدام حسين عهده؛ حين فاجأ الحضور بمؤامرة سورية باهتة خولت له اعتقال من اعتقلهم على رءوس الأشهاد وعلى الهواء مباشرة، ثم تبين بعد سنوات أنه قتلهم فى حينه! أما غريمه (الأسد) فى المقابل فقد دهس معارضيه بعدها بالدبابات!!..

ومعتقلات ازدانت بها صحارى الوطن العربى من أقصاها إلى أقصاها قضى فيها إناس معظم أعمارهم بحجة التآمر، ومقابر جماعية تكشفها عوامل التعرية، وحرب هنا أو هناك بين جيش عربى وآخر، بل (غزو) على خلفيات ترسيم حدود استعمارية وهمية، واغتيالات فى الداخل قبل الخارج، بل مساع لإسقاط أنظمة مختلف معها ربما على أتفه الأسباب؛ كمحاولة القذافى مثلا اغتيال خادم الحرمين السابق عبدالله بن عبدالعزيز رحمه الله، على خلفية مشادة (كلامية) خلال أحد مؤتمرات القمة العربية، أو كتباهي الرئيس السودانى المخلوع عمر البشير بدوره فى إسقاط نظام معمر القذافي جهارًا نهارًا، أو كخسة ورداءة الموقف القطري المتآمر (طوعًا) ودائمًا أبدًا ضد جل الأنظمة العربية وفي مقدمتها مصر، سواء بدعم حاملى السلاح فى وجه الدولة، أو بالتحالف مع أى عدو للعرب يلوح في الأفق (والسلام)، تركيًا كان أم إيرانيًا.. أو ما شئت!! ناهيك قطعًا عن أنظمة تصورت أنها قد ملكت موارد دولها لنفسها ولأسراتها (وهم كثر)، تسرق ما تشاء بغير حساب، فلما يفيض الكيل، تدفع بالفتات إلى جيوب الفاسدين والمجرمين من أتباعها عن اليمين وعن الشمال قعيد!! ثم ناهيك عن ميليشيات و(حشود شعبية) وجماعات مسلحة تحكم قبضتها على بعض البلدان فى تحدٍ سافر لمفهوم سيادة الدولة! 

وفى المقابل، ربما تجد (أمراء) تآمروا على آبائهم فأطاحوا بهم ليتبوأوا هم سدة الحكم عنوة!!.. الناس أنفسهم، ومع مرور الوقت، أصبح من الصعب إقناعهم بمعنى الوطن؛ من بعد أن تربوا كغرباء دومًا وكمجموعات (كومبارس صامتة) فى مسرحية هزلية تدور؛ يتوقون إلى من يحررهم يومًا حتى ولو كانوا مستعمرين .. ما الفرق؟! ولذا، فلا عجب من أن ترى عيون اللبنانيين البارحة ترنو شوقًا لمعانقة الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون، وهو الواقف وسط الحطام يؤازر الناس فى محنتهم، بل يتوعد المسئولين اللبنانيين من جراء ما ألم بلبنان من مهانة إن دلت فإنما تدل على انهيار كامل وصدع غائر فى منظومة دولة أثبتت فى كل محنة أنها دولة كارتونية هشة لا سيادة لها للأسف بالمعنى الاصطلاحى لكلمة (السيادة)؛ إلى درجة أن المسئولين اللبنانيين، من أولهم إلى آخرهم، يقفون اليوم فى موضع طلاب المرحلة الثانوية (المشاغبين) فى حضرة ناظر المدرسة وأولياء الأمور، وكأنما أُغشيت وجوههم قِطَعًا من الليل مظلمًا!! 

وفى المقابل، لم يجد ماكرون ما ينقذ به بقايا ماء وجه الدولة اللبنانية فى أعين رعاياها سوى بتذكير الناس بأن لبنان دولة (ذات سيادة) لعلهم نسوا؛ (مشجعًا) إياهم فى ثنايا كلامه وسط الجموع بأن التغيير سيأتي منهم وليس من باريس؛ وإن وعدهم الرجل (مطمئنا) بأنه سيعود مرة أخرى مطلع سبتمبر المقبل ليقوم (بواجبه) تجاه الشعب اللبناني، بل مجاهرًا بأنه سيدفع بالمعونات رأسًا إلى اللبنانيين، وليس إلى نظام فقد مصداقيته فى أعينهم (وهو ما أقره مؤتمر المانحين بعدها بيومين!، فلما عاد إلى بلاده، انطلق لسان الرجل، فاتهم المسئولين اللبنانيين بالفساد والسرقة علنًا!! فى حين وصفتهم مجموعة الأزمات الدولية حرفيًا بكونهم (نخبًا مفترسة أحكمت قبضتها على مفاصل الدولة!!.. لا عجب من موقف الشعب اللبنانى إذن من أن يداعب ذاكرته الحنين لأيام الاستعمار .. بل أحسب أن لسان حالهم قد بلغ حد تمنى قيام إسرائيل رأسا بمباغتة (حزب الله) لتخلصهم منه؟! فيالحجم الإساءة التي أسأناها لأنفسنا؛ ثم يا له من جرس إنذار!! 

أما أنت يا من تقف اليوم تتندر بجهود وطنك في تشييد الطرق والكباري والمشروعات الإنتاجية الكبرى والمدن الجديدة وشراء السلاح من أجل جيش يحمي سيادة واستقرار وطنك؛ ويمنع كائنا من كان من مجرد التفكير لوهلة في تنحية إرادتك الوطنية بقفزات (مكوكية عنترية) كتلك التي قام بها ماكرون (مشكورا) من دون سابق (اعتبار)، عليك بالصلاة شكرًا لله بأن الدول ذات الهاجس الاستعمار ي جميعها تتحسب (اليوم) كثيرًا من قبل أن تقترب من مقدراتك الوطنية أو تمسسها بحجة أو بأخرى، وإلا لجاءوك (بمعسول وعودهم) فأذلوك وأهانوك؛ وهم الذين (فى جميع الأحوال) على شفا مجيء ثان متحينون!!

* نقلًا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

(مماليك) أردوغان .. و(ستالينجراد) العرب

من بين أخطر وأهم العوامل التي أسهمت في التعجيل بتوالي هزائم الجيش النازي، هو ذلك القرار الذي اتخذه أدولف هتلر فتح جبهتين قتاليتين في وقت واحد، متجاهلا

..والناس لا تصدق إلا السيسي

منذ سنوات مضت، وفي المقهي الذي اعتدت أن أجلس عليه بحي الدقي العتيق، وحيث اعتاد الناس مشاهدة مباريات كرة القدم عبر شاشات التلفاز، كنت ألحظ أحد الجارسونات العاملين بالمقهي شديد الحماسة والتفاعل مع الشاشة إلى درجة عدم انتباهه إلى طلبات الزبائن أنفسهم ونداءاتهم المتكررة إليه.

كورونا و(الأهوج).. وتنبؤات شتاينر!

.. وأسألك سؤالا لا يزال يحيرني وسط ما نحن فيه من جائحة لم يسبق وأن عاصرناها من قبل، جائحة ألزمت أهل الأرض قاطبة بيوتهم تحت نير مخاوف وضغوط نفسية غير مسبوقة،

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]