آراء

ارتدادات ليبية على تونس

6-8-2020 | 15:56

مثلت التجربة السياسية فى تونس نموذجا عربيا استثنائيا حتى كشفت حركة النهضة عن الجوانب القبيحة فى تصوراتها لبعض القضايا الإقليمية، والتى لم تكن خافية على كثيرين، لكن شريحة كبيرة فى النخبة حاولت التقليل منها، على اعتبار أن هناك خصوصية للدولة التونسية والقوى السياسية التى قبلت التعامل مع الحركة الإخوانية.


ذهبت السكرة وجاءت الفكرة خلال الأيام الماضية، ودخلت قوى مختلفة فى صدام مع راشد الغنوشى رئيس حركة النهضة، بسبب موقفه الداعم لتركيا فى ليبيا، وتأييده لتدفق المرتزقة والمتطرفين والإرهابيين عليها، فى تعد واضح على صلاحيات رئيسى الجمهورية والحكومة، ما أسهم فى دخول البلاد فى أزمة سياسية عميقة، انطلقت شرارتها من تصرفات الغنوشى حيال ما يجرى فى ليبيا، وقد لا تتوقف عندها، حيث تشعبت المحاسبة إلى كثير من ممارسات وتوجهات النهضة، ما أدى إلى أزمة سياسية لا أحد يعرف المدى الذى يمكن أن تصل إليه عقب خروجها من البرلمان وتفاعل قطاعات كبيرة فى الشارع معها.

أفلت الغنوشى بأعجوبة من اقتراع بسحب الثقة منه كرئيس للبرلمان التونسى الأسبوع الماضي، غير أنه وقع فى فخ أشد خطورة، حيث تبين أن عدد من صوتوا ضده ومن حجبوا وأبطلوا أصواتهم يفوق نصف أعضاء البرلمان، بالتالى سوف تظل هذه السقطة تلاحقه فى تصرفاته السياسية اللاحقة، فالجلسة التاريخية وتداعياتها سلطت الأضواء أكثر من أى وقت مضى على نوايا حركة النهضة، ووضعت قيادتها أمام مسئولية كبيرة، تتعلق بمحاولة توريط الدولة فى قضايا خارجية شائكة.

تزامنت ضجة سحب الثقة من الرجل مع معلومات غزيرة حول قيام تركيا بنقل نحو 2500 متطرف تونسى إلى ليبيا، للقتال هناك ضمن زمرة المرتزقة الذين شحنتهم أنقرة الفترة الماضية، ويقدر عددهم بحوالى عشرين ألف شخص، يقاتلون ضمن قوات حكومة الوفاق فى طرابلس. وزادت المخاوف مع تردد أنباء حول نقل عدد منهم داخل الأراضى التونسية لزعزعة الأمن والاستقرار الذى تنعم به الدولة، والسعى للسيطرة على مناطق حدودية مع ليبيا، واستخدامها كجبهة لتسريب المتشددين.

ضاعف الحديث عن هؤلاء من الأزمة المركبة التى تواجهها حركة النهضة، حيث اتهمت مباشرة بأنها هندست صفقة سرية بالتعاون والتنسيق مع تركيا، تقضى بفتح ثغرة برية فى جدار تونس لنقل الأسلحة والمعدات والمرتزقة من وإلى ليبيا، بعد تصاعد الضجر الأوروبى من عمليات تهريب الأسلحة التى تقوم بها تركيا عن البحر المتوسط، وعقب تصريحات أدلى بها الرئيس التونسى قيس سعيد أكد فيها رفضه للتدخلات الخارجية، ووقوفه على مسافة واحدة من الفرقاء الليبيين، بمعنى أنه يعترض على رؤية النهضة فى الانحياز لفريق على حساب آخر، ويرفض أن تكون بلاده طرفا فى الحرب الدائرة، إن لم تصبح طرفا فى الحل السياسي.

يبدو أن إخوان تونس على وشك إعادة تجربة أشقائهم الفاشلة فى مصر عندما اشتدت عليهم الأزمات، وتكاتفت عليهم القوى السياسية والشعبية، وأعلنت أجهزة الدولة العميقة وقوفها ضد استمرار وجود الجماعة فى السلطة، وقتها جرى تسريب معلومات تقول إما الحكم أو الفوضي، ما وضع الشعب والجيش فى كفة واحدة انتهت بسقوط مدو للجماعة فى الحكم، وجرى تحمل التكلفة المادية لهذه الخطوة، حتى انتهت الجماعة سياسيا وأمنيا، وأخفقت فى توريط الدولة فى مربع طويل من الاقتتال.

تريد حركة النهضة جر تونس إلى سيناريو يتحاشى أخطاء إخوان مصر، حيث تستعد لاستقبال مرتزقة من ليبيا وتمركزهم فى المناطق الحدودية، ومساعدتهم فى تكوين بؤرة ملتهبة هناك، ليتحولوا إلى رصيد مسلح، على استعداد للاشتباك فى أى لحظة أو التهديد بهم، لإجبار القوى السياسية على الرضوخ لخطاب الغنوشى ورفاقه، وحث الأجهزة الأمنية الصامدة على تجنب الصدام خوفا من حدوث انفلات، وهو رهان كل القوى المتطرفة، فإذا لم تتمكن من الحكم يمكنها هدم المعبد على من فيه.

فى هذه الحالة تضمن مكانا لها تحت الشمس، حتى لو كان صغيرا ومحدودا. فالمهم أن تفقد السلطة المركزية قدرتها على الصلابة والمقاومة، ولا تتمكن من تفشيل مخطط النهضة، الذى مهدت له بمد خيوط التعاون مع القوى المتشددة فى ليبيا، وتعمل على تغذية بعض الاحتقانات الاقتصادية والاجتماعية فى تونس، كى تكون مهيأة للغليان والتظاهر والاحتجاج، إذا استمر مسلسل استهداف النهضة سياسيا داخل البرلمان وخارجه.

تزاحمت الهواجس فى تونس خوفا من زج التيار الإسلامى بالبلد المستقر فى آتون أزمة مفتوحة على مسارات مخيفة، يمكن أن تجعلها طرفا فى صراع يتجاوز حدود ليبيا، فكل من تونس والجزائر والمغرب بها نشاط واضح لجماعة الإخوان التى ترغب فى تطوير العلاقات مع تركيا، والأخيرة بدورها تعتقد أن هؤلاء خميرة جيدة لتوسيع نفوذها فى منطقة شمال إفريقيا بعد تأكدها أن الجبهة الشرقية المفتوحة على مصر أصبحت عصية على اختراقها.

حذرت القيادة المصرية مبكرا من أن أهداف تركيا تتجاوز حدود ليبيا، وعيونها مصوبة نحو الدول المجاورة الحافلة بقوى إسلاموية، ولم يتجاوب معها أحد تقريبا، وتم تجاهل التحذيرات أو تبريدها، والتعامل معها كنوع من تصفية الحسابات مع الإخوان وتركيا دون التفات للمعانى الحقيقية التى تتضمنها، حتى بدأت كرة اللهب تنذر بالاشتعال فى تونس، ما يشير إلى أن دولا أخرى لن تكون بعيدة عن النيران، فالمنحنى التركى التصاعدى يمكن أن يجرف معه كلا من الجزائر والمغرب، وفى مرحلة لاحقة موريتانيا وتشاد ومالي، لأن المشروع التركى لا يقف عند حدود ليبيا.

بدأ بعض دول المغرب العربى ينتبه إلى مخاطر تمدد أنقرة فى ليبيا، ويشعر بأن هذا الكابوس يمكن أن يلحق الأذى بكثير من دول المنطقة، ويغير فى جغرافيتها السياسية إذا قدر له أن يواصل تمدده، ربما لا تزال هذه الدول تتصرف بحذر حتى الآن، لكن الهواجس تسربت إليها فعلا، ما جعلها أشد اهتماما بما يدور فى ليبيا، وأكثر حرصا على المطالبة بالتسوية السياسية، وتلح على وقف التدخلات الخارحية.

تنذر ارتدادات ليبيا بتهديد أمن العديد من الدول، لأن المرتزقة يمكن أن ينتشروا بسهولة فى الدول المجاورة، إذا لم تتضافر الجهود لمواجهتهم، ويتم وضع حد للتجاوزات التركية التى استثمرت فى التناقضات بين الدول الأوروبية، وجنت مكاسب عدة من وراء التقاعس الأمريكي، وارتاحت للمشكلات التى تعج بها دول المغرب العربي.

فقد أصبحت مساحة مشروع تركيا فى ليبيا قابلة للتوسع غربا، وتستطيع تحريض القوى الإسلاموية لمساندتها فى تفكيك طوق قبل أن تتبلور حلقاته، ويشتد عود الدول الرافضة لتمركزها فى المنطقة بالحصول على مساندة واضحة.. من هنا تأتى ضرورة صياغة تصور جماعى لدور جوار ليبيا لتقويض نفوذ أنقرة، حتى لا تتحول الحركات الإسلامية فيها إلى طابور خامس.


نقلا عن صحيفة الأهرام

مصر لم تغب عن ليبيا

اعتبر البعض زيارة وفد مصري هذا الأسبوع لطرابلس لترتيب إعادة فتح السفارة في العاصمة الليبية، والقنصلية في مدينة بنغازي، خطوة لاستعادة دور مصر فى ليبيا،

مغالطات الشرق والغرب فى ليبيا

مغالطات الشرق والغرب فى ليبيا

الواقعية المصرية والتهور التركي

يُحسب للرئيس عبدالفتاح السيسي قدرته على التعامل بواقعية مع الأزمات الخارجية، والتي تراعي مصالح مصر في ظل خرائط إقليمية معقدة، وتفاعلات دولية غامضة.

القوة الناعمة والقوة الخشنة بعد كورونا

حاولت البحث عن فكرة مناسبة لهذا الأسبوع بعيدا عن كورونا فلم أجد. كلما لاحت في الأفق فكرة وجدتها تصب في هذه الجائحة من قريب أو بعيد. أصبحت حياتنا تبدأ بالاطلاع

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة