فى العيد 145 لـ"الأهرام".. المؤسس "سليم تقلا" مسيرته وجهت الصحيفة عقودا

5-8-2020 | 15:33

سليم تقلا

 

فاطمة عمارة

قرية صغيرة ذات موقع متميز طيبة الهواء والماء مليئة بالبساتين تُسمى كفر شيما، حيث اشتهر مجموعة من العلماء أمثال آل اليازجى وآل شميل، وغيرهم من الأطباء والشعراء والأدباء . وهناك كان ميلاد سليم تقلا فى أواسط عام 1849. والده خليل ينتمى إلى بنى البردويل وتلقب بلقب والدته ندى تقلا.


تلقى علومه الابتدائية فى مدرسة القرية التى كانت آنذاك تحت أشجار السنديان، حاول والده عندما لاحظ تفوقه ونبوغه أن يلحقه بمدرسة عبية بلبنان، إلا أنه رُفض لأنه دون الخامسة عشرة، ولكن واسطة كريمة حققت له التجاوز وقبول المدرسة له.

ظهر عليه النبوغ والعقل وحب التعلم فنال إعجاب أساتذته وزملائه، وعندما شبت الثورة فى الشام 1860 ترك المدرسة وانتقل إلى بيروت ودخل المدرسة الوطنية للمعلم بطرس البستاني، وعمل فى أوقات الفراغ لتأمين مصاريف دراسته. عُين بعد إتمام الدراسة معلما فى المدرسة البطريركية فى بيروت وحرص على تعلم ما فاته وخصوصا علوم اللغة العربية على يدى الشيخ ناصيف اليازجي، وترقى بعد فترة قصيرة مديرا لها، وألف كتاب «مدخل الطلاب» فى النحو والصرف بأسلوب مبتكر تم الاعتماد عليه فى التدريس لاحقا.

قرر الهجرة إلى مصر عام 1874، وكان يدرك أن الصحف الشعبية العربية تنحصر فى عدد قليل وغير منتشر وهى (وادى النيل، نزهة الأفكار، روضة الاخبار) إلى جانب الجريدة الرسمية (الوقائع)، فأمضى عاما يتردد بين مصر والإسكندرية يجاهد فى الحصول على امتياز الجريدة، وتقدم فى ديسمبر 1875 يلتمس تصريحا بإنشاء مطبعة تسمى «الأهرام» بجهة المنشية بالإسكندرية ويطبع فيها جريدة بنفس الاسم تشتمل (التليغرافات، والمواد التجارية والعلمية وكذلك بعض الكتب كمقامات الحريري، وبعض ما يتعلق بالصرف والنحو).

فرخصت له الخارجية (بإنشاء جريدة الأهرام على ألا يتعرض صاحبها للدخول مطلقا فى المواد البولوتيقية وامتثاله لقانون المطبوعات) وصدر أمر لمحافظ الإسكندرية (بعدم معارضة الخواجة المذكور فى إنشاء المطبعة المحكى عنها).

أرسل إلى أخيه بشارة ليلحق به ويعاونه فى مشروعه، فشاركه فى الإدارة والتحرير، وإنشاء مطبعته فى شارع البورصة المتفرع من ميدان القناصل، ولم يملك من معدات التحرير والتحبير والنشر والطبع إلا شيئا يسيرا، فعانى فى سبيل نشر الأهرام، وصدر مثال الأهرام فى 31 ديسمبر 1875 وهو ما مثل نموذجا لما ستكون عليه الجريدة وعرضها الأخوان على المثقفين والقراء المحتملين لتحصيل الاشتراكات.

ومثلت الجريدة الحقبة الثانية من الصحافة الشعبية الوطنية ولاحظ القارئ خاصة فى نشأتها الأولى أنها أعطت فرنسا مكانة طيبة فى حين أظهرت الضيق والتبرم من السياسة الإنجليزية، إلى جانب ازدحامها بالمقالات الاجتماعية التى حازت الإعجاب، ونجت من الأزمات التى تعرضت لها مثيلتها لما تحمله من برقيات أنباء خارجية وموضوعات أدبية واجتماعية طريفة أسهم فى كتابتها مشاهير العصر مثل محمد عبده، هذا إلى جانب مساعدات الحكومة المصرية والقنصلية الفرنسية.

كان سليم تقلا مثالا للصحفى الذى أفنى عمره فى إتمام عمله، يعاون عمال المطبعة ويعلم المحدثين منهم، تخصص فى تحرير المقالات المختلفة إلى جانب إدارة الجريدة من الناحية الأدبية، وصاغ الأخبار بعربية صحيحة، كما نشر بعض القصائد الوصفية، وبرع فى تنظيم الصحيفة، وانفردت بالفن الصحفي، واختار لها لغة الصحف بعبارات صحيحة اللغة وواضحة، خالية من السجع على عكس مثيلتها فى هذا العهد.

اضطُر للسفر إلى سوريا إثر وقائع الثورة العرابية 1882، واحترقت مطبعة «الأهرام» إثر القصف البريطانى واحترق كثير من أعماله وكتاباته ومؤلفاته. وإثر عودة الأوضاع إلى هدوئها الأول، عاد إلى الإسكندرية وأعاد تشييد مطبعته فى موقعها نفسه قبل أن تنتقل إلى مواقع متعددة وتستقر نهاية الأمر فى شارع فؤاد ولا يزال المبنى قائما حتى الآن.

وحكى «تقلا» فى سياق حديث عن الجرائد العربية وتاريخ نشأتها: «أنشأتُ الأهرام وأنا عالِم بما يَحُول دون نشرها من المصاعب، فكنت أقضى النهار والليل عاملًا بدنًا وعقلًا، فكنت أحررها وأديرها وألاحظ عملتها وأكتب أسماء مشتركيها وأتولى أعمالها مما يقوم به الآن عشرة من العمال».

تعرض لمشكلات عديدة مع السلطة المصرية حينذاك، وذلك على الرغم من اعتداله فى المسائل السياسية الداخلية. كان من أوائل الصحفيين الذين قاموا برحلات إلى أوروبا ووافى جريدته بمقالات خاصة، كما التقى كبار الشخصيات العالمية ومنهم السلطان عبدالحميد عام 1889 فى قصر يلدز فى إسطنبول.

سافر 1886 إلى دمشق وتزوج من إحدى العائلات الكريمة هناك ولم يرزقا بأبناء، وعاد إلى الإسكندرية لممارسة أعمال الجريدة. أصيب قلبه بالوهن، وأشار عليه الأطباء بالسفر إلى سوريا، فتوفى فى 8 أغسطس 1892 ودفن هناك. غادر «الأهرام» بعد أيام قليلة من حلول العيد الـ 16 لصدور عددها الأول، وكان حدثا جللا، ولكن سيرته ومسيرته ظلتا فى توجيه «الأهرام» طوال عقود ممتدة.


نقلا عن صحيفة الأهرام

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]