"شمس" قلبي و"ضله"

6-8-2020 | 12:10

 

بعد مرور ١٤ يومًا داخل غرفة الرعاية المركزة بالمستشفى حضرت زوجتي "أمل علوي" إلى المستشفى، واتفقت مع الدكتور حسين خميس مدير وحدة الحالات الحرجة على أن أستكمل علاجي في البيت.. وهو ما حدث بالفعل؛ لأنه كان يدرك أنني أمتلك عزيمة وإرادة تجعلني قادرًا على أن أستكمل العلاج في أى مكان بكفاءة عالية.

 
وبينما كنت في طريق العودة إلى البيت امتلأ رأسي عن آخره بتلك الدروس التي خرجت بها من المستشفى؛ فقد علمتني محنة الإصابة بفيروس كورونا اللعين الكثير والكثير من الأشياء التي لم تكن تخطر لي على بال؛ بل إن هذه التجربة المريرة بدلت حياتي بالكامل، وغيرت أيضًا في طريقة تفكيري التي تحولت من النقيض إلى النقيض.

فتلك الأيام الـ ١٤ التي قضيتها داخل غرفة الرعاية المركزة - بقسوتها ومرارتها ووجعها - أزالت "الغشاوة" التي كانت تحجب عني رؤية الناس على حقيقتهم، والتي كانت تجعلني دائمًا حسن الظن بالآخرين ، حتى حينما كنت أشعر بيني وبين نفسي في لحظة صدق نادرة بأن هذا الشخص أو ذاك غير جدير بأن يكون أهلًا للثقة، أو كما يقولون في الأمثال إن (الفار بيلعب في صدري)، فقد كنت أعتب على صدري الذي ترك فرصة لهذا الفأر وسمح له بأن يدخل ليفسد شعوري بأن هذا الشخص في درجة حبي لهذا الابن الذي لم تلده زوجتي، أو تلك البنت التي لم تكن من صلبي، وكنت أفرط في تفاؤلي بأن حبي للناس وحبهم لي أكبر بكثير من تلك الهواجس التي كنت أعتبرها رجسًا من عمل الشيطان.. هذا الشيطان الذي يعز عليه دائمًا أن يتركنا نهنأ بحبنا للناس وب محبة الناس لنا.
 
لقد كشفت لي محنة المرض هذا الكم الهائل من الزيف و(شغل القرود) و(الضحك على الذقون).. خاصة أنني عشت - ولأول مرة في حياتي - بعضًا من أسرار الآية الكريمة (لَّقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) صدق الله العظيم.
 
وعلى الرغم من ذلك فإنني لست نادمًا على أي خير قدمته لشخص أثبت لي في محنة المرض وبالدليل القاطع أنه لم يكن يستحقه، كما لست نادمًا على تصرف خرج مني لم أسع من ورائه إلا قاصدًا ابتغاء وجه الله تعالى.
 
لم ولن أندم على أي شيء قدمته لشخص أثبتت التجربة أنه "قليل أصل"، أو أن "الندالة" تجري في عروقه مجرى الدم، ولكن الشيء المؤكد أنني لن أستمر في ارتكاب تلك الجريمة في حق نفسى، فقد قررت - ومن الآن فصاعدًا - أنني لن أظل مخدوعًا؛ لذا فقد استخدمت الآن - ولأول مرة في حياتي - خاصية ( البلوك )؛ تلك الخاصية المهمة في الأيفون هي اللي ساعدتني كثيرًا في (غربلة) الناس ووضعهم في مكانهم الطبيعي؛ سواء كان هذا المكان في قلبي أو في ذاكرة الأيفون أيضًا.
 
المهم خرجت من المستشفى ليذهبوا بي على الفور إلى عيادة الدكتور أشرف حاتم؛ ليبدأ معي مرحلة جديدة من العلاج أشبه بمرحلة ما بعد الحروب؛ حيث الرغبة قوية في إعادة الإعمار، فقد استلمني على (الزيرو) بعد أن وصلت الحالة الصحية للرئة إلى المربع صفر؛ وهو المستوى المتدهور القديم؛ حيث كان يعالجني من نفس مشكلات الرئة منذ عدة سنوات..
 
فكتب روشتة علاج لمدة شهر، وما إن خرجت من عيادته حتى وجدت زوجتي وشقيقي وشقيقها يذهبون بي أيضًا إلى عيادة الدكتور محمد الباسل ليتولى مهمة (تظبيط) السكر والأنسولين الذي لم أكن أعرف عنه أي شيء سوى الاسم فقط؛ حيث كنت أتعامل مع السكر عن طريق الأقراص، أما الأنسولين فكنت أشعر بالخوف حتى من مجرد نطق اسمه.
 
وفور وصولي البيت كانت المفاجأة.. نعم مفاجأة بمعنى الكلمة ولكنها ليست مثل تلك النوعية من المفاجآت المفزعة التي كنت أستيقظ عليها في المستشفى، فقد دخلت البيت وبالتحديد غرفة نومي لأجد زوجتي وقد حولتها إلى ما يشبه غرفة العناية المركزة .. جميع الأجهزة التي كنت استخدمها في المستشفى موجودة بأشكال مصغرة؛ حيث كانت تدرك تمامًا أنني خرجت من المستشفى قبل استكمال العلاج، وأن ما أعانيه من مضاعفات في الرئة يتطلب متابعة على مستوى عالٍ من الدقة وهو ما يجب أن يكون متوافرًا له أجهزة دقيقة، وتواصلت مع إحدى شركات المستلزمات الطبية، وقامت بشراء أجهزة لقياس درجة الأكسجين في الدم.. وقياس نبضات القلب وقياس الضغط وقياس السكر وقياس درجة الحرارة وجهاز تنفس لعمل جلسات لتوسيع الشعب الهوائية؛ لأن صعوبة التنفس هي مشكلتي الحالية حتى التليفزيون داخل غرفة نومي قامت بتثبيته على نفس القناة التي أخبرتها بها حينما كنت في المستشفى؛ وهى قناة القرآن الكريم التي تُنقل "بث مباشر" من داخل الحرم.. 
 
هذه القناة ظلت على مدى ١٤ يومًا دون أن أغير الريموت كنترول حتى أثناء النوم، فقد كنت أنام وأستيقظ على سماع صوت مشاهير قراء القرآن الكريم.. زوجتى أخفت الريموت كنترول خوفًا من أن بناتي يغيرنها بدون قصد، وحتى تضمن لي العيش في نفس الجو الروحاني الذي كان يغمرني داخل غرفة المستشفى..
 
لقد تناولت في مقالاتي السابقة كل شيء يتعلق بمحنة المرض وبالتمسك بالأمل والعزيمة والإرادة، ولكن فلتسمحوا لي الآن أن أتناول في هذا المقال ما فعلته زوجتي "أمل علوي" التي أصفها دائمًا بأنها "شمس قلبي وضله" فمنذ سماعي صوتها وهي تبكي بصوت مرتفع ظل يرن في أذني وهم يسيرون بي نحو غرفة الحالات الحرجة بالعناية المركزة مساء الإثنين ٦ يوليو ٢٠٢٠ فإن هذا الصوت ما زلت أسمعه كلما اختليت بنفسي.. 
 
ياااااه لقد كبرت "أمل" قبل الأوان وهي تستيقظ كل يوم منذ السابعة صباحًا على صوت تليفون الحاج مفيد من سوهاج يتلمس منها أي خبر مفرح عن حالتي الصحية، فأنا في مستشفى عزل، ولا توجد أي وسيلة للتواصل من داخل الغرفة، فتبدأ تتابع كل شيء من خلال المخلصين الذين جعلهم الله سببًا في التخفيف عنها، وكان في مقدمة هؤلاء الدكتور الإنسان عادل عدوي وزير الصحة الأسبق، والذي تربطني به صداقة جعلته يقلب الدنيا ويجعل (المريض أشرف) يدخل المستشفى مريضًا غير عادي، وهو ما انعكس بالطبع على حالتي النفسية، وتسبب في أن معنوياتي كانت مرتفعة جدًا، بعيدًا عن كوني أتسلح بسلاح الإرادة.. وما إن تطمئن من الدكتور عادل حتى تبدأ مرحلة إبلاغ الأصدقاء والأهل بتفاصيل الحالة.
 
أما بالنسبة لغرفة نومي في البيت فقد استطاعت أمل - كما ذكرت بالتفصيل - أن تجعل منها قيمة مضافة لمستودع الطاقة الإيجابية الذي كنت أستمد منه القدرة على مواجهة المرض وسط الوجع والألم الذي يسيطر على منطقة القفص الصدري بالكامل.
 
إنها نموذج للزوجة التي يقولون عنها إنها (ست بــــ١٠٠ راجل).
 
ليتنا نفتش حولنا عن هذا النموذج من الزوجة التي تدفع إلى الأمام.. ليت كل من ينبش في عالمه الخاص ليكتشف بنفسه أن هذا النموذج من الزوجة الذكية الواعية العاشقة للحياة المخلصة والمتفانية في حماية بيتها تستطيع أن تحول زوجها إلى قيمة مضافة في المجتمع ليس هذا فحسب؛ بل إنها تدفعه لأن يكون فاعلًا في عملية البناء والتنمية التي يشهدها المجتمع.
 
وبهذا المقال أكون قد أنهيت توثيق تجربتي مع محنة كورونا، وكيف أن الإرادة والعزيمة تستطيع أن تصنع ما يفوق المعجزات.

كفانا الله شر المرض ومتعنا جميعًا بالصحة والعافية وراحة البال.
 
amofeed@gmail.com

مقالات اخري للكاتب

"تعويذة" هدم الدولة!!

علينا أن نعترف بأننا نعيش الآن ظروفًا معيشية قاسية.. فلا أحد ينكر تلك الحالة الصعبة التى "تعصر" الجميع دون استثناء فى ظل ارتفاع جنونى فى أسعار كل شيء،

"غشاوة" العيون!!

منذ عدة سنوات، وبينما كنت أسير في أحد شوارع مدينة شتوتجارت المعروفة بقلعة الصناعة في ألمانيا، لفت نظري حالة الانبهار التي شاهدتها في وجه صديق صحفي كان معي ضمن الوفد الإعلامي المشارك في لقاء مهم نظمته وكالة التعاون الدولي لمقاطعة بادن فورتمبرج، بالتنسيق مع الجامعة الألمانية بالقاهرة،

"جريمة" الدكتورة إيناس!

من حق الجماعات الإرهابية ودعاة الفكر المتطرف أن يكرهوا الدكتورة إيناس عبدالدايم وزيرة الثقافة، كرهًا يفوق كراهية "الذئب" لضوء "النار"، فكما هو معروف أن ضوء النار يرعبه ويجعله يكاد يموت في جلده من شدة الخوف؛ مما يدفعه للهروب بعيدًا.

المرار "الطافح"!!

هل أفرط "البسطاء" في أحلامهم المشروعة بأن الرئيس السيسي، الذي جاء بإرادة شعبية غير مسبوقة سوف ينقلهم ـ وبقدرة قادر ـ إلى دنيا غير الدنيا وإلى مستوى من

"وقاعين الشيل" الجدد!!

كتبت من قبل عن تلك النوعية من الناس الذين كنا نطلق عليهم فى قريتنا بسوهاج أيام زمان اسم "وقاعين الشيل" هؤلاء الناس كانوا من محترفي إيذاء السيدات وخاصة

تحكم في "مودك" وحدد مستوى "طاقتك"!!

عجيب أمر تلك النوعية من الناس الذين حينما يصيبهم اليأس ويتملكهم الإحباط تضيق عليهم الدنيا وينظرون إليها من "خرم إبرة"؛ بينما لو فكروا قليلًا سوف يكتشفون

"غبي منه فيه"!!

لماذا يصدق الناس من يقوم بخداعهم ويضللهم ويضحك عليهم، هل يحدث ذلك نتيجة غباء فطري أم أنهم ونتيجة "الغباء الجماعي" أصبحوا يتفننون في الجري وراء أية أفكار غريبة وغير معتادة دون أدنى تفكير وكأن العقول قد أخذت إجازة مفتوحة.

فن "سرقة" العقول

قرأت منذ أيام قليلة مقالاً مهماً للخبير الإستراتيجى اللواء د. سمير فرج تناول فيه تحليلاً فى منتهى الروعة لحروب الجيلين الرابع والخامس وكيف تركز هذه الحروب

نظرية "هز الفئران"!!

كثيرون منا يقعون فى أخطاء فادحة نتيجة التسرع والحكم على الأشياء والمواقف بالأخذ بالظاهر، على الرغم من أننا لو فكرنا قليلاً وبحثنا عن تفسير لما نراه فإننا لن نقع فى المحظور بإساءة الظن بالآخرين، فكما نعلم سوء الظن يؤدى دائمًا إلى ارتكاب المزيد من الحماقات.

"الورقة" التي لم تسقط!!

هل فكرت أن تكون كما تريد أنت لنفسك وليس كما يريدك الناس، وهل اتخذت يومًا ما قرارًا بمحض إرادتك دون أن يكون ذلك من أجل إرضاء الآخرين؟

فن الإحباط و"كسر الخاطر"!!

في حياة كل منا بعض الأشخاص قد يكونون اقتحموا حياتنا بالصدفة، أو أن الأقدار ساقتهم في طريقنا لحكمة لا يعلمها إلا الله، هؤلاء الأشخاص لا عمل لهم في الحياة

"شهقة الموت" تفضح "الأكسجين"

بعد نجاحاتي المتكررة في الخروج من المعارك مع ميليشيات كورونا منتصرًا معركة تلو الأخرى شعرت بأن الله جل شأنه مازال يمنحني كل يوم بعضًا من فضله الواسع وارتبطت أكثر وأكثر بسورة يس التي أصبحت تمثل بالنسبة لي بوابة الدخول إلى عالم الأسرار المليء بعجائب بقدرة الله.

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]