"شهقة الموت" تفضح "الأكسجين"

3-8-2020 | 13:52

 

بعد نجاحاتي المتكررة في الخروج من المعارك مع ميليشيات كورونا منتصرًا معركة تلو الأخرى شعرت بأن الله جل شأنه مازال يمنحني كل يوم بعضًا من فضله الواسع وارتبطت أكثر وأكثر بسورة يس التي أصبحت تمثل بالنسبة لي بوابة الدخول إلى عالم الأسرار المليء بعجائب بقدرة الله.

في تلك الأثناء كنت قد بدأت أتعايش وأتأقلم مع الوجع لدرجة أنني كنت بدأت أتعايش أيضًا مع ظروفي الصحية المرتبكة في منطقة القفص الصدري باعتبارها مجرد "شدة وتزول"..  استيقظت ذات صباح على شهقة كبيرة بصوت مرتفع تشبه إلى حد كبير ( شهقة الموت ).. نعم شعرت وأنا نائم بطلوع الروح وكأن صخرة من أحجار المقطم قد تم وضعها فوق صدري وأن روحي تتسلل من داخل صدري.. في تلك الأثناء دخل الممرض محمود الذي يبدو أن العناية الإلهية قد أرسلته لإنقاذي لأنني في تلك الأثناء لم أكن أمتلك حتى القدرة على الضغط على جرس الاستدعاء، وعلى الفور تم إبلاغ الطبيب الذي قام بالنظر إلى نسبة الأكسجين فوجدها طبيعية وليس بها أي تغيير وطلب قياس الضغط والسكر فكانت المفاجأة انخفاضًا في السكر وارتفاعًا في ضغط الدم وتم التعامل مع الأزمة على أساس أنه شعور طبيعي بالخوف حينما يحدث ضيق في التنفس، وأعطوني بعض الأدوية والمحاليل وعدت لحياتي كما لو كنت أحلم فالأكسجين مظبوط حسب قراءات الـ"مونيتور" المخصص لمتابعة الأكسجين.

تلك "الشهقة" التي استيقظت عليها ذكرتني بحدث لم يتكرر في حياتي وهو أنني ذات يوم كنت أحضر اجتماعًا  للأستاذ إبراهيم نافع رئيس مجلس إدارة ورئيس تحرير الأهرام يضم ممثلين عن كافة أقسام الأهرام حينما كانت الأهرام  كبيرة بمعنى الكلمة.. وكان يجلس خلفي مباشرة أخي وصديقي وحبيبي الغالي المرحوم عادل أحمد رئيس قسم التصوير آنذاك وكنت أرتدي البدلة التي تليق باجتماع رئيس التحرير، وكان يجلس إلى جوار عادل أخي الأكبر وصديقي وأستاذي فرحات حسام الدين الذي قال لي (إيه الشياكة دي)، فقلت له ردًا على دعابته (أنا بعد الاجتماع عندي تصوير "شوت سينما" وضحكنا ففوجئت بعادل يسألني: أخبارك إيه يا أشرف قلت له (زي ما انت شايف هصور مشهد سينما بعد الاحتماع)، وأكملت كلامي، (وانت أخبارك إيه) قال لي "الحمد لله" بعدها سمعت نفس تلك الشهقة الطويلة التي استيقظت عليها صباح اليوم.. 

التفتت للخلف لأرى عادل وقد فارق الحياة، بعد أن  قال آخر كلمة في حياته (الحمد لله)، فظلت هذه (الشهقة) في ذاكرتي تمثل الموت بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وهذا بالطبع سبب انزعاجي الذي ظل يطاردني حتى تلك اللحظة التي أكتب فيها هذا المقال كلما تذكرتها بنفس بشاعة الإحساس بها.

تعاملت مع الأزمة كما تعامل الأطباء أنفسهم بأن المسألة مجرد انخفاض في السكر، أما بالنسبة للضغط فهو يمر بفترة استثنائية بسبب كثرة الأدوية التي أتناولها كل يوم، وسوف يعود الضغط إلى طبيعته تدريجيًا خاصة أنني لست مريض ضغط، ولم تكن هناك أي شكوى منه من قبل.

ولكن لاحظت أننى كلما بدأت الدخول في النوم أشعر "بكرشة" نفس فأفتح عينيّ بسرعة لأضغط على الجرس فيتم على الفور قياس السكر والضغط لنجد أنهما إما في ارتفاع،  وإما في انخفاض، ويقولون لي ما شاء الله الأكسين “نورمال” أي طبيعي جدًا وهو ما كنت أراه بالفعل في أرقام الـ"مونيتور". 

بدأت هذه المسألة تتكرر بشكل مزعج وشيئًا فشيئا بدأت أشعر بالضيق الذي جعلني أصل في كثير من الأوقات إلى الخوف من  النوم حتى لا أستيقظ على هذا الإحساس المميت، وليته يكتفي بذلك فقط، بل كنت أشعر بأن روحي تخرج بالفعل من بين ضلوعي، وفجأة سمعت صوت الشيخ عبدالرحمن السديس في القناة التي قمت بتثبيتها على مدى ١٤ يومًا دون تغيير.. سمعت السديس يقرأ سورة "يس" في هذه اللحظة أيقنت أن هناك أمرًا ما سيحدث، خاصة أن صورة السيدة نادية جمعة التي سبق وتحدثت عنها من قبل قد ظهرت أمامي في لمح البصر.. 

وبالفعل، وبينما كنت نائمًا بعد العصر استيقظت على نفس "الشهقة"، ولكن هذه المرة تعلقت عيناي بـ"مونيتور" الأكسجين لأجد القراءة ٨٨؛ مما يوحي بأنني طبيًا لابد أن أكون في عداد الموتى أو على الأقل  فأنا في الطريق إليهم خلال لحظات.. أفزعتني المفاجأة واستدعيت في ذاكرتي على الفور تلك التمرينات التي كان الدكتور أشرف حاتم قد علمني إياها وهو أن آخذ نفسًا وأتركه ثواني داخل الجسم ثم إخراجه بشكل سريع وأقوم بتكرار هذه الخطوة مرات عديدة.. 

وبالفعل لم تمض ٥ دقائق وأنا أنظر إلى الـ"مونيتور" الذي تتصاعد أرقامه بشكل سريع إلى أن وصلت الرقم الذي يتعاملون معه على أنه وضع ثابت وهو (٩٨). 

فرحتى بهذا الإنجاز دفعتني للضغط على جرس الاستدعاء ليحضروا لي أحد الأطباء حتى أخبره بأنني عرفت السبب وراء هذه (الشهقة) التي أستيقظ عليها كلما ذهبت في النوم .. لم تمض ربع ساعة حتى وجدت أمامي طبيبة لا داعي لذكر اسمها - سامحها الله - اغتالت بصوتها المرتفع أحلى لحظات حياتي وهو الشعور بالزهو بأنني بالفعل مريض جدع يساعد الأطباء في تشخيص حالته بتقديم ملاحظاته التي يعيشها لحظة بلحظة حسب الاتفاق بيني وبين الدكتور حسين خميس مدير الرعاية.. ما إن سمعتني أتحدث عن رقم (٨٨) وعن أننى قمت بعمل تمارين التنفس وأنقذت نفسي من موت محقق حتى فتحت فوهة مدفع رشاش سريع الطلقات لتخترق بكلماتها التهكمية قلبي الذي كان يعتصر من الوجع بسبب رد فعلها العنيف وهي توبخني وتقول: (لو كل واحد حس بكرشة نفس يعمل التمارين دي يبقى الدكاترة يقعدوا في بيوتهم) .. وقبل أن أرد عليها بكلمة تذكرت صديقي شريف الشناوي الذي أوصاني قبل الذهاب إلى المستشفى (بالثبات الانفعالي ).. 

تمسكت بهدوء مصطنع وأعطيتها انطباعًا بأنها على حق، وربما أكون شعرت بذلك من فرط الإحساس بالخوف من الموت في المستشفى.. لمعت عيناها وأعطتني إحساسًا بأنها تقول كلاما علميًا.. وقالت إنها سوف تعود مرة ثانية وغادرت الغرفة ربما لتتجه إلى غرفة أخرى لتعكنن على مريض آخر أوقعه حظه العاثر في طريقها اليوم باعتبارها المسئولة عن الشيفت المسائي..

ضغطت على الجرس ليأتي لي أحد الممرضين فطلبت منه أن يكتب في ملف المتابعة الخاص بى ملحوظة، أقول فيها الآتي (مريض الغرفة رقم ٤ يرفض دخول الدكتورة فلانة حجرته لأسباب يحتفظ بها لحين حضور الدكتور حسين خميس وقت المرور ظهر غدٍ)، وبالفعل تم كتابة هذه الملحوظة في سابقة لم تحدث من قبل.. فأنا كان من الممكن الاكتفاء بالشكوى للدكتور حسين حينما أراه ظهر اليوم التالي، ولكن أردت بتلك الملحوظة أن يعرف كل من يقرأها أنها ارتكبت خطًا حينما يسأل عن سبب هذه الملحوظة التي سجلها المريض .. قد تكون تتحدث بشكل علمي وأنها على صواب؛ فقد قرأت دراسة علمية تقول إنه من الثابت علميًا أن مستوى الأكسجين الطبيعي في الدم أثناء النوم بين 94 و98%، وعندما تنخفض النسبة أقل من 90%  تشكل خطرًا على جسم الإنسان، حيث يمكن للعقل البقاء على قيد الحياة لمدة 4 دقائق فقط دون أكسجين قبل موت الخلية.

وتوقف التنفس أثناء النوم يؤدي إلى توقف مؤقت في التنفس مما قد يؤدي إلى انخفاض مستويات الأكسجين بنسبة تصل إلى 80%، ولكن طريقة هذه الطبيبة المستفزة وصوتها المزعج الذي مازال يرن في أذني كان من السهل جدًا أن يكون سببًا في تدمير كل ما قام به الدكتور حسين بابتسامته في وجهي التي غيرت مجرى حياتي بالكامل، فلو لم أكن متمسكًا بالثبات الانفعالي، ولو لم أكن أمتلك هذا المستودع الكبير من الطاقة الإيجابية الذي كنت ومازلت وسأظل استمد من كافة أسلحة الإرادة، ربما لم أكن على قيد الحياة حتى الآن 

amofeed@gmail.com

مقالات اخري للكاتب

"وقاعين الشيل" الجدد!!

كتبت من قبل عن تلك النوعية من الناس الذين كنا نطلق عليهم فى قريتنا بسوهاج أيام زمان اسم "وقاعين الشيل" هؤلاء الناس كانوا من محترفي إيذاء السيدات وخاصة

تحكم في "مودك" وحدد مستوى "طاقتك"!!

عجيب أمر تلك النوعية من الناس الذين حينما يصيبهم اليأس ويتملكهم الإحباط تضيق عليهم الدنيا وينظرون إليها من "خرم إبرة"؛ بينما لو فكروا قليلًا سوف يكتشفون

"غبي منه فيه"!!

لماذا يصدق الناس من يقوم بخداعهم ويضللهم ويضحك عليهم، هل يحدث ذلك نتيجة غباء فطري أم أنهم ونتيجة "الغباء الجماعي" أصبحوا يتفننون في الجري وراء أية أفكار غريبة وغير معتادة دون أدنى تفكير وكأن العقول قد أخذت إجازة مفتوحة.

فن "سرقة" العقول

قرأت منذ أيام قليلة مقالاً مهماً للخبير الإستراتيجى اللواء د. سمير فرج تناول فيه تحليلاً فى منتهى الروعة لحروب الجيلين الرابع والخامس وكيف تركز هذه الحروب

نظرية "هز الفئران"!!

كثيرون منا يقعون فى أخطاء فادحة نتيجة التسرع والحكم على الأشياء والمواقف بالأخذ بالظاهر، على الرغم من أننا لو فكرنا قليلاً وبحثنا عن تفسير لما نراه فإننا لن نقع فى المحظور بإساءة الظن بالآخرين، فكما نعلم سوء الظن يؤدى دائمًا إلى ارتكاب المزيد من الحماقات.

"الورقة" التي لم تسقط!!

هل فكرت أن تكون كما تريد أنت لنفسك وليس كما يريدك الناس، وهل اتخذت يومًا ما قرارًا بمحض إرادتك دون أن يكون ذلك من أجل إرضاء الآخرين؟

فن الإحباط و"كسر الخاطر"!!

في حياة كل منا بعض الأشخاص قد يكونون اقتحموا حياتنا بالصدفة، أو أن الأقدار ساقتهم في طريقنا لحكمة لا يعلمها إلا الله، هؤلاء الأشخاص لا عمل لهم في الحياة

"شمس" قلبي و"ضله"

بعد مرور ١٤ يومًا داخل غرفة الرعاية المركزة بالمستشفى حضرت زوجتي أمل علوي إلى المستشفى، واتفقت مع الدكتور حسين خميس مدير وحدة الحالات الحرجة على أن أستكمل علاجي في البيت.. وهو ما حدث بالفعل؛ لأنه كان يدرك أنني أمتلك عزيمة وإرادة تجعلني قادرًا على أن أستكمل العلاج في أى مكان بكفاءة عالية.

"يس" خط الدفاع الأول في معركتي مع كورونا

كتبت في المقال السابق من سلسلة مقالاتي عن تجربتي في قهر فيروس كورونا عن الميليشيات التي استخدمها ضدي هذا الفيروس اللعين في الحرب بالوكالة التي عشت قسوتها

"ميليشيات كورونا".. حروب بالوكالة

لست خبيرًا في الشئون الإستراتيجية والعسكرية وأساليب القتال، ولكن ما عشته من أيام وليال قاسية دفعني للتفتيش بداخلي عن بعض ما أعرفه عن تلك المصطلحات العسكرية؛

"الابتسامة" التي هزمت "كورونا"

منذ اللحظة التي أيقنت فيها أن الله قد أنجاني من هذا الفيروس اللعين المسمى بكورونا عاهدت الله أن أكتب عن تلك التجربة في حالة خروجي من المستشفى وأنا أسير على قدمي وليس جثة هامدة، وها أنا أكتب ما شعرت به في تلك اللحظات.

الحاج "أبو ذكرى"

كنت أتحدث ذات يوم مع الخال عبدالرحمن الأبنودي رحمه الله، وكان ذلك فى عام ٢٠٠٩، وبعد الاطمئنان على صحته قال لي إنه مشغول فى كتابة أغنيات مسلسل رائع اسمه "الرحايا"، سيقوم ببطولته النجم نور الشريف، وعرفت منه أن المؤلف هو بلدياتي عبدالرحيم كمال الذي وصفه بأنه كاتب مبدع "بحق وحقيقي".

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]