يعيش طبيب الغلابة

3-8-2020 | 00:21

 

من حسن حظي أن طبيب الغلابة وأنا أبناء بلدة واحدة، وكنت أمر على عيادته كثيراً، وفى كل مرة كنت أنظر - حرفياً - إلى "اليافطة" التي عليها اسمه.. كما كنت أقف وأطيل النظر إليه عندما أراه فى الشارع، ربما لأؤكد لنفسى أن هذا الرجل موجود بالفعل وليس أسطورة.

كانت زوجتي هي من أخبرتني عنه، وأتذكر جيداً كيف كانت تتحدث عنه وكأنه من عالم آخر، خاصة فيما يتعلق بسعر الكشف عنده الرخيص جداً، وكيف أن والدها رحمه الله كان يعرفه جيداً، وكان يذهب بها للكشف عنده وهى صغيرة، لدرجة جعلتني أذهب إلى عيادته بابنتي الصغيرة لأرى ما الذي يحدث، كان ذلك منذ سنوات طويلة، دخلت العيادة، لم تكن مزدحمة، وكان يبدو عليها بساطة شديدة يحتاج إليها بالفعل البسطاء الذين يمكن أن يتراجعوا عن الدخول إلى العيادات الحديثة ذات الفخامة. 

بالفعل كانت عيادته مناسبة لهؤلاء تماماً وكأن صاحبها قصد ذلك، وأظنه كذلك قصد ألا يخيف الناس، قصد طمأنتهم قبل الكشف عليهم، كأنه يقول لهم ما تخافوش إحنا زى بعض، كلنا غلابة.

دفعت الفيسيتا، كانت خمسة جنيهات، فى حين كانت "خمسين" عند الآخرين فى ذلك الوقت!! فى تلك اللحظة قررت أن أذهب بابنتى إلى طبيب آخر بعد أن ينتهى هذا الكشف العجيب، الوضع كان غريباً فعلاً، لم نتعود عليه. دخلت لأجد رجلاً مسناً ملابسه قديمة جداً، يجلس فى غرفة مليئة بالكتب والجرائد، خلف مكتب قديم جداً عليه ميكروسكوب قديم أيضاً وعلى صدره سماعة متصدعة الأركان!

سألنى فيه إيه، أخبرته، أمسك يد الصغيرة وقال لها فجأة إيه ده، مشيراً إلى الجهة الأخرى، نظرت ابنتي وأنا معها، فى لحظة كان قد ثقب يدها وأخذ نقطة دماء وضعها فوراً تحت الميكروسكوب، ثم كتب العلاج.

انتهى المشهد العجيب ومشيت وكلمت زوجتي وأخبرتها برغبتي في الذهاب إلى طبيب آخر، فلم أتصور أن من كنت عنده طبيب أصلا، ضحكت وقالت لى اشترى العلاج اللى كتبه وتعالى، وتماثلت البنت للشفاء والحمد لله.

أتذكر بكل أسى وحيرة يوماً رأيته - وأنا أقف فى شرفة منزلى - بملابسه البسيطة ومشيته المميزة وحقيبته المعلقة على ظهره، يحاول ركوب الميكروباص، والسائق يرفض صعوده إلى العربة، أتذكر ذلك وأتصور هذا السائق لو رآه الآن وكيف سيجرى وراءه ويحرص على أن يلتقط معه صورة سيلفى بكل فخر، مع طبيب الغلابة الذى يتحدث الجميع عنه، وربما ساروا فى جنازته يهتفون، يعيش طبيب الغلابة !!

لقد أصبح الدكتور محمد مشالي حديث المدينة، بل حديث العالم. هذا الطبيب الذى طالما سمعت الناس يقولون عنه إنه مجنون، وأنه أكيد مش شاطر وليس له هدف..... إلى آخره من الأحاديث التى يحاولون بها تفسير بساطته وزهده فى مهنته التى كان يمكن أن تدر عليه أضعاف ما كان يجنى منها، ويظل هو الأرخص سعراً بين من حوله فى نفس الوقت، لكنه لم يحسبها بهذا الشكل، كانت حسبته ببساطة هى قدرة الناس الغلابة على الدفع، كان يشعر بحالهم.
وحديثى إلى وسائل الإعلام أقول، لولا التركيز فى الفترة الأخيرة على هذا الرجل بسلوكه الطبى المتميز وزهده فى متاع الدنيا الذى راح إليه فى مدينته طنطا طوعاً وليس كرهاً، ورفضه لكل شيء وإصراره على استكمال مسيرته بنفس المواصفات التى اختارها لنفسه منذ عشرات السنين، لولا ذلك لكان نكرة لا يعرفه إلا من تعامل معه.

هناك الكثيرون مثله فى كل مكان، نحتاج إلى التركيز عليهم ليس تمجيداً لهم فهؤلاء لا يبتغون إلى ذلك سبيلاً ولا يهمهم الظهور "والتلميع"، لكننا نريد أن نظهر هذه السلوكيات الأخلاقية النادرة لأبنائنا حتى يعلموا أن الخير موجود وأن أصحاب المبادئ السامية يجدون من يتذكرهم ويكرمهم.

لقد أصبح الدكتور مشالي فجأة "تريند" فى كافة وسائل الإعلام، وباتت وفاته حدثاً ربما عالمياً، فقد وجدت الناس يرسمون صوره على الحوائط فى شوارع بلدان أخرى ويكتبون " طبيب الغلابة ".. هو بالطبع تكريم مستحق ناله عن جدارة حتى ولو فى آخر أيامه، وربما بعد وفاته؛ لأنه بلا شك قد رسم طريقاً، بل أقول رسم سلوكاً ووضع من خلال أسلوب حياته نهجاً مبتكراً لا يقوى عليه الكثيرون، ويكفى أنه هو صاحب الفضل فى إطلاق لقب " طبيب الغلابة " على كل طبيب سوف يتبع نفس النهج فى المستقبل.

شارك برأيك

توقع من سيتوج بكأس الأميرة الإفريقية ؟

مقالات اخري للكاتب

برج البرلس .. عبقرية المكان بطعم زمان

بصمة مميزة يتركها في ذاكرتك دون أن تشعر لتسكن بها مدى الحياة، فليس من السهل أن يمحوها مكان آخر، مجرد شريط صغير تكاد تراه على الخريطة، لكنك لا تمل زيارتها والمشي في طرقاتها الضيقة، وفوق تبتها العالية فترى البحر المتوسط باتساعه ورهبته عن يمينك، وبحيرة البرلس برقتها عن شمالك.

فتاة الأوتوبيس .. عايزة حقها

ركبت الأوتوبيس من القاهرة عائدًا إلى بيتى فى مدينة طنطا، وبعد أن وصل الأوتوبيس إلى الطريق الزراعى، قامت المضيفة - فتاة صغيرة فى العشرينيات - وبدأت بدفع عربتها الصغيرة التى تتجمع عليها مختلف السلع التي قد يبتغيها الركاب من العصائر والشاي والقهوة والبسكويت والساندويتشات ...إلخ.

قطعن أيديهن .. وتقطع قلبها

بسم الله الرحمن الرحيم .."فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ".. صدق الله العظيم

أجمل حب

مضت سبع سنوات على وفاة أمه.. وياليتها كانت أمًا عادية، لقد كانت نورًا وبسمة وأملًا لكل من حولها.. لكنها رحلت.. ولابد أن تستمر الحياة.. هو سوف يتزوج قريبًا.. وإخوته سوف يتزوجون في يوم من الأيام.. وسوف يبقى الأب وحيدًا!!

يعيش طبيب الغلابة

من حسن حظي أن طبيب الغلابة وأنا أبناء بلدة واحدة، وكنت أمر على عيادته كثيراً، وفى كل مرة كنت أنظر - حرفياً - إلى "اليافطة" التي عليها اسمه.. كما كنت أقف وأطيل النظر إليه عندما أراه فى الشارع، ربما لأؤكد لنفسى أن هذا الرجل موجود بالفعل وليس أسطورة.

"رونا" و"تورا" .. وصفة لحماية المستقبل

كانت المرة الثانية التي أذهب فيها للعمل في جامعة بيرجن بالنرويج.. وما إن وصلت إلى المطار وأنهيت إجراءاتي وخرجت، حتى وجدته يحمل لافتة مكتوبًا عليها اسمى..

"إوعى تبقى حد تاني إلا نفسك"

انصرفت لجنة الامتحان للمداولة تاركة القاعة تكتظ بالكثيرين ممن جاءوا لحضور المناقشة، التفت إلى القاعة.. مرت عيناه على الحاضرين سريعاً.. كان يبحث عن شخص واحد.. وعندما تلاقت أعينهما ابتسما ابتسامة ذات معنى خاص لا يدركه سواهما.

كورونا.. بين السما والأرض

بين الحرص والخوف والاعتزال والتأمل والانتظار وغيرها من الأحاسيس التى انفردت بنا، وأخذت تتقلبنا بين يديها منذ بدأت تلك الأزمة، وجدتني أتذكر فيلم "بين السما

"أبلة وداد".. التربية ثم التعليم

"أبلة وداد".. التربية ثم التعليم

"المهرجانات" .. فن ينتشر أم ذوق ينحدر؟!

"المهرجانات" .. فن ينتشر أم ذوق ينحدر؟!

ياريت اللى جرى ما كان

من الأمور التي شغلتني كثيرًا في مرحلة الشباب، وعند الإقبال على الزواج، ثم لاحقًا عندما أصبحت زوجًا وأبًا، مسألة العلاقة بين الرجل والمرأة، والأسلوب الذي

"كـيـمـيا" المتحدث الرسمي

أصبح مصطلح "كيميا" شائعًا في حياتنا، يستخدمه البعض أحيانًا للإشارة إلى سهولة الأمر وبساطته، فيقولون "مش كيميا يعني".

مادة إعلانية

[x]