ربيــع العمر!

1-8-2020 | 15:24

 

مكثت أحمل سنين عمرى بلا معاناة بمفهوم أكبر منك بيوم يعرف أكثر منك بسنة، وأبدًا لم أقل يومًا ليوم مولدى جئت أيها الشقى، وإنما ألقاه دومًا بترحاب قد يكون مبالغًا فيه درءًا للشبهات، بحجة الزيادة فى الشموع المضيئة، وتشبثًا بقول المصطفى صلى اللـه عليه وسلم: « البركة مع أكابركم »، متقبلة التقدم، راضية بالتأخر فى مسألة الرصد والعد وجدول الحساب، وحامدة وشاكرة وصابرة على كل مكروه مما تحمله لى الأيام من مظاهر دخيلة تهجم متسارعة متوالية متنمرة متآمرة تبدل من الهيئة، وتكرمش من الطلعة، وتغضن الواجهة، وتهدل التكوين، وتسطح الدوائر، وتجعد المنبسط، وتهز الرؤية، وترعش الضغطة، وتسيّب المفاصل، وتميع الصلابة وتخبط الركب، وتنحل الجمجمة، وتخلخل صواميل القطع واللوك والمضغ، وتعوج الضحكة، وتعوّم الكلمة، وتهدل الرقبة، وتدك الفقرات، وتبطئ الخطى، وتهرئ الذكريات، وتشفر الوجوه، وتسرق المقربين، وتوصد الأبواب، وتقلص المساحات إلى الركن البعيد الخامد بمقعد التأمل فى الفراغ الصامت ب البيت المهجور .. و.. وتغدو العصاة بمثابة الساق الثالثة بحيث يتم مواراة سوأتها فى حال الخروج إلى الضوء، فأبدًا ليست فى مقام عصا موسى التى سأله عنها المولى تعالى على جبل الطور: «وما تلك بيمينك يا موسى» قال: «عصاى أتوكأ عليها وأهش بها على غنمى ولى فيها مآرب أخرى» فجعلها اللـه معجزة بتحويلها إلي حيّة تسعى، وفي ضربها البحر لينفلق للعبور ول غرق فرعون وجنوده ، وفى ضربها الحجر لينفجر منه الماء لإثنى عشر عينا تروى الظمآن.


مكثت أعبُر نتوءات عقود السنين التى أدمت خطاى، وأشواك تسارع أرقام النتيجة التى سرقت ناظرى، ومسيرة أجيال عاصرت مولدى كم لهونا فى طفولتها، وانتظمنا في دراستها، وتخرجنا فى جامعاتها، وتفرقنا فى وظائفها، وارتبطنا في رحابها، وخرجنا من بعدها بعائلات وارمة وموائد فارغة نتعايش بمحدوديات معاشاتها لنذوى من بعدها ونتساقط في سراديب التجاهل، لينفض فى التو سامر العزاء الشاغر، فغالبية أفراد الدفعة المطلوبة قد لبت النداء، ولم يبق على الساحة سوى من لم تعد قدراته تقوى على الوقوف طويلا، أو الجلوس طويلا، أو التذكر كثيرًا.. و.. ولكنى أبدًا لم ينتابنى الشعور بأننى بحكم السن والواقع قد غدوت لامؤاخذة بمثابة العورة، أو الكدمة، أو السنطة، أو الوحمة، أو جلطة الشريان، أو الطوبة على فم المعدة، أو كتلة الشعر فى حلق الماسورة، أو كما النقرس الذى يعوق أصبعًا فى الكف الشغالة.. لم أدرك بأنى قد صرت همًا وغمًا وعائقًا ونكدًا وثقلا على المراوح، ومسئولية على الغير بلا معنى، وهدفًا لا ابتغاء منه، ومهمة إنسانية بلا جدوى ومجرد كمالة عدد، ونعمة بايتة تستحق الرفص، وشغلانة بلا عائد، ودارًا دخلت كردون الإزالة، وطبخة حمضت خارج الثلاجة، وحضورًا بلا ظل، وغيابًا بلا وحشة، وضجيجًا بلا طحن، وزحمة ع الفاضى، وغلبة ع الفاضى، وفاضي ع الفاضى ودعاء بينما السماء مفتوحة للجميع، وتاريخ وجب أن يهمله التاريخ، وتراث والبلد متخمة بتراث الميتين من فراعنة وأيوبيين وعثمانيين وزفت الطين، وبوصلة للرثاء لا الانبهار، ومنبر بلا جمهور، وأحكام بلا قضية، ومذكرات لا تهم سوى صاحبها، وتمثال بلا قاعدة، وقاعدة بلا لازمة، ومترو راكد فى النفق.. وكنت أظنه مجلسًا للشيوخ من ذوى الحِنكة والحِكمة والخِبرة من بعد السنين والتجارب الصعبة وثلاث حروب ونكسة وثورتين ففوجئت به حاجة تانية خالص.. و.. ربنا يوفق.

مكثت حقيقة لا أعلم شيئًا عن قدرى ودورى ومنزلتى ووزنى وأهليتى وحجمى اللـهم إلا فى هذه الأيام العصيبة بالذات ومن بعد جائحة وباء «الكورونا» التي قسّمت الخلق شرائح تبعًا للأعمار، فهناك الأطفال والشباب والشيوخ، حيث يأتى توصيفى العمرى تابعًا للشريحة الثالثة الواقفة حاليًآ في الزور رغم انخفاض أعداد الإصابة وسقوط الكمامة عن وجوه الغالبية المستبيعة.. شريحة إذا ما سقطت فى البراثن فهى لا عايزة تخف بعلاج بروتوكول وزارة الصحة وتخرج من العزل ونصفق لها ونزغرد لها ونرقص لها وناخد لها اللقطات التذكارية مع طاقم التمريض ـ اللى انقسم وسطه وعمره ــ وكفاها مصاريف وأجهزة وبلازما ومستحضرات وفيتامينات وتمريض ومتابعة وأرجحة تعليمات قادمة من الهيئة الصحية النكدية العالمية اللى مالها كلمة فتجيز فى المساء البلاكونيل وترجع تنكره مع صياح الديك، ويا ولاد يا ولاد اللقاح جاى بكرة لا لا مش بكرة فى سنة تلاتين فى سنة عشرين في سنة عشرة يمكن ممكن إذا أمكن لكن من بعد التجارب السريرية على مدى ثلاثين سنة عشرين سنة ويمكن عشرة ويمكن مفيش لقاح من أصله!!.. شريحة لا هى بتقوم تمشى تروح بيتها ولا بتسلم روحها لخالقها لأجل توسع لغيرها السرير ممن لديهم فسحة أطول فى العمر، فالتقارير الطبية تقول إن غالبية الأرقام الإيجابية لمسنين مصابين بأمراض القلب والضغط والسكر وجميع المزمنات معصلجين فى مسألة الخروج، ومن هنا بالذات تأتى الاعترافات محليًا وعالميًا بأنهم في حالة الذروة يفرّقون ما بين إنقاذ من تنبئ حالته بالأمل وبين الشارخين فى أغوار الوباء وغالبيتهم شاخ جهاز مناعته بحكم التقدم فى السن فيتم استبعاده إلى حين يحين حينه، وتبعًا لتلك القيم اللاإنسانية سجلت دار «جاردان دى بلانت» في باريس نموذجًا صارخًا لتلك التفرقة بعدما مكث أصحاب الأسرة البيضاء من نزلائها المسنين المصابين بـ«الكورونا» ما يقرب من عشرين يومًا دونما تلبية لآهاتهم ونداءاتهم التى يسمعها المارة قادمة من خلف الأبواب والنوافذ الموصدة لتخفت بعدها بالتدريج ليسود شبح الموت الرحيم الصامت الذى رحل عنه جميع العاملين بالدار، بينما كانت دار الجنازات الرسمية مشغولة بنقل آلاف الجثامين الأُخر.

وإذا ما كانت الكورونا قد هزت القيم والموازين تجاه كبار السن بالذات، فالصمود بالقرآن والحديث فرض وواجب وسُنَّة: «ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذُل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربيانى صغيرا».. وعن السيدة عائشة رضى اللـه عنها قولها: «أتى رجل النبى صلي اللـه عليه وسلم ومعه شيخ فقال له: من هذا الذى معك؟ قال: أبى، قال: لا تمش أمامه، ولا تقعد قبله، ولا تدعه باسمه».. وقال الحديث الشريف: «النظر إلى الكعبة عبادة، والنظر فى وجه الوالدين عبادة، والنظر فى كتاب اللـه عبادة».. وقال ابن عباس عن الرسول صلي اللـه عليه وسلم أنه قال: «ما من رجل ينظر إلى والديه نظرة رحمة إلا كتب اللـه له بها حجة مقبولة مبرورة وإن نظر كل يوم مائة مرة»، ورُوى عن النبى صلوات اللـه عليه قوله عندما جاء رجل يسأله: «هل بقىَ من بر أبوى شىء أبرهما به بعد موتهما؟ فقال له صلى اللـه عليه وسلم: الصلاة عليهما والاستغفار لهما وإنفاذ عهدهما، وصلة الرحم التى لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما.. وقال: «من أحزن والديه فقد عقهما»، وعن عبداللـه بن عمرو بن العاص أن رجلا أقبل إلى الرسول يستأذنه فى الجهاد فقال: أحىُّ والداك؟ قال: نعم، قال صلى اللـه عليه وسلم: «ففيهما فجاهد».. وعن أبى موسى رضى اللـه عنه قول الرسول صلى اللـه عليه وسلم: «إن من إجلال اللـه تعالي إكرام ذى الشيبة المسلم» وقوله «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا»، وفى الحديث الشريف «إنما تُنصرون بضعفائكم»، وعن أنس بن مالك قول الرسول صلى اللـه عليه وسلم: «ما من معمر يعمر فى الإسلام أربعين سنة إلا دفع اللـه عنه أنواع البلاء، فإذا بلغ الخمسين هوَّن اللـه عليه الحساب، فإذا بلغ الستين رزقه اللـه الإنابة إلى اللـه بما يحب اللـه، فإذا بلغ السبعين أحبه اللـه وأحبه أهل السماء، فإذا بلغ الثمانين محيت سيئاته، فإذا بلغ التسعين غفر اللـه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وكان شفيعًا فى أهل بيته».. وعن أبى هريرة قول النبى عليه أفضل الصلاة والسلام: «خياركم أطولكم أعمارًا وأحسنكم أعمالا»، وقوله الشريف: «كبّر كبّر» بمعنى أن يتكلم الأكبر استحبابًا في تقديم الكبير سنًا على غيره وإن كان الأصغر أحق منه.. ولقد صوَّرَ العزيز القدير مراحل الشباب والكهولة فى سورة الروم بالقرآن الكريم فى قوله تعالى: «اللـه الذى خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفًا وشيبة»، ذلك المشيب الذى تفاخر به «الفرزدق» بقوله:

والشيب ينهض فى الشباب كأنه
ليــل يـصــيح بـجـــانبـيــه نهــار
ولم يهز المشيب شعرة في رأس «ابن المعتز» القائل:
جــاء المشـيب فمــا تعســت به
وفض الشباب فما بكاى عليه
لكن الإمام على بن أبى طالب أعلن أسفه بصراحة:
ذهب الشباب فما له من عودة
وأتى المشيب فأين منه المهرب
ضيف ألمّ إليك لم تحفل به
فترى له أسفًا ودمعًا يسكب
وشرح ابن بسام شاعر الدولة العباسية ملامح غزو
المشيب في أبياته:
أقصرت عن طلب الطزاجة والصبا
لما علانى للمشيب قناع
للـه أيام الشباب ولهوه
لو أن أيام الشباب تُباع
فدع الصبا يا قلب واسْلُ عن الهوى
ما فيك بعد مشيبك استمتاع
وانظر إلي الدنيا بعين مودع
فلقد دنا سفرٌ وحان وداع
والحادثات موكَّـلاتُ بالفتى
والناس بعد الحادثات سماع
أما أبو نواس فلم يحجمه الشيب عن لهوه:
يقولون في الشيب وقار لأهله
وشيبي بحمد اللـه غير وقار
ويكشف ابن عبدربه الأندلسي عن مشاعره الحقيقية:
إنى نظرت إلى المرآة قد جُليت
فأنكرت مقلتاى اليوم ما رأتا
رأيت فيها شويخًا لست أعرفه
وكنت أعهد فيها قبل ذا فتى
فقلت: أين الذى بالأمس كان هنا
متي ترحل من هذا المكان متى
فاستضحكت ثم قالت وهى معجبة
إن الذى كنت تخشاه أتى
كانت سليمة تنادى (أخى)
وقد صارت تنادى اليوم يا أبتاه

وإذا ما جاء في نشرة آخر أخبار « ربيع العمر » عن الأستاذ مكرم محمد أحمد صاحب القلم والبيان والرأى والتصدى للصواب والتاريخ والتأريخ والموقف الوطنى الحر «كبرت وشبت يا مكرم»، أرد على ناكرة جميل هدفها هز الجبل‫:‬ «هذا غبار وقائع الدهر، وما خير ليل ليس فيه نجوم‫»..‬ وللـه در أبى تمام فى شرحه إن الكتابة نسب‫:‬

إلا يكن نسب يؤلف بيننا ‎أدب أقمناه مقام الوالد

وأجد نفسى فى فراغات حظر الكورونا بين صفحات مؤلف يشرح كيفية التعامل مع كبار السن لأخرج بعدة حقائق منها: «كبار السن الكلمة التى كانت لا تريحهم حال قوتهم غدت تجرحهم، والتى كانت تجرحهم أصبحت الآن تذبحهم.. المسنون فقدوا الكثير من حيوية الشباب وعافية الجسد ورونق الشكل ومجد المنصب وضجيج الحياة وصخب المرح.. كبار السن فقدوا والديهم والكثير من رفاقهم، فالقلوب جريحة والنفوس مطوية على الكثير من الأحزان.. المسنون لم يعودوا محور البيت وبؤرة العائلة كما كانوا من قبل وتلك القضية لابد من التعامل معها بحذر وعناية بالغة.. كبار السن يحاولون ادعاء المعرفة المسبقة في كل ما تعرضه عليهم حتى لا ينظر إليهم كمتخلفين عن الركب.. المسنون يرقدون ولا ينامون، ويأكلون ولا يهضمون، وقد يضحكون ولا يفرحون، ويوارون دمعتهم تحت بسمتهم.. كبار السن يؤلمهم بعدك عنهم وانصرافك عن جوارهم وانشغالك بهاتفك فى حضرتهم.. المسنون فى حاجة لمن يسمع حديثهم، ويأنس لكـلامهم، ويبدو سعيدًا بوجودهم.. كبار السن أولى من الأطفال بمراعاتهم والحنو عليهم والإحساس بهم.. المسنون حوائجهم أبعد من طعام وشراب وملبس وإنما عناية ورعاية ومؤانسة.. كبار السن يرجعون آلامهم لجهل الأطباء وتركيبة الدواء وزجاج النظارة والمرتبة الطرية والمخدة الناشفة وطرش الممرضة»..

ولابد غالبيتنا جلس إلى الأب الكبير أو الأم المتقدمة فى السن نستمع إلى الحكاية المعادة عشرات المرات.. المئات.. بنفس طريقة السرد والتروى ولزمات الوقفات والاستمتاع بذكر أدق التفاصيل وإن تداخل بعضها بحكم صدأ التروس ونعومة الحواف من كثرة الاستخدام، ونعجب من تذكر الكبار للماضي بحذافيره وأحداث الطفولة وأيام الدراسة والعقاب وسطوة الوالد وطريقته فى ارتشاف فنجان قهوته ساعة العصارى فى بلكونة أودة المسافرين ونفس الشخص عندما نسأله: هل أخذ الدواء صباحًا؟ يجيب: معرفشى نسيت.... المدير كشر عن أنيابه ووقف وسط الممر يقول لى حتقدر تخلص كل ده؟!.. تحديته وسهرت للصبح صاحى وكتبت مذكرة متخرش المية، فتحت الباب عليه وقعدت من غير ما يعزم بالقعاد ورميت قدامه المذكرة ومعاها الاستقالة المسببة التى ذيلتها باسمى ودرجة وظيفتى وقبلها كتبت المواطن.. هو كان فاكر في نفسه إيه.. ونادانى الساعى وقالى الأستاذ عايزك حتقدر تخلص كل ده؟! تحديته.. ها.. (وعملت إيه؟!).. سهرت للصبح صاحى كتبت مذكرة متخرش الميه.. (ورحت الشغل؟).. فتحت الباب وقعدت من غير ما يعزم بالقعاد.. (طبعًا الرجل بهت.. هه وبعدين؟).. قدمت المذكرة وفوقها استقالتى.. (هو كان فاكر في نفسه إيه!).. فاكرها زى النهاردة.. المدير قال لى.. (قال لك إيه يا والدى؟) قال حتقدر تخلص كل ده.. (طبعًا تحديته؟).. قعدت من غير ما يعزم سهرت للصبح ومعايا استقالة مواطن..

ربى.. اجعلنى أكمل المشوار خفيفة لطيفة ظريفة واعية بروحى وحواسى وكلمتى وخطوتى ولقمتى إلى أن تقبضنى إليك بدون هشاشة ولا خروشة.. ربى لا تكلنى إلى غيرى ولو كان أقرب الناس لى.. الكل عارف بأمر الإحسان بالوالدين، لكن أولاد زماننا الحالى ذات نفسهم عايشين فى الدوامة ويصعبوا على الوالدين.. ربى لا تمسح شاشة عقلى بزهايمر واجعلنى أتذكر أمسى وغدى والركعة التى أتممت سجدتها، وإن كانت فى وضع الجلوس، والتحيات التى ذكرت نصفها، والفاتحة لأبى من بعد أمى ولزوجى من بعد أمى وأبى.. ربى لا تخلط في ذهنى الأحداث والناس والتواريخ والأسماء والحقائق والأحلام والأوهام، وأين ركنت ساعتى، ومكان ما خبأت مفتاحى، ورقم تليفون محمول ابنى وأختى واسم المرحومة حماتها التي كانت تحبها زى بنتها.. يارب لا تجعلنى أسهو عن حلة طبيخ أو كنكة قهوة بمجرد طلوعى من باب مطبخى لأظل فى غيبوبة السهو مقطوعة علاقتى به إلى أن تصل رائحة احتراق خشب المقابض فى نخاشيشى.. ربى لا تجعلني أضل فى كل غرفة ببيتى بمجرد خروجى منها أو دخولى فيها.. أدخلها بعزم التوجه نحو المقصود والمراد والمبتغى وما جئت إليه فيها.. لكن.. أنا كنت جاية ليه عايزة إيه.. إيه.. إيه؟!!.. أقف في المنتصف. أمسح بناظرى الأرفف والأركان لكن العقل شاشة بيضاء فى حاجة لمرور عدة دقائق لعودة الإرسال.. أيوه.. كنت جاية أرد على التليفون.. التليفون فين؟!.. لازم تحت أيتها حاجة لأن الرنين مكتوم.. تحت المخدة.. التليفون سكت.. أيوه أنا كنت جاية ليه ليه ليه؟!! التسريحة عليها تراب.. التليفون فين فين فين؟! لأ مش تحت المخدة.. التليفون في جيبى.. التليفون سكت..

البنى آدم ثقيل خاصة من بعد حمل أثقال الأيام والسنين.. يقعد وحده فى كبره متشبثًا بطقوسه وركنه ووضع مقعده ومسند الظهر الملتوى تبعًا لاتكاء فقرات عموده فوق بعضها، وراحة ساقه المهيضة التي لا تأخذ وضعها إلا بزاوية تحدف شمال، ودقة ساعة الصالة الوقور المدغمة، وملعقة دواء السعال البلاستيك المركونة على جانب طبق صينى صغير كان لفنجان قهوة المرحومة زمان، وبرطمان العسل المرمل ذو الفجوة الوسطى بفعل دوران الإصبع الخنصر فى حالة الشعور بالضعف والإعياء وسقوط فجائى خطر بمعدل السكر، والنظارة والمصحف فوق ترابيزة الوسط بجانب الجرنال، وحبل السيفون من شدتين وشدة صغيرة لأعلى كى يبعث الدوران في السلطانية، وخبطة ضلفة شباك الجارة فى الجدار عند ندائها اليوم على البواب، ورصّة علب الدواء المركون للطوارئ فوق الكومودينو، وقرص تنظيف الأسنان الفوار.. يقعد الكبير ينتظر.. يقعد وينتظر وينتظر.. الحياة تمضى على وتيرة انتظار.. ينتظر نائمًا ومتكئًا وفى وضع القعاد.. ينتظر الابن يفتح عليه الباب بمفتاحه ويتكلم فى الموبايل طوال وجوده، أو ابنته التى تدخل عليه بغلبتها وشغالتها وعيالها يقلبوا حال المكان، تخيط له فردة شراب مقطوع وتهمل الأخرى وتهنبك لها شويتين فى ترتيب درج الفانلات، وتدخل وتطلع ألف مرة ومرة تسأله عن نوع خضار شوربة الخضار، وتستجدى منه الثناء والشُكر على شوربة طلسقتها له فى مرورها لشغلها فى الأسبوع اللى فات وكان لسان العصفور فيها أكثر من الشوربة ومكعب ماجى بحاله عايم على وش المية، ويكتشف من بعد مغادرتها هى وشغالتها وأولادها إن دورق المية واقع وراء البوتاجاز وإن خشبة قعدة الحمام مشروخة تقرص علي جلده، وإنها لمت الغسيل وهو مندى والمشابك لاصقة به أى أنها خطفته خطفًا من فوق الحبال.. يدعى عليها بعد الشر عنها ويكره اللى يقول آمين.. و..تتوحد الآراء ولابد يا بابا من انتقالك لبيت المسنين.. شغالات البيوت حرامية وناقصك رعاية طبية يومية..

لبى اقتراحهم ولمّ أغراضه وانتزع روحه من موطنها وانتقل للعالم الجديد.. يمكن مين عارف.. اللـه أعلم يتبدد شعوره بالوحدة.. يمكن يلتقى تحت شجرة الجنينة بصحبة يتطابق فيها المزاج.. يمكن يأتيه الحظ ولو من بعد الميعاد.. يناولها عصاتها ويسند ظهرها بيد مبرقشة ببقع اقتراب النهاية.. يطلب الرجل المسن من المسنة الح سناء الناعمة يدها للزواج.. يطلب القُرب أكثر وأكثر رغم أنها فى غرفة تجاور غرفته وصينية عشاء لصق صينيتها، وبوفيه الأكل يجمعهما معًا ع الغداء، وطبيب واحد يكشف على قلبه ومن بعدها قلبها، وأنبوبة الروماتيزم تمسح على مفاصلها ومفاصله، وعبدالوهاب القديم يشنف الأذنين معًا بالليل لما خلى إلا من العاشق.. ورغم الصباح والمساء، وتصبح على خير، وكيف الصحة بعد العصر، وعامل إيه الإمساك معاك؟! وعاملة إيه آلام الترقوة؟! وليلة إمبارح ماجانيش نوم.. لونك مخطوف.. ادخلى من تيار الهواء.. شفت الهلال على وشك.. شفت منام واحترت أنا فيه.. اعمل استخارة.. ولع لك سيجارة من نفسك.. سرحان في إيه؟! فى الدنيا الواسعة بوجودك الضلمة من غيرك.. كفاية نورك علىَّ.. يا هانم سمعينى موافقتك.. لابد يا أستاذ من مهلة أدرس فيها طباعك عن قُرب.. أراقب تصرفاتك.. أقارن ما بين إيجابياتك وسلبياتك.. اقرأ أفكارك.. تتكشف لى أحلامك.. أدوس على أزرارك وأختبر قوة احتمالك.. نقوم بمغامرات.. تطلع معايا السطح وننزل سوى البدروم.. أعرف إذا ما كنت بتشخر ولا لأ.. وبطنك بتزغول لما بتنام على ضهرك؟!.. تتعرف على العيلة ويرحب بى أولادك، وعمومًا آخذ رأى أولادى فى زيارتهم لى فى أول الشهر، وكمان اللى أوله شرط آخره نور.. اشرطى يا هانم طلباتك أوامر.. عايزة شقة مستقلة.. ومالها القعدة هنا شجر ورفقة ومؤانسة ورعاية وحرية بدون مسئولية.. يا مصيبتى.. آخر صبرك يا صفية يا بنت مدحت يكن يقروا فاتحتك فى الجنينة وتدخلى فى بيت مسنين.. أنا شايف يا هانم.. انت مش شايف حاجة أبدًا والحق مش عليك.. إنت فاكر بنات الناس لعبة يا شاطر.. بنات يا هانم وشاطر!!.. يا أنانى يا متنمر يا أبوعين زايغة يفضل الواحد فيكم يلح ويلح ويلح ويلاحق ويوقع الدبور فى حبايله الفراشة.. فراشة يا هانم؟!.. أيوه ويأكل بعقولنا حلاوة لحد ما نلين ونلبس الدبلة وبعدها مايهونشى عليه حتة شقة.. مش بس نتفاهم يا هانم.. شقتك فين اللى سبتها؟!.. أخذها ابنى.. وفين شقته هو؟!.. عملها مكتب.. خلاص كل شيء يرجع لحاله وقول للمحروس طنت صفية جاية تقعد معايا.. طيب يا هانم لما ييجى أول الشهر يزورنى أبقى آخذ رأيه.. ابقى قابلنى!!

يارب تجعل أدوات كـلامى معاصرة.. يارب ألحق بركب الحداثة والجديد وأفهم في الاستجرام والفيس والواتس والماسنجر والتويتر والتيك توك وسناب شات وفيس آب والبلوتوث ويجعل حديثى خفيف على ودن ابنى والحفيد.. يا حبيبى يابابا.. اللـه يرحمك.. قال لى يومها يا بنتى جيت أقلد الشباب وأتسلى فى التليفون وأنا قاعد وحدى.. صوت شابة طلعت لى طالبة تليفونى وغلطانة بالنمرة.. فتحت معايا باب الدردشة.. دردشت.. سألتنى وجاوبت.. أخذت رأيى في مشاكلها الشخصية ورنّة صوتها فى ودنى ولا المطربة لوردكاش فى زمانها.. هزرت.. ضحكت داخل مسام مسامعى، قلت لها انت بنت شقية موت.. سافرنا على حبال الكـلام ودخلنا فى ملفات الحوار، وطلع فى مخها تغنى لى سمعتها وأثنيت رغم كـلام الأغنية الهايف واللحن الصاخب، ولأنها عبر سماعة ليس لها عينان ترى ما لا أحب أن يُرى، تمادينا فى خُد وهات وأنا قلبى أخضر ودون أن أدرى يا بنتى طلعت منى عبارة منفلتة غير واعية قلت لها فيها: «أصل رطل اللحمة كان أيامنا بخمسة صاغ».. خرمت صرختها طبلة ودنى وتغيرت نبرة الصوت من العاطفى المسترسل للساخر الباتر: «هو انت يا جدو من أيام الجنيه الجبس والرطل والصاغ والتلاتة تعريفة والنِكلة ومحلات باتا ومربى قها وشيكوريل وسمعان والترماى النايلون»!!

و..عرفته.. وسط كربه وإيمانه بحقوق الأب على ابنه كان يضحكنى.. يحوّل صبره وكمده وإرهاقه إلى دعابة.. أبويا الراجل الكُبارة يمثل حقيقة من نُعمره ننكسه فى الأرض.. الهواء ساقع يا ابنى إطفى المروحة.. أدس من حوله الغطاء وألف البطانية كرغبته فى دورين حول ساقيه ووسطه.. أحبش الأطراف وأعدل المخدات وأثنى اللحاف تحت المرتبة من فوق وتحت، وأتأكد إن الأودة مُحكمة الغلق لا يدخلها سرسوب الهواء، وما أن انتهى وأرضى عن فعلى فى لف الزبون إلا ويرمى البطانية من عليه ويلحقها بالمخدة وسماعة الودان ويزيح كل الغطاء.. أف.. الدنيا مولعة.. قايدة نار.. أجيب المروحة وأقعد أهوى أهوى.. عايز أروح الحمام.. على عينى يا والدى.. أساعده أقلعه أسنده لحد ما يضبط من وضعه وأدس له المانتوفلى في قدميه من بعد ما أعدل له الشراب، وأخرج أنتظر لحين ندائه.. يخرج لى في لحظة من غير ما يشد الهدوم لفوق.. أشدها.. ينام ويتمدد وأحكم الغطاء وأدس طرف اللحاف حول المرتبة.. يادوب.. طيب يا ابنى لما أقوم بقى أروح الحمام.. أقعده.. أشد الهدوم.. أنزل الهدوم.. أشد الغطاء.. وقعدت وسط الأودة.. نمت على ظهرى لأجل أشد وأرخى هدوم والدى في رواحه وغدوه المكوكى.. ويفتكرنى المرحومة أمى يزجرها لأنها أنانية وتأخد اللحاف لناحيتها، وينادى عليها مرات ومرات وفجأة يتذكر رحيلها يقعد يعيط وبعدها يثور عليها لأنها تركته وحده بين أيدى العيال.. ويسألنى عن محفظته أجيبها له من تحت الفانلات في الدرج الثالث للكومودينو وأدسها في كفه.. ولع لى الأباجورة.. لا نور النجفة.. اطفئ نور الطرقة.. طبعًا سايب لى نور المطبخ والع.. عدْلى فلوس المحفظة.. أعدها.. يقفلها ويقول لى رجعها واطفي الأباجورة وسيب النجفة والمطبخ، وهات لى البطارية جنبى، وشوف التليفزيون مقفول كويس، وهات لي المحفظة واطفي نور المطبخ وولع التليفزيون وهات لى محطة القرآن الكريم فى الترانزستور.. ويفتكرنى شقيقه المتوفى.. أعمل له شقيقه المتوفى وأرد عليه بصوت عمى عبدالمنعم المبحوح.. أيوه ياخويا عندك حق خالك أكل حقنا في الأرض والقضية جلستها الأربع.. أيوه ياخويا توكيل رقية عليه ختمها.. أيوه ياخويا لسه راجع من عند المحامى.. أيوه ياخويا لما تقوم بالسلامة نبقى نروح القرافة نقرأ الفاتحة على روح عباس.. عباس مات ياخويا.. ده كان مفترى.. اذكروا محاسن موتاكم.. إنت حتعلمنى الأدب.. ويثور ويشتم العم فى شخصى وبعدها يقول لى نادى لى على عمك.. عايز هواء ياابنى.. طيب بقى لما أقوم أروح الحمام.. أُحكم من وضع المانتوفلى فى القدمين اللتين مكثتا طوال الثلاثة أشهر الأخيرة لصاحبهما راحة جاية ع الحمام وبين الاستراحات يطمئن على فلوس المحفظة ونور المطبخ.. وكانت شقيقتى العصبية إذا ما تطلب الأمر غيابى النادر تأخذ النبطشية مكانى، ومن قبل الرابعة فجرًا تصحينى: الحقنى تعال لأبوك أنا خلاص سلمت نِمر وروحى طلعت وفاتحة الحنفية الساقعة فوق طاسة نافوخى علشان ماأدخلشي فى كرشه أو أخنقه ويحصل اللى يحصل ويا حبيبتى يا ماما.. طبعًا كان لازم تموت!
هذا وقد اكتشفت ووعيت أن مخى في قدمى تبعا لأبحاث العالم الأمريكى ريتشارد ليفيتون حتى أصبحت أغض البصر تأدبًا وأيضًا إعجابًا بإصبع قدمي الكبير حيث توجد مراكز القوة الفعالة في العديد من الغدد، ومنها الصنوبرية والنخامية والهايبو تلامسية، وتعتبر «النخامية» الغدة الرئيسية فى الجسم التي تتحكم فى جميع وظائف الغدد الصماء وإفرازها للـهرمونات التى تؤثر على النمو ونسبة السكر فى الدم ومستوى الطاقة والنشاط، وتنظّم الغدد الهايبوتلامسية نشاط الجهاز العصبى المستقل والذى يتحكم بدوره فى ردود الأفعال العاطفية والشهية ودرجة حرارة الجسم والنوم. وتلعب الغدد الصنوبرية دورًا مهمًا فى التحكم فى جميع الإيقاعات الجسدية ودورات النوم والاستيقاظ ووظيفة الابتكار، فإذا استطعت الإبقاء على عمل هذه الأعضاء الحيوية للمخ بشكل نشط، فسوف تحفّز بذلك نشاط قدرتك العقلية.. وأتارى والدى كان على علم بسر الإصبع الكبير فى كـلا قدميه وربما من هنا أتى سر تفوقه العقلي حتى وفاته فى السن المتقدمة، وقدرته المذهلة على تذكر الأشياء بأدق تفاصيلها، وإسداء النصيحة بشامل أبعادها، وتحليل القضايا بتشعُب تخصصاتها، والاستشعار عن بُعد بما هو آت وما تحمله الرياح، وما تعكسه الإرهاصات.. وربما كانت العلاقة بين كفى يدى المدربتين وأقدام والدى أحد أسباب ذلك التميز الذهنى الذى صاحبه.. تلك الخدمة الإجبارية التى تأتى بطلب يحمل طابع الرجاء والاستجداء من الأب الغالى بأن أجلس إليه لأدعك له صوابع رجليه.. حاضر يا بابا.. وأحاول الهروب وتفويت الأمر عليه، لكن الوالد كان دائمًا معترضا على السلق ومشي حالك يابت وخلاص آخرتها هايروح فى النوم.. يابنتى ادعكى بذمة.. حاضر.. عند كعابى.. حاضر.. الصباع الكبير بالذات اضغطى عليه لأنه مرتبط بالكبد أساسا.. ربنا يطرح البركة فيكى ويخليلك ابنك.. حاضر.. أنا قلبي راضي عليك.. تسلم يا حبيبى.. كمان شوية.. تعبت يابابا.. يابت بلاش طلسقة.. أنا سامعة جرس التليفون هناك.. ماتسأليش عنه.. طب والباب بيدق.. طنشيه يعنى حيكون مين؟.. يااباااااا.. رحم اللـه امرءا يتقن عمله.. يا بابا الواد بيعيط.. ركزى فى اللى فى إيدك.. أشوف ورايا إيه وأرجع لك.. غورى طول عمرك مخك مش هنا. روحى وابعتى لى أختك.. وتلتقى عيوننا فى الطريق.. أنا وأختى.. ذاهبة بعدما أعطيت ما استبقيت شيئا، وأختى التى جاء دورها فى طريقها لممارسة مهمتها إزاء إصبع والدنا الكبير.. يا حبيبى يا بابا.. المطلع من خلال مكتبته العامرة على خريطة تشريح بطن القدم وتوصيلاتها المؤثرة على جميع خلايا الجسم العازفة لحن الصحة تحت قيادة المخ المايسترو.

بطن القدم اللاصقة بأرض الحياة والموت، الرافضة لقانون جاذبيتها، التى تحيا لتقاوم فتبتعد وتعلو وتهبط وتقفز وتطير، وتعود لتمشى وتمشى وتمشى مشوار حياتها بكامل إرادتها أو بعنف مطاردتها.. تمشى تمشي تمشى حتى تبرد قبل الجبهة عقب الوفاة.. تحملنا حبوًا مرحًا لتُسلمنا زحفًا واهنًا حتى اتكاء العصا وكتف الابن.. تهدهدنا تؤرجحننا تثبتنا تميلنا تجرجرنا حتى نهاية المستقر فى بطن الأرض!

* نقلًا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

مايسترو الحياة!

لحظة أنجبت ابنى شعرت بعدها بمدى أهمية الطبيب فى حياتى.. أصبح يمثل لى مركز الكون ونافذة النور وموسوعة المعارف وباب الفرج ومفتاح السعادة وقبطان القيادة وترنيمة الفجر من بعد حلكة الليل، ودواء النفس والروح، ومنقذ الغريق لبرالأمان.

في زمن الكورونا

إلى متى سيظل يرفع كفه الحانية عن بُعد فى رسالة قاطعة كافية لردع الحنان المنذر بالتدفق من حنايا شوقى الدائم إليه؟!.. إلى متى لن أستطيع ضم ابنى إلى صدرى؟!..

مادة إعلانية

[x]