أين قريتي!

1-8-2020 | 12:46

 

هذه ليست قريتى التى عشت فيها السنوات الأولى لطفولتي في أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين.. لم تعد هناك حدائق مزهرة وأشجار مثمرة مثلما كان الحال فى طفولتى عندما كانت مداخل قريتنا تزينها أشجار النخيل وحدائق الزهور ولكنها للأسف الشديد تحولت إلى مبان شاهقة وشوارع ضيقة... كانت كل الطرق والمدقات الزراعية تظللها أشجار الكافور والجازورينا والبرتقال والجوافة والمانجو والتوت والجميز والآن لم يعد لهذه الأشجار أى أثر دونما سبب مفهوم..


كانت البيئة فى قريتنا بيئة مثالية فى النظافة والنقاء تجذبنا لاستعجال الأجازة الصيفية لكى نصطحب زملاءنا وأصدقاءنا من مدينة طنطا لكي يمضوا جزءا من الإجازة التي يعتبرونها فرصة لكي يريحوا أعصابهم وينقوا صدورهم من تلوث المدينة فإذا بالحال يتغير الآن تماما وتصبح القرية فى حال يرثى لها من التلوث البيئى فى ظل غياب المرافق وانعدام الخدمات بينما يتصرف أهل القرية بسلوكيات أهل المدن.

لكن الجانب الآخر للصورة قد يبدو مضيئا لأن القرية التى كان عنوانها تلك المبانى الريفية العتيقة المزودة بالأحواش والأفران والحظائر وطلمبات المياه الارتوازية بعد أن حلت محلها بنايات أسمنتية ضخمة مزودة بصنابير المياه النقية وأصبح من النادر خلو معظم البيوت من الثلاجات والمراوح والتليفزيونات والسخانات الكهربائية وحلت أطباق التقاط الفضائيات فوق الأسطح بدلا من أعواد الحطب التي كانت تستخدم وقودا للطهى والتدفئة.. ورأيت فى القرية أيضا تطورا فى نوعية الملابس والأزياء التي يرتديها الأطفال والشباب من الجنسين والتى تؤكد بروز عنصر البهجة والأمل والتفاؤل بعد سقوط كل التحفظات التقليدية القديمة...

والأهم من ذلك كله إننى رأيت فى القرية أعدادا هائلة من الشباب تجيد التعامل مع الحواسب الإلكترونية الحديثة ولم يعد كتاب القرية هو منارة العلم الوحيدة بعد أن انتشرت وتعددت المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية وأصبح للقراءة جمهور يحرص على اقتناء الكتب ومطالعة العديد من الصحف والمجلات وذلك أمر لم يكن له وجود فى سنوات طفولتى وإن وجد ففى نطاق ضيق ومحدود حيث كان الاستماع إلى الراديو هو قمة الثقافة وذروة المعرفة رغم أن القرية كلها لم يكن بها سوى خمسة أجهزة راديو فقط.

وما بين الدهشة لحجم التطور الذى حدث وبين افتقاد أجواء الزمن الجميل فيما مضى.. وجدتني أردد بيني وبين نفسي .. وأنا أختتم زيارته لمقابر الآباء والأجداد كعادتي كل عام مع المناسبات الدينية والأعياد.. أين أنت يا قريتي!

خير الكلام:

<< فكرت فى الدنيا وجدتها فإذا جميع جديدها يبلى وينفد!

* نقلًا عن صحيفة الأهرام

مادة إعلانية

[x]