العروبة .. بين الحلم والحقيقة

31-7-2020 | 15:43

 

منذ زمن بعيد لم أسمع أو أقرأ كلمة العروبة فقد اختفت تماماً فى مسيرة الأحداث ولم يعد لها مكان فى قواميس الساسة أو حوارات النخبة أو ما بقى من أحلام الشعوب.. العروبة هذا الحلم القديم الذى حرك خيال أجيال كثيرة وعشناه واقعا ثم عشناه حلماً.. والآن لا شيء غير الوهم وما بقى فيه من الظلال.. أقول هذا وقد أخذت العروبة نصف أعمارنا حلماً ثم عشناها وهما.. والآن تبحث أمامك عن كل هذا ولا تجد شيئا..


> أقف الآن حائراً أمام صورة قاتمة لأمة تشرذمت حتى وصلت إلى أسوأ حالات الفرقة والانقسام وتحاول أن تلملم ما بقى فيها وما بقى لها ولا تجد غير أوطان تمزقت ما بين الحروب الأهلية والدمار الشامل وهجرة الملايين خارج أوطانهم.. لقد أصبح العالم العربى غنيمة تتهافت عليها الذئاب من كل جانب.. إن الغريب فى الأمر أن تصبح الدول العربية مطمعاً للمتآمرين وأن تزداد أطماع البعض حتى تصل إلى الاحتلال والرغبة فى السيطرة ونهب ثروات الشعوب..

> قلت إن الصورة تبدو كئيبة فى كل شيء

> إن تركيا التى ترفع راية الإسلام وتسعى لعودة الخلافة والولاة والسلاطين تحارب الآن فى أكثر من دولة عربية إنها تحارب فى العراق وتحاصر سوريا وتحتل ليبيا وتسيطر على قطر؛ حيث توجد لها قواعد عسكرية وتستخدم المرتزقة من أكثر من دولة عربية لتحتل بهم دولا عربية أخرى.. إن تركيا تنتشر الآن كالسرطان فى أكثر من دولة عربية إن لها قواعدها فى الصومال وبعد أن احتلت ليبيا لا تخفى أطماعها فى دول المغرب العربى..

لقد عاشت تركيا على حلم قديم أن تصبح عضواً فى الاتحاد الأوروبى ولكن أوروبا رفضت واكتفت بأن تمنحها فرصة الوجود فى حلف شمال الأطلنطى «الناتو» وأمام حالة الانقسام والتفكك التى تعيشها الدول العربية تحولت أطماع تركيا إلى العالم الإسلامى الذى خرجت منه يوما وتمردت عليه.. إن تركيا تطرح الآن حلم الخلافة الإسلامية وهى تتصور أن الحالة التى يعيشها العالم العربى من الانقسام والتفكك يمكن أن تكون فرصة ل عودة الخلافة العثمانية وهى تعتقد أن لها حقوقاً ثابتة وقديمة فى العالم العربى لقد استغلت تركيا حالة الانقسام التى يعيشها العالم العربى تحت راية الدين والإسلام لكى تقدم نفسها راعيا للخلافة وموحداً للمسلمين وأمام قوة عسكرية تمتلكها الآن تسللت إلى أقطار عربية احتلالاً وهيمنة واستغلالاً.. إن تركيا الآن تحاول أن تتمدد فى العالم العربى وهو يعيش أسوأ حالاته وهى تستطيع أن تستخدم كل الأساليب من أجل تحقيق أهدافها..

وعلى سبيل المثال فهى تتصور أن الاستيلاء على قطر قد أدى إلى تمزيق وحدة دول الخليج.. وأن احتلال ليبيا ضرب وحدة المغرب العربى وأن قواعدها العسكرية فى الصومال وجيبوتى وقواتها فى سوريا والعراق ووجودها فى مياه البحر المتوسط أنها بذلك تعتقد أنها أصبحت قوة إقليمية مؤثرة والغريب أن القوتين روسيا وأمريكا يتفاوضان مع تركيا بقدر من التكافؤ إذا لم يكن التعاون وتوزيع الأدوار..

> لابد أن نعترف بأن جيش مصر هو القوة العسكرية الوحيدة القادرة على مواجهة التمدد التركى وتهديد العالم العربى بما فى ذلك مصر.. إن مصر والسعودية والإمارات تقف فى خندق واحد أمام التوسع التركى وأوهامه فى إعادة الخلافة الإسلامية ولكن الشيء المؤكد أن هناك تعارضاً شديداً فى بعض المواقف العربية وهذا التعارض يضم دولا عربية مهمة مثل الجزائر والمغرب وتونس وبعض الانقسامات الأخرى فى عواصم عربية..

> فى الوقت الذى اجتاحت فيه تركيا أكثر من عاصمة عربية احتلالاً أو استغلالاً أو سيطرة فإن هناك من يسعى إلى تحقيق أهدافه فى مناطق أخرى.. إن إيران لم تترك الخليج وهى تحارب فى اليمن وفى سوريا ولبنان ولها أطماع طويلة فى العراق، ورغم كل الخلافات المذهبية والدينية بين إيران وتركيا والسنة والشيعة، فإن إيران لن تترك العالم العربى لتركيا حتى لو جاء وقت للصدام وإن جاء متأخراً.. فى حالة الانقسام والتشرذم التى يعيشها العرب اتسعت أطماع إيران وتركيا وكان ذلك كله بسبب الخلافات التى جعلت بعض الدويلات مثل قطر تتآمر على أمتها وجيرانها وتتحول إلى أداة للمغامرين من كل لون.. إن قطر تلعب مع كل الأطراف فهى تركية الهوى وإيرانية المصالح وأمريكية الأهداف.. وقبل هذا كله فإن إسرائيل تلعب فى كل مكان وتوجه السفينة أينما شاءت..

قلت فى البداية إن العروبة غابت وإن العالم العربى يعانى حالة من التشرذم والانقسام وأن ذلك كان السبب الرئيسى فى تغير الحسابات وظهور قوى إقليمية لها أطماعها الواسعة..

> لم أكن أتصور أن تمر أزمة سد النهضة وهى أخطر ما تواجه مصر والسودان فى العصر الحديث دون أن يكون هناك موقف عربى مع مصر تستخدم فيه الدول العربية كل مواقفها وإمكانياتها لوقف هذا التهديد الخطير الذى يهدد حياة الملايين فى مصر والسودان.. هناك علاقات قوية جداً بين أثيوبيا وعدد من الدول العربية وهناك مصالح واستثمارات مع دول أخرى وهناك أوراق كثيرة تملكها الدول العربية، ولكن الشيء الغريب أن تقف مصر والسودان وحدهما فى هذه المعركة التى تهدد مستقبل 150 مليون مواطن ما بين القاهرة والخرطوم، كان سد النهضة يحتاج إلى قمة عربية تصل بالعلاقات مع أثيوبيا إلى أبعد مدى حتى لو وصل الأمر إلى قطع العلاقات وسحب السفراء وإعادة الاستثمارات العربية التى أقيم بها السد وهى واضحة ومعروفة.. كان الموقف العربى شيئا غريبا فى مجريات الأحداث فقد وقفت مصر والسودان وحدهما دون دعم من الدول العربية الشقيقة فى هذه الأزمة..

> مازلت أعتقد أن هناك فرصة للمراجعة والضغط واستخدام لغة المصالح والاستثمارات العربية فى أثيوبيا ومازلت أتوقع تدخلا عربيا مؤثرا فى قضية سد النهضة إننا فى كل مراحل المفاوضات كنا نركز على دور أمريكا أو روسيا أو الصين ونسينا تماما الكتلة العربية بجامعتها وحكوماتها وأموالها وبنوكها ومؤسساتها إن هذه الكتلة يمكن أن تهز أركانا كثيرة أمام العالم فى مثل هذه الأزمة خاصة إنها قضية حياة أو موت لشعبين عربيين..

> نحن أمام كلمة اختفت من قاموس حياتنا وهى العروبة ولا نذكر آخر مرة سمعنا عنها أو رددناها.. لم يذكرها أحد حين احتلت أمريكا العراق ودمرت بغداد واستولت إيران على كل مفاصل الدولة العراقية.. لم يذكرها أحد والحرب الأهلية تدمر سوريا والجيوش والقوى الأجنبية تدمر المدن السورية لم يذكرها أحد والقواعد الأجنبية أمريكية وروسية وإيرانية وتركية تقام فى كل مكان..

لم يذكرها أحد وقطر تدفع الملايين لتمويل الإرهاب فى العالم العربى .. إن العروبة لم تكن أوسمة أو تيجانا على رأس سلطة القرار ولكنها كانت أمنا واستقرارا ومسئولية ومنذ غابت كل هذه الأشياء انقسمت على نفسها وتحولت إلى أوكار للإرهاب والحروب الأهلية والدمار..

> هناك قوى خارجية تثبت الآن فى العالم العربى أن أمريكا الرجل العجوز يدير معاركه الآن من خلال الآخرين.. لقد ترك الأتراك على العرب وترك إيران على الخليج وترك إسرائيل على الجميع وهى تنتظر نهاية أشياء كثيرة، إن إسرائيل تبدو الآن فى حالة صمت رهيب، ولكنها تنتظر نهاية الأدوار ومن يكسب ومن ينتهى دوره.. إنها فى لحظة ما سوف تجلس مع الجميع وتأخذ من الوليمة ما تريد..

> إن اختفاء كلمة العروبة ليس حدثا عاديا.. إنها هزائم سياسية وصراعات بين أبناء البيت الواحد وهى ثروات ضاعت وتبددت وأحلام شعوب انكسرت إنها عودة لأشباح الاستعمار والاحتلال والهيمنة.. إن عودة حلم الخلافة العثمانية ليس حدثا عاديا وتهديد إيران للعرب ليس مجرد دعوة دينية إنها أطماع سياسية وعالم جديد تقف خلفه أياد غامضة..

> منذ سنوات كنا نسمع عن شىء يسمى الشرق الأوسط الجديد وكنا نسمع عن الفوضى الخلاقة وكنا نشاهد تراجع الحلم العربى فى كل المجالات وكانت رحلة سقوط العواصم العربية ما بين الغزو والاحتلال والدمار أول شواهد هذه الأطماع.. إن اختفاء العروبة من الشاشات والحوارات والأحاديث ليس مجرد اختفاء كلمة من حياة شعوبها ولكنها أخطاء تتجسد وأحلام تضيع وأمة تغيرت كل ملامحها.. إنها خسائر فى كل شىء.. مواقع تنزوى وسياسات تتراجع ويبقى السؤال من يعيد لهذه الكلمة بريقها فى حياتنا.. العروبة حين اجتمعت الشعوب على كلمة وتوحدت على حلم ولم تفرط فى أرض أو دور أو مكانة.

ويبقى الشعر

ركبُ الزمان ِ يطوفُ فى نظراتى
وتتوهُ فى عمق المدى كلماتـــــــى
ماذا أقول ونورُ وجه المصطفـــى
كالصبـِح أشرقَ فى شواطئ ذاتى
ويطلُ وجُهكَ فى الحجيج كأنــــه
وجُه السماء أضاءَ فى جنباتــــــــى
يا سيدَ الخـُلـُق ِ الرفيع ِ تحيـــــة ً
من كل شوق ٍ فاضَ فى عرفــــــاتِ
طوفتَ فى أرجاءِ مكة َساعيـــــًا
وعلى منىَ ألقيتَ بالجمـــــــــــراتِ
ونظرتَ للأفق ِ البعيدِ وحولــــه
تسرى أمامكَ جنة ُ الجنـــــــــــاتِ
ووقفتَ تصرخ يا إلهى أمتـــى..
فيجيبُ رب الخلق ِ بالرحمـــــــاتِ
لم تنس أمتكَ الحزينة كلمــــــا
هرعت جموعُ النــاس بالدعـــــواتِ
وسألتَ رب الكون هذا حالـُهم
فقرٌ.. وجوعٌ.. وامتهانُ طغــــــــاةِ
يارب هذى أمتى مغلوبــــــــــة ٌ
ما بين حكم ٍ جــائــر ٍ.. وغــــــزاةِ
الركبُ ضل وشردته عواصـــفٌ
بالعجز ِ..والطغيــان ِ.. والنكبــاتِ
جمعتهم فى كل شــىء كلمــــــــا
نادى المــــؤذنُ داعيــًا لصــــــــلاةِ
والآن صاروا فى الحياة بلا هدى
تبدو عليهم سكــــرة ُ الأمـــــــــواتِ
أنا فى رحابك جئتُ أحمل أمــــة ً
ماتت على أطلالهــا صرخــاتـــــــى
والحاقدونُ على الضلال ِتجمعوا
والأمة ُ الثكـلى فلــــولُ شتــــــــــاتِ
فى الكعبةِ الغراءِ وجهى شاخــصٌ
تتسابقُ الصلــــوتُ فى الصلـــــــواتِ
والناسُ فى الحرم ِ الشريف توافدوا
ضوءُ الوجوه يطــوفُ فى الساحـــاتِ
الله أكبرُ والحجُيـــــــــــج مواكبٌ
من كل لون قـــــادم ٍ ولغــــــــــــــاتٍ
الله وحدهم على وحى الهـــــــدى
رغمَ اختلافِ الجنــس ِ واللهجــــــاتِ
جاءوا فرادى يحملون ذنوبهــــــم
ويفيضُ صفــــحُ الله بالنفحـــــــــــاتِ
حين استوى الرحمنُ فوق عبـــاده
العفو كان بدايـــــة َ الرحمــــــــــاتِ
يارب فلتجعل نهاية رحلتــــــــى
عند السؤال شفاعتــــى وثباتــــــــــى
أنا فى رحابكَ جئتُ أحمل توبتـى
خجلانَ من شططـــى ومن زلاتـــــى
أنت الغفورُ وكان ضعفى محنتى
وعذابُ قلبى كان فى هفواتـــــــــى
أشكو إليكَ الآن قلة َ حيلتـــــــى
وهوانَ عمرى.. حيرتى وشتاتــى..
تتزاحُم الأيامُ بين خواطـــــــرى
ما بين ذنبٍ حائـــر وعظــــــــــاتِ
يارب سيرتَ القلوب مواطنــــــًا
للحبِ.. فاغفر يا كريــم هنـَاتــــــى
قد كان ذنبى أن قلبى عاشـــــــقٌ
فأضعتُ فى عشق ِ الجمال ِحياتــى
أنتَ الذى سطرتَ قلبى غنـــــوة
للعاشقينَ.. وهذه مأســـــــــاتـــــــى
اغفر ذنوبَ العشق ِإن جوانحــــى
ذابتْ من الأشــواق ِ والعبــــــــراتِ
والآن جئتكَ بعد أن ضاق المــدى
واثــَّاقـَلـَتْ فى رهبةٍ خطواتــــــــى
ندمًا على عمر تولى ضائعــــــًا
أم خشية ًمن طيفِ عمــــــــر ٍ آت
أسرفتُ فى ذنبى وبابك رحمتــى
ولديكَ وحدك شاطئ ونجاتـــــــى

* نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

[x]