عيد بمذاق التحديات وبشائر النصر

31-7-2020 | 14:48

 

للعيد هذا العام مذاق خاص لم نشهد له مثيلا بين أعيادنا طوال العقود الأخيرة، فهو أول عيد أضحى غابت فيه رحلات الحجاج وأنشطة شركات السفر والسياحة ، والزحام الذى تشهده صالات السفر والوصول وقوافل سيارات الحجاج بأعلامها البيضاء وملابس الإحرام، والأجواء التى كانت تحيط بالحجاج من أقاربهم وأصدقائهم، فقد كان احتفالا له طعمه، حتى لمن لم تسنح لهم الفرصة للحج، أو ليس لهم أقارب يودعونهم أو يستقبلونهم، فهم يشاركون الحجاج الفرحة وأجواء السكينة المصاحبة ل أداء مناسك الحج ، لقد حرمتنا جائحة كورونا من هذه الأجواء، لكنها لم تحرمنا الفرحة بالعيد ، حتى لو كانت أعداد الحجاج قليلة ونتابعها على شاشات الفضائيات.


كما لم تحرمنا من ذبح الأضاحي وتوزيع اللحوم على الأقارب والأصدقاء وقبلهم الفقراء، فهذه من أهم عاداتنا فى عيد الأضحى، لكن فيروس كورونا حرمنا أيضا من الزيارات التى لم تكن تتوقف طوال إجازة العيد، واعتدت أن أقضيها فى بلدتى الأقصر، حيث الأجواء الحميمة وذكريات الطفولة والصبا، فهو المكان الذى كنت أنتظر فيه ملابس العيد على أحر من الجمر، وأسهر عند الترزى مترقبا أن ينتهى من تجهيز لبس العيد، وليلة العيد أشم رائحة الطعام والتجهيزات المبكرة لأشهى المأكولات، لأصحو مبكرا لحضور الصلاة بصحبة والدى، والتكبيرات المميزة التى لا تتوقف حتى الظهيرة، وتنهال العيديات من أسرتى والزائرين من أقاربي، في الأقصر كان للعيد طعم لا يمكن أن يدركه سكان القاهرة، فالعيد هناك له طعم ورائحة وبهجة وتقارب وتراحم لا يمكن أن أرى لها نظيرا فى مكان آخر، وكيف لا ونحن بلدة مسجد العارف بالله سيدى «أبوالحجاج» بوسط المدينة، الذى يتحول إلى ساحة حب وبهجة قبل وفى أثناء وبعد الصلاة، وقد انصهر أهالى بلدتى يتصافحون ويتبادلون التهاني فى رحاب سيدى أبو الحجاج، وعلى مقربة منه معبد الأقصر الشهير، ليتلاقى أقدم المعابد وأشهرها بأعمدته الشاهقة والباهرة والنقوش التي مازالت تحمل بصمات حضارة عريقة، مع مسجد سيدى أبو الحجاج بمشاعر الصفاء والسماحة والتراحم.

لكن أهم ما يميز العيد هذا العام هو أن ضباط مصر وجنودها رابضون فى مواقعهم على حدودنا الغربية مع الشقيقة ليبيا وجيشها، يذودون عن بلدينا خطر أطماع العثمانى أردوغان الذي جاء بأسلحته وعتاده وقواته ومعه الآلاف من الإرهابيين لغزو ليبيا وتهديد أمن مصر، لكن روح التضحية والفداء التى يتحلى بها جنودنا وضباطنا جعلتهم لا يغفلون لحظة عن تلك المخططات، ويقضون العيد فى حرارة الصحراء الأكثر سخونة فى مثل هذا الوقت من الصيف، لكنهم لا يعبأون بلهيب الصحراء ولا بالعدو المتربص، ويتابعون كل شاردة وواردة، ولا يتركون خيارا أمام أردوغان وجنوده إلا أن يتخلوا عن أطماعهم، فقواتنا لها ميزة لا يعرفها أردوغان وجنوده وجماعاته لا تقتصر على أحدث الأسلحة وأعلى الاستعدادات ومستوى التدريب، وإنما أنهم يعشقون تراب بلدهم، ويتحلون بالشجاعة وروح التضحية والفداء التي تميزهم عمن جاءوا بهدف الغزو، ويتسلحون بالحق والكرامة والعزة، وليس الطمع والأنانية والغدر والإرهاب والسعى إلى المكاسب الرخيصة.

فأردوغان وجنوده وأتباعهم ممن باعوا بلدهم طمعا فى فتات الغنائم لا يمكن أن يعرفوا معنى التضحية والكرامة، ولا يمكن أن يتمسكوا بالأرض إذا شعروا بالخطر، فهم غرباء على ليبيا ومصر، بينما جيشنا صاحب قضية عادلة، ويحمى تراب بلده، ولا يمكن أن يتوانى عن الدفاع عنها، وهناك فرق كبير بين أصحاب الأرض ومن يرفعون راية العزة والكرامة والحق وبين من يطمعون فى بترول وغاز المنطقة، ويحاولون السيطرة عليه بالباطل، ويتصورون أن بعض الأتباع يمكن أن يمنحوا الغريب الطامع أى حق فى ثروات المنطقة، ولا يمكن إضفاء شرعية على الاحتلال باتفاقيات باطلة بين من لا يملك ومن لا يستحق، سواء المتعلقة بترسيم حدود المياه أو منح الغزاة صكوك السيطرة على الأرض الليبية باسم الدفاع عنها. إن عيد التضحية والفداء فرصة لنرسل لضباطنا وجنودنا رسالة تقدير وإجلال تؤكد أننا نقدر تضحياتهم ووجودهم على الجبهة الغربية أو فى سيناء الحبيبة التى زرع فيها المتربصون خلايا إرهابية لا تريد سوى القتل وسفك الدماء وإثارة الذعر والهلع وتعطيل قاطرة التنمية والرخاء والعمل والاستثمارات التى تحول سيناء إلى ساحة بناء وتعمير وتنمية لكل أبناء مصر. إن أبطالنا يدركون أنهم أمام عدو غادر فى الشرق والغرب، ولا تردعه أى مبادئ أو أخلاق، بل يستغل المناسبات الدينية فى شن الهجمات الدنيئة، ولا ننسى كيف شن الإرهابيون هجمات على جنودنا الصائمين وهم يتناولون وجبة الإفطار فى شهر رمضان، كما هاجموا وفجروا المساجد، وقتلوا المصلين، وذبحوا إخوتنا المسيحيين، ومع كل تلك الجرائم المشينة يتحدثون باسم الدين، ليسيئوا إلى الإسلام الحقيقي الذي نلمس سماحته بين أهلنا ممن لم تلوثهم أفكار تلك الجماعات الإرهابية، وألمس تلك السماحة كلما زرت بلدتى الأقصر، التى اعتدت أن أقضى فيها الأعياد والمناسبات، خصوصا عيد الأضحى بمذاقه الخاص، وأصلي العيد فى ساحة مسجد سيدى العارف بالله أبو الحجاج، لأدرك أن ما يدعيه الإرهابيون من تدين ليس إلا قناعا بشعا يريد أن يخدعنا، وأنهم فقط خدام وأتباع للغزاة والطامعين، فهذا هو ما نراه بأعيننا على حدودنا الغربية أو فى سيناء وفى مختلف البلدان التي عاثوا فيها قتلا ودمارا.

رغم كل هذه الظروف الصعبة التى نمر بها، فالملايين من المصريين واثقون فى النصر على الإرهاب وعلى فيروس كورونا، وأن العيد سيستعيد بهجته ويضفى علينا المزيد من السماحة والطمأنينة، فالعلامات تتضح شيئا فشيئا، وتؤكد أننا على مقربة من انتصارات كبيرة فى ساحات القتال والتنمية معا، والأخبار المفرحة تتدفق علينا، سواء بانتكاسات المتربصين بنا، أو بالتراجع الملحوظ في أعداد المصابين والوفيات بفيروس كورونا بفضل الوعى وتكامل الأدوار بين أجهزة الدولة وجهود الأطباء والممرضين ووعى الشعب المتنامى والمناعة الطبيعية التى نكتسبها واستعادة إرثنا الحضاري بكل ما فيه من قوة روحية ورقي إنساني، أراه متجسدا فى معبد الأقصر الشامخ وأمامه ساحة مسجد سيدى أبوالحجاج، ومشاعر الحب والتراحم التي كنت أجدها دائما فى أسرتى وعائلتى فى بلدتى الأقصر التي يتلاقى فيها عبق الحضارة الأصيلة مع روح الإسلام السمح التى تشهد عليها تلك المساجد والأضرحة المنتشرة فى ربوع الأقصر التى تعد نموذجا لمصر الأصالة والحضارة والمستقبل الواعد، وما أراه فى الأقصر أجده فى كل مدينة وقرية مصرية، ويجمعنا الكثير من التقاليد الأصيلة والشموخ المتوارث، كما يجمعنا أن لدينا إخوة وأبناء يدافعون عن تراب بلدنا، ويقفون بكل قوة وعزيمة من أجل الدفاع عن وطننا، ولدينا أيضا أطباء وطواقم تمريض وإدارة فى الصفوف الأولى لمواجهة فيروس كورونا، يعالجون، وفى الداخل بناة يسهمون فى الإنتاج الصناعى والزراعى رغم الشدائد، ليؤكدوا لنا أن النصر قريب، وأن مصر ماضية فى طريق الازدهار والتقدم تحت قيادة حكيمة تعرف قيمة هذه الأرض وتنتمى لهذا الشعب.

* نقلا عن صحيفة الأهرام

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]