أزمة كورونا وارتباك الأداء الدولي (2-2)

1-8-2020 | 00:10

 

في ضوء خصائص الأزمات الدولية المعاصرة والتحديات المصاحبة لأزمة كورونا من خلال التحليل المتقدم في مقالنا السابق يمكن القول بأن: النجاحات المصرية جاءت مقارنة في ضوء تجارب ناجحة في كوريا وتايوان ونيوزيلندا وألمانيا، لقد كانت مصر من أولى الدول التي رصدت تطور تصاعد الأزمة في الصين منذ بداية انتشار الفيروس.

وبنظرة فاحصة للمنهجية المصرية المتفردة ومن خلال الخصوصية الوطنية في إدارة الأزمة، فقد قدم فريق إدارة الأزمة في مصر نموذجًا رشيدًا اتسم بالآتي:
تطبيق مصر لـ" إستراتيجية القوى الشاملة "؛ بمعنى تعبئة كل قدرات الدولة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعسكرية والبشرية والتقنية في إدارة الأزمة، من خلال الإدارة متعددة الأطراف للأزمات المعاصرة على المستوى الداخلي والخارجي؛ فداخليًا تطلب الأمر مشاركة أصحاب المصلحة من الحكومة والقوات المسلحة والقطاع العام والقطاع الخاص والمجتمع المدني، في صيغة تحقق توازن المصالح بين هذه الأطراف وتعبئة مواردهم وإمكاناتهم المتاحة وتوظيفها لإدارة الأزمة، وخارجيًا فإن الطبيعة العابرة للحدود للأزمات المعاصرة؛ سواء من حيث الانتشار أو الآثار والنتائج تتطلب هذا النوع من الإدارة والتعاون بين الدول والمنظمات الدولية، وكانت مصر صاحبة المبادرة الأولى بزيارة وزيرة صحتها للصين وإيطاليا وهو ما أطلق عليه "بدبلوماسية الأقنعة" وكان لصعوبة الموقف وطول امتدادها الزمني أن فرضت الأزمة ضرورة تبني إستراتيجية التعايش مع الأزمات أو ابتكار إستراتيجيات جديدة تراعي خصائص الأزمات الدولية المعاصرة.

لقد قدمت مصر خطة طوارئ واضحة في مضمونها ومعناها والعوامل المحركة لها والمخاطر الناتجة عنها ومداها ونطاقها وحدتها، اتسمت بالمرونة والتكيف مع التطورات المتلاحقة ارتباطًا بالتحديث المستمر للمعلومات، والمرونة في البدائل المتاحة والالتزام بتوجيهات منظمة الصحة العالمية، كما استخدمت أدوات غير تقليدية، في محاولة منها للكشف المبكر عن المرض، وتحقيق مفهوم المواجهة القَبْلية من خلال رصد الحالات المحتمل إصابتها، وتحقيق المراقبة الشاملة لجميع الأفراد للتأكد من التزامهم بالتعليمات، ومن أمثلة ذلك استخدام البيانات الضخمة مستفيدة مما لديها في برنامج مبادرة 100مليون صحة، كما كانت هناك استفادة من الخبرة السابقة من خبرات أزمتي إنفلونزا الطيور والخنازير، وانتشار فيروس متلازمة الشرق الأوسط التنفسية عام 2015.

كما تقدم مصر خبرتها من توظيف متميز للتكامل بين القطاع المدني والعسكري في إدارة الأزمة، وشفافية مطلقة في سياسة الحكومة، فنحن هنا أمام مستوى جديد من التكامل، بين الحكومة والقطاع الخاص على المستوى الإستراتيجي.

وفي إطار الإستراتيجية الشاملة استندت مصر إلى عناصر قوة الدولة المستمدة من خبرتها التاريخية ومن ثقافتها المجتمعية فبرز في سياق هذه العملية: التضامن داخل المجتمع وبين الحكومة والقطاع الخاص، حيث ساهمت بعض الشركات الصناعية بتغيير خطوط إنتاجها من أجل توفير المعدات والمستلزمات الطبية اللازمة لمواجهة فيروس كورونا، مع توافر البنى التحتية القوية في مجال الصحة والرعاية الاجتماعية.

كما كان لخبرات الجيش وكفاءته اللوجستية، ومنها إنشاء مستشفيات ميدانية، وطائرات إسعاف طائر لنقل المصابين، وتعبئة عدد كبير من الكوادر الطبية المتخصصة، ساهموا في تنفيذ المهام بعيدًا عن الإجراءات التقليدية أو الروتينية، كما قام بإنشاء العديد من المستشفيات الميدانية لدعم جهود وزارة الصحة حال تفاقم الأوضاع بالتنسيق مع المديريات الصحية الأكثر احتياجًا، وكان ل جهود القوات المسلحة البارزة وبكفاءتها المعهودة، أن زادت من ثقة المواطن في إدارة الحكومة للأزمة.

وفي السياق نفسه تم ابتكار إجراءات إدارية مناسبة للتعامل مع تطورات الأزمة، وتطويع وتكييف بعض الإجراءات التقليدية بما يتماشى وطبيعة تطور الأزمة، والمرونة والتكيف الإداري ( في إدارات المرور والشهر العقاري ومكاتب البريد والبنوك التي ابتكرت الكثير في إجراءاتها لخدمة العملاء، وغيره من الإجراءات لتسهيل الخدمات للمواطنين)، كما لعب الإعلام دورًا واضحًا بالتواصل مع المواطنين سواء للإرشاد والتوجيه أو مواجهة الشائعات والأخبار الكاذبة، للحد من حالة الخوف وتهدئة الرأي العام، أو الدعوة إلى الاستهانة بالخطر، والدعوة للالتزام بالإجراءات المفروضة من جانب السلطات المعنية.

كما اهتمت مصر ب الآثار الناتجة عن أزمة كورونا ، وهو ما يشير إلى فهم واستيعاب للجوانب الإستراتيجية للأزمة، وكان من أهم ما اتخذته من تدابير اقتصادية واجتماعية الآتي:

المصادقة على خطة مساعدة اقتصادية، من أجل مساعدة الشركات والموظفين في تخطي العواقب الاقتصادية لوباء كورونا المستجد، وتمويل سلسلة من التدابير الاجتماعية مثل إعانة البطالة الجزئية، ودعم الشركات التي اضطرت إلى وقف أنشطتها.

كما تضمنت خطة الطوارئ الطبية بعض العناصر الفعالة في إدارة الأزمة: من حيث تبني إستراتيجية الفحص الموسع والفرز المنهجي خاصة القادمين والمسافرين من الموانئ والمطارات المصرية، كما ركزت على علاج الأشخاص الذين يعانون من أعراض حادة والذين تقل احتمالية تعافيهم وهو ما ساعد على خفض معدل الوفيات، وساعد الرصد الموسع على تحديد المناطق التي تحدث فيها حالة تفش في بعض القرى المصرية، وأصبحت هذه البيانات نقطة انطلاق، لتحديد مناطق العدوى في بعض المدن والمحافظات، وتعقب المخالطين وتحديد من كانوا على اتصال بالمصابين، على غرار ما حدث في عمارات بورسعيد وبعض قرى المنصورة والقليوبية في بداية الأزمة مع تحديد النقاط الساخنة للعدوى وعزلها، فضلا عن التزام المواطنين بارتداء الأقنعة، وممارسة التباعد الاجتماعي وهو ما ساعد على الحد من تفشي الوباء، كما تولي الدولة الإشراف على الحجر المنزلي وتقديم العلاج والمرور الدوري على الحالات المصابة ومتابعتها حتى تعافيها، أو نقلها لعلاج مكثف تخصصي وفق درجة إصابة الحالة.

وعلى المستوى المهني للخط الأول من الجيش الأبيض قامت الحكومة منذ البداية بتوفير معدات الحماية الشخصية المناسبة للطواقم الطبية، أنشأت مواقع فحص ومعالجة منفصلة للعاملين في مجال الرعاية الصحية، وتوسعت في استخدام التقنية في المجال الطبي من حيث القدرة على إنتاج المعدات والمستلزمات الطبية المتطورة، وبما يغطي الاحتياجات الفعلية، فضلا عن جهود علمية ل إنتاج اللقاح والأدوية في تعاون علمي وثيق بين وزارة الصحة ووزارة التعليم العالي.

ومن المأمول أن تخطو مصر خطوات إيجابية من خلال ابتكار نماذج جديدة من نظم المعلومات والتطبيقات، في حالة ظهور موجة ثانية من الجائحة لا قدر الله، على كافة المستويات بدءًا من الدولة وتدرجًا نحو المحافظات والمدن المختلفة، ومرورًا بتحديد المناطق الأكثر تعرضًا للإصابة بالفيروس، كان هذا جزءًا من كل متعدد الجوانب والأبعاد، يؤكد نجاح الحكومة في إدارة الأزمة بنجاح، مقارنة بتجارب الدول متقدمة، ويؤكد رؤيتنا تراجع نسب الإصابة ، وزيادة عدد المتعافين وانخفاض معدلات الوفيات في النصف الثاني من يوليو الجاري، ونجاح تكامل الإدارة الإستراتيجية الشاملة للأزمة مع خطة الطوارئ الطبية للجائحة، وإن ذلك سيظل مشروطًا بتضافر جهود المواطنين مع الحكومة والتزامهم بتدابير الوقاية التي حددتها وزارة الصحة.
___________________
خبير إستراتيجي وأكاديمي مصري

مقالات اخري للكاتب

أزمة كورونا وارتباك الأداء الدولي " (1-2)

شهد العالم خلال العقود الثلاثة الأخيرة تغيرات سريعة ومتلاحقة في كافة مجالات الحياة نجم عنها العديد من الأزمات الدولية المعاصرة، بفعل التطورات غير المسبوقة

كورونا وأزمة البحث العلمي في العالم

​يعد البحث العلمي ركيزة التحديث والتطور في الدول والمجتمعات، فالدول المتقدمة تبلغ من خلاله صدارة اقتصادية وعسكرية وعلمية، وهو المخرج للدول النامية للحاق

كورونا ومجتمع المخاطر العالمي

أثارت جائحة كورونا الفكر الاجتماعي فاستدعت نقاشات علمية حول مجتمع المخاطر تهديدًا للمجتمع الإنساني، وفي مقال حديث ومهم للدكتور أحمد زايد علي، استدعى نظرية

المجتمع المدني ومواجهة جائحة "فيروس كورونا"

منذ إعلان منظمة الصحة العالمية عن هجمة فيروس "كورونا" بأنها "جائحة عالمية" في 12/3/ 2020، فإن هذه الأزمة الصحية العالمية سوف تحدد معالم المستقبل للمجتمع

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]