أزمة كورونا وارتباك الأداء الدولي " (1-2)

30-7-2020 | 20:09

 

شهد العالم خلال العقود الثلاثة الأخيرة تغيرات سريعة ومتلاحقة في كافة مجالات الحياة نجم عنها العديد من الأزمات الدولية المعاصرة، بفعل التطورات غير المسبوقة في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والهندسة الوراثية والكيمياء الحيوية وغيرها من العلوم، لم يواكبه مستوى من التكيف المناسب من جانب الأبنية السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، للتعامل مع الآثار المترتبة عليها، الأمر الذي نتج عنه تزايد ملحوظ في الأزمات الدولية الجديدة.

كان من أبرز مخاطرها الفيروسات الوبائية فضلا عن التغير المستمر في الظواهر الجوية والتغير المناخي وظهور الأمراض المعدية الجديدة، ناهيك عن الإرهاب الدولي الداعشي، وغيره من أعمال الجريمة المنظمة التي وجدت مناخا مواتيا لها داخل مشهد سياسي إقليمي مضطرب، أن جائحة "كوفيد 19" كانت بمثابة لحظة كاشفة عن درجة استعداد وجاهزية دول العالم للتصدي للتهديدات غير التقليدية، عانت العديد من دول العالم من الارتباك عند إدارة هذه الأزمة سواء الدول النامية والفقيرة، بل أيضًا الغنية والمتقدمة، ولم تعد الآليات والأساليب التقليدية قادرة أو كافية للتعامل معها.

والواقع أن العديد من التقارير الدولية كانت قد حذرت وتنبأت بالعديد من الأزمات الوبائية والراصد لهذه التقارير يجد أن هناك سلسلة من التقارير حذرت من احتمالات وقوعها:

أعلن منتدى دافوس 2017، عن تشكيل تحالف جديد لمواجهة مخاطر الثورة الصناعية الرابعة، وما سينشأ عنها من أزمات ومخاطر، وتقرير ل منظمة الأمن والتعاون الاقتصادي إلى أن الحكومات تواجه عددا متزايدا من الأزمات الجديدة، قد تنتشر خارج الحدود الوطنية، وقد تؤثر على الاقتصاد والتماسك الاجتماعي والاستقرار السياسي، في سبتمبر 2019 بعنوان العالم في خطر : صدر تقرير عن الاستعداد العالمي للطوارئ الصحية ، أشار فيه إلى أن خطر انتشار وباء في جميع أنحاء العالم هو خطر حقيقي، لديه القدرة على قتل عشرات الملايين من البشر، وتعطيل الاقتصاد وتهديد الأمن القومي والعالمي.


وفي هذا السياق نتعرف على الخصائص النوعية للأزمات الدولية المعاصرة في ضوء جائحة كورونا "كوفيد-19" في موجتها الأولى من أهمها: اتساع نطاق الأزمة، حيث بدت أنها بلا حدود فهي تشمل الكون كله، والامتداد الزمني غير المعروف للأزمات والذي يصعب تقديره، بات ما يطلق عليها الأزمات الممتدة، كما تواجه ضغوطا معلوماتية متعددة، (غير مسبوقة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والتي خلقت حالة من الخوف والتشكيك في أي بيانات رسمية أكدها ( مؤشر إيدلمان للثقة ) بعدم الثقة في أداء الحكومات في إدارة الأزمات المعاصرة ، وأن ثقة المواطنين قد انخفضت في العديد من الدول في المؤسسات الأربع الرئيسية: قطاع الأعمال والحكومة والمنظمات غير الحكومية ووسائل الإعلام، خاصة إزاء محاولة إقناع الرأي العام بخطورة الأزمة، كما أن الأزمات الدولية المعاصرة منتجة للأزمات، حيث أفرزت أزمة كورونا أزمات عديدة جزئية عابرة للحدود من أهمها: أزمة نقل المواطنين العالقين بالدول الأخرى، والأزمات المتعلقة بالحجر الصحي، وتقديم الخدمات العلاجية، والأزمات بتوفير المستلزمات الطبية وتعبئة الكوادر الطبية المتخصصة، أزمة البطالة والعمالة الموسمية وغير الرسمية، أزمة تدبير تمويل إضافي لإدارة أزمة طارئة وغيرها من الأزمات وأعقدها أزمة توعية المواطنين الرافضين لواقع جديد تفرض عليهم قيود معيشية اعتبروها مقيدة للحرية، وغيرها من الأزمات.

وفي ضوء تحليل هذه الخصائص والتجارب الدولية سواء الناجحة أو الفاشلة في إدارة الأزمة وضبابية أسبابها، دفعت متخذ القرار في العديد من الدول كسر القوالب التقليدية في ظل صدمة المفاجئة وسرعة انتشار الوباء وازدياد الوفيات وجثامة آثار الجائحة وهو ما طرح العديد من التحديات كان من أهمها: تحدي الحفاظ على صحة المجتمع وما يتطلبه ذلك من إجراءات، مع التغلب على عقبات إعادة دوران عجلة الاقتصاد الوطني وصعوبة التنبؤ بمسار الأزمة وتداعياتها، وتحدي اختيار الإستراتيجية الملائمة لإدارة الأزمة، في التمسك بالقواعد التقليدية، مع تبني إستراتيجية التعايش مع الأزمة من خلال زيادة القدرة على التحمل ونقل الأعباء وتخفيف الضغوط، وتحدي تحديد الأعباء والتكلفة وتوفير وتعبئة وتوظيف الموارد اللازمة للإدارة الفعالة للأزمة، خاصة أن تقدير حجم انتشارها وتداعياتها لم يكن معروفا بدقة والأسس التي يمكن الاستناد إليها عند توزيع الأعباء وعناصر التكلفة.

ومن حيث منهج المعالجة المعاصرة تعددت إستراتيجيات إدارة الأزمة ما بين إستراتيجية الإنكار (أمريكا في بدايتها)، و مناعة القطيع ( روسيا والصين)، والترهيب ( بريطانيا ) والمبادرة والتعاطف الإنساني ( نيوزيلندا وتايوان ) واستخدام نماذج النظم المعقدة والتقنيات الحديثة ( كوريا الجنوبية )، واستخدام عناصر القوة الشاملة ( ألمانيا )، ولم تخل ببعض التجارب من اللجوء إلى الإدارة العشوائية للأزمة ( إيران وإيطاليا)، ولازالت هذه الإستراتيجيات في مجال الاختبار والتجريب وتقييمها مرتبط بمدى نجاحها، وتعدد متغيراتها من بلد لآخر يصعب تحديد الإستراتيجية الأمثل لإدارة الأزمة.

ويمكننا رصد بعض الآثار الناجمة عن جائحة كورونا من أهمها: عودة دور الدولة الوطنية في مواجهة العولمة المتوحشة، حيث تراجع دور المجتمع الدولى فى مؤازرة الدول المصابة وهو ما وضح داخل كل الاتحاد الأوروبي (باستثناء ألمانيا التى قدمت العون للعديد من دول أوروبا).

أتصور أن كلاً من كوريا الجنوبية وتايوان ونيوزيلندا وألمانيا ومصر قدمت بابا جديدا للبحث في علم الأزمات الدولية المعاصرة بعيدا عن الأساليب التقليدية، لاعتبارات متعددة منها طبيعة الظروف المحيطة بهذه الأزمات وخصائصها ومخاطرها وفق البيئة الداخلية للدولة، والتحولات التي يشهدها العالم باتجاه ميلاد عصر الثورة الصناعية الرابعة وما قد ينجم عنها من أزمات، وما ينجم عنها من تيار متدفق من الأزمات تتطلب بناء سيناريوهات غير تقليدية تتناسب وطبيعة الأزمات الدولية المعاصرة.

سيظل من الصعب مقارنة أداء الدول فيما يختص بإدارة جائحة كورونا لأسباب عديدة منها الظروف الاقتصادية وكفاءة المنظومة الصحية، واختلاف طبائع وعادات التركيبة السكانية، إلا أن العامل الحاسم كان تحديد السياسة العامة قبل إستراتيجية المواجهة، وقد التزمت غالبية الدول بتوجيهات منظمة الصحة العالمية، وتباينت الدول فيما بينها في اختيار الإستراتيجية المناسبة، حيث كان من الصعب أن تكون هناك إستراتيجية واحدة قادرة على تقديم حل جذري للأزمة في ظل تمفصل الأسباب وحالة عدم اليقين التي صاحبتها، لقد مثلت كورونا تهديدا مباشرا لبقاء المجتمعات ما تتطلب مراجعة منظومة الأمن الصحي لغالبيتها.

ومن ثم فالرؤية المرنة المتعددة الجوانب للأزمات الدولية المعاصرة بالمفهوم المتقدم سيترتب عليها تقدير معين للموقف، وتقييم لأوجه القوة والضعف، ومصادر التهديد المباشر وغير المباشر، ووصولا إلى التقييم الشامل للمخاطر الناتجة عن الأزمة، وعلى ضوء هذا التقييم سيتم التوصل إلى الصيغة المناسبة لمركب القوة المناسب والفرص المتاحة لإدارة الأزمة، وهو يختلف من مكان لمكان، من أزمة لأزمة أخرى، إن امتلاك عناصر القوة التكنولوجية المتقدمة لم تكن كافية وحدها لإدارة الأزمات الدولية المعاصرة، ورغم أهميتها النسبية إلا أنها تحتاج للقدرة على التوظيف الملائم لها.
_______________________
خبير إستراتيجي وأكاديمي مصري

مقالات اخري للكاتب

التنمية العمرانية وتحدي التعديات

أثناء افتتاح العديد من المشروعات القومية فى الإسكندرية – وعلى رأسها محور ترعة المحمودية التي لم تر تطويرًا مميزًا منذ افتتاحها 1820م، كانت توجيهات الرئيس

أزمة كورونا وارتباك الأداء الدولي (2-2)

في ضوء خصائص الأزمات الدولية المعاصرة والتحديات المصاحبة لأزمة كورونا من خلال التحليل المتقدم في مقالنا السابق يمكن القول بأن: النجاحات المصرية جاءت مقارنة

كورونا وأزمة البحث العلمي في العالم

​يعد البحث العلمي ركيزة التحديث والتطور في الدول والمجتمعات، فالدول المتقدمة تبلغ من خلاله صدارة اقتصادية وعسكرية وعلمية، وهو المخرج للدول النامية للحاق

كورونا ومجتمع المخاطر العالمي

أثارت جائحة كورونا الفكر الاجتماعي فاستدعت نقاشات علمية حول مجتمع المخاطر تهديدًا للمجتمع الإنساني، وفي مقال حديث ومهم للدكتور أحمد زايد علي، استدعى نظرية

المجتمع المدني ومواجهة جائحة "فيروس كورونا"

منذ إعلان منظمة الصحة العالمية عن هجمة فيروس "كورونا" بأنها "جائحة عالمية" في 12/3/ 2020، فإن هذه الأزمة الصحية العالمية سوف تحدد معالم المستقبل للمجتمع

مادة إعلانية

[x]