الأمم المتحدة المستبد الأكبر

31-7-2020 | 00:42

 

قبل 75 عاما تأسست منظمة الأمم المتحدة بهدف حفظ الأمن والسلم الدوليين، والدفاع عن حقوق الإنسان ودعم الحوكمة السياسية الرشيدة والتنمية البشرية والاقتصادية، وتنظيم مساعدات إنسانية في حالات الكوارث والصراعات والأوبئة، و حماية الطفولة و المساواة بين الجنسين وقضايا أخرى كثيرة.

ويتكون جهازها الرئيسي من الجمعية العامة و مجلس الأمن والمجلس الاقتصادي والاجتماعي و محكمة العدل الدولية ، وفي عضوية الأمم المتحدة اليوم ١٩٣دولة تشكل الجمعية العامة على قاعدة التمثيل المتساوي لكل دولة صوت بغض النظر عن حجمها، ولذلك أصبح لمجموعة دول صغيرة تشكّل خمسة في المائة من سكان العالم ثلثي أصوات الجمعية العامة وبإمكانهم بالتالي تحديد جدول أعمالها وتوجّهاتها.

كما تم إنشاء مجلس الأمن ليكون بمثابة حكومة عالمية لها سلطة ملزمة، بخمسة أعضاء دائمين هم المنتصرون في الحرب العالمية الثانية، الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا ويتمتع كل منهم بحق "الفيتو" أي الاعتراض على أي قرار في المجلس، مع أعضاء غير دائمين يستبدلون كل سنتين يقتصر دورهم على إلقاء الخطابات، ولكن بريطانيا وفرنسا لم تعد تلك القوى العظمى فقد تجاوزتهما اقتصاديا الهند واليابان وألمانيا وهناك البرازيل على الطريق، أي لم يعد هناك مبرر لاستئثارهما بحق الفيتو.

ومنذ أحداث 11 سبتمبر، وضعت الإدارة الأمريكية مجلس الأمن أمام أحد خيارين إما إقرار الخطوط العامة لسياستها، أو تجاوز وجوده؛ وبذلك نصبت نفسها بكل المعاني فوق هذا المجلس، في هدم منهجي للأسس التي قامت عليها الأمم المتحدة، فكيف يمكن أن ينتظر المرء قرارا أمميا ديمقراطيا وعادلا؟ وحق الفيتو للدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن يعني باختصار أن تمارس الدول الخمس وحلفاؤها ما يريدون من بلطجة سياسية وعسكرية في العالم دون حسيب أو رقيب؛ لأن النظام الدولي الأخرق يحمي هذه الدول، بل ويحمي حلفاءها أيضا.

من ثم فقد انتهت صلاحية الأمم المتحدة، ولابد من نظام جديد إن أرادت البشرية إقرار الحق والعدل في العالم، وحتى الفيتو فقد كان في زمن مختلف بعد الحرب الباردة وبعد زوال المعسكر الاشتراكي، وتبدل الصين إلى دولة رأسمالية، يعد الفيتو شططا متعمداً تستخدمه الدول الكبرى في ظلم الشعوب فمنذ عدوان 5 يونيو 1967 وحتى يومنا هذا، استخدمت الإدارات الأمريكية التي تعاقبت على السلطة في واشنطن حق النقض “الفيتو” أكثر من ثمانين مرة ضد مشاريع قرارات عربية وإسلامية ودولية طالبت بإدانة إسرائيل على الممارسات العدوانية ضد العرب عامة والفلسطينيين خاصة، وتأييد الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، في حين صوّتت ضد عشرة قرارات تنتقد جنوب إفريقيا وثمانية تتصل بناميبيا وسبعة تتصل بنيكاراجوا وخمسة أخرى تتعلق بفيتنام، كما أن العقوبات التي فُرضت على الشعب العراقي كانت أبشع جريمة منظمة، معدة مسبقاً، وصلت إلى درجة الإبادة الجماعية.

وفي المحصلة فقد أثبتت السنوات الأخيرة أن منظمة الأمم المتحدة بتركيبتها الحالية مشلولة سياسيا وضارّة أخلاقيا وإنسانيا لأنها تمنح غطاء شرعيا لأنظمة ديكتاتورية عندما تقبلها في عضويتها وتمنح مندوبيها منبرا يرددون فيه أكاذيبهم بلا خجل، وبشكل عام فإن منظومة الأمم المتحدة بأكملها منظومة عنصرية  ابتدعتها الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية لتحقيق مصالحها، وهي لا تمت بصلة إلى الأسماء الكاذبة المخادعة التي تحملها منظمات الأمم المتحدة، ف مجلس الأمن لا علاقة له بالأمن في العالم من قريب أو بعيد  و محكمة العدل الدولية هي أكثر المحاكم ظلما وعنصرية، وإلا فلماذا لا تحاكم القتلة والمجرمين في العالم كقادة "إسرائيل"؟

والمشكلة أن عملية إصلاح المنظمة ليست بالأمر السهل، لأن ميثاقها يشترط لإقرار أي تعديل على آلية عملها موافقة الدول الخمس التي تملك حق الفيتو، لذلك يبدو من الأجدى حلّ هذه المنظمة وإنشاء هيئة بديلة عنها لا يتمكن من دخولها إلا الدول التي تتحقق فيها معايير مقبولة من الديمقراطية والحكم الرشيد دون أن تستحوذ أي دولة على حق الفيتو في قضايا حقوق الإنسان والجرائم ضد الإنسانية، ومثل هذه الخطوة ليست مستحيلة، ومن بين الاقتراحات زيادة أعضاء مجلس الأمن ، وذلك بتوسيع وتوازن عضويته، حتى يساعد على انعكاس كل المصالح المهمة في العالم، أو استبدال الأغلبية المطلقة للأعضاء الدائمين بثلاثة أو أربعة أعضاء دائمين فقط في المجلس، ومنها كذلك تحديد استعمال الفيتو، بحيث يطبق على المسائل الخاصة بالتسوية السلمية للنزاع وقبول دول جديدة في المنظمة الدولية.

والغريب أن كلمة الديمقراطية لم ترد بشكل مباشر في ميثاق الأمم المتحدة لكي تصبح مع الممارسة هي المستبد الأكبر.

مقالات اخري للكاتب

حروب الرزق

رحم الله المخرج علي رجب، ولا غفر لمن قتلوه بالقهر والإفقار في حروب الرزق، ومثله كثيرون يمنعهم الحياء من البوح بحاجتهم للعمل وهم في كامل لياقتهم المهنية،

الرأي العام الإلكتروني

أظهرت الأيام الماضية وما قبلها قوة السوشيال ميديا وصحافة المواطن فى إثارة القضايا ونشرها على نطاق واسع يتجاوز قدرات ومهارات وإيقاعات وسائل الإعلام والصحافة

إفريقيا الأخرى

لاتزال إفريقيا مخزن حكايات وسرديات شعبية تجذبنا دائمًا إلى طبيعة الأدغال والغابة والنهر والطبيعة الاستوائية، فضلًا عن طبيعة الإفريقي نفسه العاشق للألوان

الدين الرابع المزعوم

الفكرة ببساطة تقوم على جمع الناس تحت راية لا يختلف عليها اثنان، من خلال جمع أهم التعاليم المشتركة بين الديانات السماوية الثلاث، ونبذ مواطن الاختلاف بينها، ووضعها فى قالب جديد يسمى الدين الإبراهيمي، بهدف تجريد الديانات من خصوصياتها وحدودها.

تربية الأبناء مشروع مصر القومي

هناك جيل كامل ضايع ولا يعرف شيئا عن التربية والأخلاق والنخوة.. جيل كامل من بنات وولاد حياتهم في انحلال كامل وكل شيء مباح من مخدرات لعري لسهر .. والأهالي لا يريدون حرمانهم وهي رسالة بأن كل الأمور سهلة ومباحة نسوا الدين، والتربية وأسموها "عقد".

الثورة الإصلاحية الصامتة

ما أعلنه الدكتور طارق شوقي هو ثورة إصلاحية للتعليم ستنقل مصر نقلة جبارة، وهي الأساس الحقيقي لأي نهضة وأي إصلاح، وفي تصنيف دول العالم بالنسبة لجودة الطرق

التنسيق وعلوم المستقبل

عادة ما يهرول الطلاب وأولياء أمورهم لما يسمى بكليات القمة دون التحسب للمستقبل وما يتطلبه سوق العمل والنصيحة لخريجي الثانوية العامة هذا العام: أهم الكليات

ثغرات في قانون التصالح

أثار قانون التصالح جدلاً كبيراً فى الشارع المصرى بين مؤيدٍ ومعارض وذلك لاحتوائه على حلول لأزمات عديدة تؤرق الشارع المصري، كما أنه لا يخلو من بعض العيوب. وقد عانت مصر على مر العقود الماضية أزمة التوسع العشوائى، الأمر الذى جعلها تحتل المركز الأول عالمياً فى معدلات التصحر عقب أحداث يناير 2011.

قوة مصر الاحتياطية

مصر أصل الدنيا ومبدأ التاريخ وهي كنانة الله في أرضة وسميت بأم الدنيا ليس تباهياً ونعرة لكنها حقيقة نحن أصل العرب بسيدتنا هاجر أم العرب وأصل التاريخ بحضارة عظيمة لقدماء المصريين بل وهناك أقاويل أنه عندما هبطت الملائكة إلى الأرض لجلب طينة البشر كان من ضفاف نيلها الأبي.

حدود الدور المصرى الإقليمي

يوما ما كشفت دبلوماسية أمريكية رؤيتها لمصر بقولها نريدها كقطعة الفلين كبيرة الحجم خفيفة الوزن تطفو ولاتغرق.

الانتخابات إليكترونية وإن طال الزمن

بغض النظر عن كل الملاحظات التي صاحبت انتخابات مجلس الشيوخ ونسب المشاركة، فقد كانت انتخابات نصف إليكترونية؛ بمعنى أن المرشحين لم ينزلوا للناس، ولكن تعاملوا معهم عن بعد من خلال الدعاية الرقمية واللافتات، وطال الزمن أم قصر

شبهات الإفراط في الحصانة

ربما يكون الإفراط في تحصين النواب من مجرد الملاحقة القانونية على جرائم ليس لها علاقة بموقعهم كنواب يثير من الشبهات أكثر مما كان يستهدفه المشرع من حماية

مادة إعلانية

[x]