حياة تبحث عن حياة!

30-7-2020 | 00:49

 

قد يستغرب الكثيرون، لماذا هذا التزاحم لإطلاق رحلات نحو المريخ في خلال شهر واحد؟، أما كان من الأولى استكشاف المجهول في مناطق كثيرة من الكرة الأرضية؟، أليس من الأولى توجيه مثل هذه المليارات لتحسين حياة البشر على الأرض؟


قد تبدو هذه التساؤلات وجيهة لدى البعض، لكنها في الواقع تعكس قصورا في فهم المستقبل، فهذا السباق المحموم نحو الكوكب الأحمر، بمشاركة دولة عربية، ليس ترفا كما قد يُظن، ففضلا عن إنه نقطة مضيئة في سنة الكورونا الحالكة، يكمن وراء ذلك حلم أكبر يتمثل بالمساهمة في مغامرة الاستكشاف البشري للمريخ، والذي قد يتوجه إليه الإنسان بعد 20 أو 30 أو 40 عاما.

فهل تخيلنا يوما كيف ستكون الحياة في المستقبل، تكفي الإشارة فقط إلى تقرير أعده مجموعة من علماء المستقبل، يكاد يُجزم أن قضاء عطلات في الفضاء سيكون أمرا طبيعيا بحلول عام 2069، وأن الطريقة التي نتحرك بها في عالم اليوم ستتغير تماما، وستكون الاختناقات المرورية شيئا من الماضي بفضل سيارات الأجرة والحافلات الطائرة، وأن هناك صواريخ قابلة لإعادة الاستخدام ستطير بسرعة عالية فوق الغلاف الجوي الأعلى للأرض "فوق طبقة التروبوسفير " ستختصر زمن السفر بين لندن ونيويورك إلى أقل من 30 دقيقة!.

لكن لماذا تحديدا السباق نحو المريخ في هذا التوقيت؟

الإقبال على استكشاف المريخ ليس أمرا مستجدا، فهو أقرب كوكب للأرض ، ويشكل منجما علميا حقيقيا، واستقبل منذ الستينيات في مداره أو سطحه عشرات المسبارات الآلية الأمريكية، فشل الكثير منها، لكن منذ مطلع هذه الألفية ومع اكتشاف آثار قديمة للمياه السائلة على سطحه، زادت جاذبية استكشافه وتحولت إلى أولوية في مهمات استكشاف الفضاء، أملاً برصد مؤشرات حياة سابقة على سطحه وتحضيرا لإرسال مهمات مأهولة مستقبلا.

واختير موعد ليل الأحد الماضي 20 يوليو لإطلاق " مسبار الأمل " الإماراتي يحمله صاروخ ياباني، لأن الدورة الفلكية لا توفر إلا إمكانية إطلاق وحيدة كل 26 شهرا، حين تكون المسافة بين المريخ والأرض أقصر من العادة ما يجعل الرحلة أسهل، وتكون المسافة عندها 55 مليون كيلومتر تقطع ذهابا في غضون سبعة أشهر بدلا من تسعة، ما يعني أنه سيصل إلى مدار المريخ ويبدأ مهمته في فبراير المقبل، وبالتالي فإن فشل إطلاق المركبة كان سيتطلب الانتظار لعامين آخرين.

وتهدف رحلة "الأمل" التي ستستغرق فوق المريخ عاما كاملا، إلى تحقيق عدة أهداف علمية، أهمها تقديم أول صورة كاملة للغلاف الجوي للمريخ، وقد صممه العلماء للسماح لهم باستكشاف "نهاري" أو الدورة اليومية لكوكب المريخ.

وهناك هدف رئيسي آخر هو تقديم رؤى جديدة ومفيدة حول كوكب المريخ وزيادة فهمنا لكيفية ولماذا يكون المريخ غير صالح للسكن للبشر، ولماذا لا يحمينا غلافه الجوي بنفس الطريقة التي يحمينا بها الغلاف الجوي على الأرض، والأهم من ذلك كله بالنسبة للإمارات توسيع قطاع العلوم والتكنولوجيا لتحويل البلاد إلى اقتصاد قائم على المعرفة مع انخفاض الطلب العالمي على النفط، والأكثر أهمية من ذلك أن الإمارات لديها خططا أكبر في الفضاء، إذ ترغب بإقامة أول مستوطنة بشرية صالحة للسكن على سطح المريخ بحلول عام 2117.

وبعد إطلاق مسبار الأمل بثلاثة أيام، أطلقت الصين أول رحلة لها إلى سطح الكوكب الأحمر مع مهمة "تيانوين" وتعني "أسئلة إلى السماء"، بهدف تقييم المكونات المعدنية للصخور على سطح المريخ، والبحث عن أي ماء مُجمد فيها، ويمثل بحث التربة نصف المهمة، لأن السفينة التي تحمل المركبة إلى المريخ سوف تدرس الكوكب من المدار، باستخدام معدات تعمل بالاستشعار عن بعد.

أما أكثر هذه المهمات طموحا فهي الأمريكية "المريخ 2020" التي من المخطط إطلاقها اليوم الخميس 30 يوليو، وتحمل اسم "المثابرة" في أول رحلة ذهاب وعودة مرة أخرى إلى الأرض، وستتركز مهمة المركبة بصورة أساسية في العودة إلى الأرض محملة بصخور من المريخ، وتشكل هذه المهمة محطة أساسية في البحث عن آثار للحياة على هذا الكوكب.

وكان من المقرر إرسال مهمة رابعة روسية-أوروبية، تحمل اسم "إيكزومارس" مع مسبار حفار، لكن المهمة أرجئت إلى العام 2022 بسبب جائحة كوفيد-19.

أما عن إطلاق رحلات بشرية مأهولة إلى المريخ، فوحدها أمريكا التي بدأت دراسات جادة حول جدوى مغامرة كهذه، ويقتضي ذلك تصميم مركبات قادرة على الإقلاع من كوكب المريخ للعودة إلى الأرض، وهو ما لم تتوصل له التقنيات البشرية بعد، ما يعني أن هذه المهمة لن تتم على الأرجح، في تقدير العلماء، قبل 20 عاما.

وهكذا تحاول دول كثيرة أن تسجل نقاطا في تسريع الخطى نحو المريخ، في استعراض للقوى وساحة معركة جديدة من نوع خاص بين الدول، كما هو الحال بالنسبة للقمر، لتفرض نفسها قوة علمية وفضائية كبرى، ورغم غياب الدليل على وجود حياة لكائنات حية على سطح المريخ، يتوقع الباحثون أنه ربما تكون الحياة مخفية تحت سطحه.. إنها بلا شك حياة تبحث عن حياة!

شارك برأيك

توقع من سيتوج بكأس الأميرة الإفريقية ؟

مقالات اخري للكاتب

تجارة "بصمات الأصابع".. و"قراءة العقول"!

تجارة "بصمات الأصابع".. و"قراءة العقول"!

لقاح فريق الأحلام!

لقاح فريق الأحلام!

السيد "روبوت" العاطفي!

أصبحنا نُفضفض "أون لاين" ونحكي مشاكلنا "أون لاين" ونبحث عمن "يطبطب" علينا "أون لاين"، مع إن أقرب الناس إلينا في الغرفة المجاورة هم الأولى بذلك، ولولا وسائل

ويسألونك عن القيلولة!

من يعود بالذاكرة إلى مظاهر حياة المصريين قبل عقود مضت، سيجد أن من بين العادات الصحية التي سلبتها دوامة الحياة هي "نوم القيلولة"، فقد كان مشهدا يوميا مألوفا رأيناه في الآباء والأجداد..

ملابس المستقبل .. ذكية!

"ملابسنا تحددنا" مقولة مهمة للأديب عباس العقاد، بمعنى أنها تكشف عنا وتوضح هويتنا، ويؤثر عن أحد الفلاسفة قوله " الملابس تؤثر على مشاعرنا وأمزجتنا"..

مسافر زاده الخيال!

كل إنسان فى داخل عمره، عمر "تانى"، تتراجع معه سنوات عمره للوراء فى لحظات السعادة، وقد يتجاوز سنوات عمره الحقيقى حين تُعجزه مطالب الحياة، أو تصدمه ردة فعل من كان ينتظر منهم فقط حفظ الجميل، وليس رده ..

أول روبوت "صحفي"!

هل تتذكرون "صوفيا"، ذلك الروبوت الذكي الذي يفكر ويتكلم ويجري حوارات مفتوحة.. في إحدى حواراتها سألها مذيع سؤالا، ربما رآه البعض ساذجًا "هل تريدين تدمير البشر؟"، لكن ردها جاء مُفحما.. "نعم .. أريد تدمير البشر!!".

نهاية عصر الهواتف الذكية!

لو عدنا بالذاكرة لـ 30 عاما مضت، سنجد أن التليفزيون والفيديو وكاميرا التصوير التقليدية أو الديجتال والكاسيت والتليفون الأرضي، كانت وسائل التواصل مع العالم الخارجي في البيوت، وفي فترة زمنية قصيرة جدا جمعها الهاتف الذكي في جهاز واحد بحجم كف اليد، وبكفاءة تفوقها مجتمعة.

شريحة تغير دماغك!

قبل أن ينتهي العام الحالي بكل سوءاته، ووسط ركام الدماء والدمار والاستقطابات والتجاذبات، التي صارت مرادفًا لكلمة "نشرة الأخبار"، يأتي الإعلان عن شريحة Neuralink،

مدرسة العلاج بالدموع!

قديما قال الفيلسوف اليوناني أرسطو "إن البكاء ينظف العقل"، كما كتب شكسبير "أن تبكي هو أن تخفف من عمق الأحزان"..لكن فى الشرق نشأنا على حرمة البكاء وبأنه من "شيم النساء"، وهو ما يجافي تماما ما ذهب إليه موروثنا من الشعر والتراث العربى، بل وما ورد ذكره فى مواضع كثيرة من آيات القرآن الكريم.

حياة تبحث عن حياة!

قد يستغرب الكثيرون، لماذا هذا التزاحم لإطلاق رحلات نحو المريخ في خلال شهر واحد؟، أما كان من الأولى استكشاف المجهول في مناطق كثيرة من الكرة الأرضية؟، أليس من الأولى توجيه مثل هذه المليارات لتحسين حياة البشر على الأرض؟

حياتنا النفسية في عالم الحيوان!

حين نسمع ونرى أبناء يفرون هاربين من أمهم ويدعونها تصارع الموت وحيدة مع كورونا.. وحين نجد شخصا منزوع الرجولة يستأجر بلطجيا ليشوه سمعة زوجته "الشريفة" حتى

مادة إعلانية

[x]