أيام مع نجيب محفوظ (25)

29-7-2020 | 01:52

 

في ربيع عام 1992 وفي كازينو قصر النيل ، حيث الندوة الأسبوعية ل نجيب محفوظ ، استغربت وجود شاب أمريكي يتحدث العربية ويدعى ريموند ستوك، وفي جلسات متتالية، وعرفني بنفسه بأنه باحث أمريكي يخطط لإصدار مؤلف عن الكاتب الكبير.


سألت الأستاذ نجيب عن ستوك وهل يعرفه جيدًا، فأجاب: نعم، أعرفه منذ أن كان موظفًا في قسم النشر في الجامعة الأمريكية في القاهرة، التقينا مرات عدة، بعد ذلك عرفت أنه ترك وظيفته وعاد إلى أميركا، ثم حضر مرة ثانية إلى القاهرة وطلب مقابلتي، وأبلغني بموضوع كتاب عن حياتي، سألته: وماذا كان ردك؟.. وافقت، وهل نفذتما جلسات عمل؟.. قال: لا، التقينا مرتين فقط وسألني أسئلة وأجبته عليها، وتجنب الإفاضة في المواضيع التي سبق أن تحدثت فيها مع أحد قبله، فلا فائدة من التكرار، خصوصا أن مواضيعي متوافرة في ما كتبته وقلته في أحاديث سابقة، وللمناسبة، لقد قال لي إنه شاعر، وقرأ لي بالإنجليزية بعض القصائد، كما أنه يمر علينا أحيانا يوم الجمعة في كازينو قصر النيل ، سألته: هل حدثك في موضوع الكتاب؟.. أجاب: قال لي إنه سيكتب عني وعن القاهرة وأنا رحبت، يا عزيزي لم اختلط به كثيرا، ولكنني أشعر أنه شاب طيب ومجتهد، وكذلك فإن لغته العربية تتحسن بالتدريج.

إجابات محفوظ شجعتني على إجراء حوار مع ستوك، لأقترب مما يفكر فيه هذا الباحث، ونشرته في مجلة الوسط (العدد 13 بتاريخ 27 إبريل 1992) تحت عنوان "من هو صديق نجيب محفوظ الأميركي؟".

قال لي ستوك، إنه عمل سنتي 90 و91 كمسئول عن تزويد قسم النشر في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وهذا القسم هو الوكيل الرسمي لمحفوظ في اللغة الإنجليزية في جميع أنحاء العالم، ونتيجة للآثار السلبية المترتبة على حرب أزمة الخليج قررت الجامعة تخفيض العمليات في قسم النشر، وتم إلغاء وظيفته، وعاد إلى أميركا ليبحث عن عمل جديد، وحصل عليه في دار نشر مشهورة في نيويورك تنشر الأدب، وتم تكليفه بتأليف كتاب عن محفوظ بعد أن أبلغهم بعلاقته به، وعاد إلى القاهرة بعد أن وقع العقد مع الدار لتسليمهم الكتاب في غضون عامين، وخطط أن يكون الكتاب عبارة عن "أرى وأراقب وأصف محفوظ كمؤلف"، ورفض ستوك ما وصفته صحف مصرية آنذاك بأنه "مستشرق يؤلف كتابا عن نجيب محفوظ "، لأنه منفتح ولا يريد الدخول في الصراع الدائر بين المستشرقين وغير المستشرقين.

ولم يصدر الكتاب أبدا.. وإنما أصدر ستوك عددا من الترجمات يقول البعض إنها سبعة أعمال لمحفوظ إلى الانجليزية، وأتاح له الشغل على الكتاب المزمع الاقتراب من دوائر محفوظ الثقافية، وتحرك بحرية شديدة ما بين ندواته ومجالسه الستة:

الأحد: فندق ماريوت في الزمالك حتى استقرت في فندق شبرد..
الإثنين: فندق نوفيتيل المطار..
الثلاثاء: مركب فرح بوت..
الأربعاء: فندق سوفيتيل بالمعادي..
الخميس: الحرافيش في منزل المخرج توفيق صالح إلى أن استقرت في كازينو فلافيلو بأول كورنيش المنيل ..
الجمعة: كازينو قصر النيل .. والتي انتقلت بعد محاولة الاغتيال إلى منزل د. يحيى الرخاوي في المقطم..
ثم العودة للبيت وتناول العشاء وحبوب المنوم..
لا مناسبات ولا حضور تكريمات ولا قراءة..

أما قبل نوبل فإن البرنامج كان مختلفا، الاستيقاظ في الخامسة صباحا، فنجان نسكافيه بدون سكر، الخروج مشيا على الأقدام حتى كافيه "علي بابا"، حيث القهوة السادة وبضعة سجائر وصحف ولقاءات إعلامية غالبا، ثم العودة في العاشرة إلى المنزل، والكتابة أو القراءة حتى الواحدة ظهرا.. التقيت مرة ثانية بريموند ستوك في واحدة من ندوات محفوظ وعرفت أنه ترك دار النشر النيويوركية والتحق بمشروع فولبرايت في القاهرة..

لكن ستوك دخل في مناوشات غير مريحة مع الحياة الثقافية المصرية.. وعرفت أنه سافر إلى العراق بعد الاحتلال االأمريكي.. وقال لي صديقي الكاتب إبراهيم عبد العزيز، إنه كثيرا ما سبب احتجاجات واشتباكات في ندوة الأحد بفندق شبرد، وأن الكاتب محمد الكفراوي (صاحب كتاب حكاياتي مع العبقري نجيب محفوظ ) كان عنيفا معه ولم يرتح إليه أبدا..

ثم جاءت أزمة تصريح منسوب لوزير الثقافة فاروق حسني عند استعداده لحرق أي كتب إسرائيلية في مكتبات الوزارة في عام 2008 ونشر ستوك مقالا عن معاداة حسني للسامية، وذلك أثناء معركة منصب مدير اليونسكو.. وتم منع ستوك من دخول مصر.. وقال لي عبدالعزيز، إنه يرى ستوك شخصية مريبة، فهو يدافع عن إسرائيل وعن توجهات أميركا في المنطقة، وكان كثيرون يردون عليه بقسوة.. و نجيب محفوظ مبتلى بلقاءات غامضة من ذلك النوع، ودخل بسببها في إحراجات كثيرة.. منها عندما جاء وفد إسرائيلي فجأة ومن دون موعد الى فندق سوفيتيل المعادي، وانزعج محفوظ بشدة ورفض التصوير متعللاً بتعب عينيه من ضوء الفلاشات.. وفجأة أيضا طلب الوفد منه موعدًا ليلتقي مع السفير الإسرائيلي، ورد: رتبوا مع الأستاذ سلماوي .. وكان خلاصا ذكيًا لأنه يعلم أن سلماوي سوف يرفض بشدة، ولن يفعلها.

مقالات اخري للكاتب

القاهرة ـ الخرطوم رايح جاي

أن تستقل قطارًا من محطة مصر في القاهرة يحملك إلى الخرطوم هو حلم صعب ولكنه ليس مستحيلاً.. وهذا الحلم قديم، كما أنه فوق كل مائدة مباحثات بين الحكومتين المصرية والسودانية، حتى تلك الأخيرة في 15 أغسطس الماضي.

سيرة حمدي أحمد .. الفنان والسياسي

حياة الفنان حمدي أحمد تعد نموذجًا لشخصية أسطورية انطبعت على الأيام التي عاشها، ولم تتخل أبدًا عن سماتها المميزة، فهي مزيج من الشخصية المصرية التي تتراوح

أيام مع نجيب محفوظ (26) والأخيرة

لم يكن الأستاذ نجيب محفوظ يجيب أبدًا على سؤال يتعلق بما يكتب، ربما في مرات نادرة قديما وحديثا، ومن بين تلك المرات عندما سألته في مطلع العام 1994، وقبل

أيام مع نجيب محفوظ (24)

تشبث منتقدو الأستاذ نجيب محفوظ بسبب رواية "أولاد حارتنا" بتفسيرهم الأحادي للرواية، وهو أنها تطعن في الدين.. وكان لنقاد كثر رأيا آخر في الرواية، لأن "الحارة"

أيام مع نجيب محفوظ (23)

بعد جائزة نوبل التي لم يسافر لاستلامها، جاءت إلى الكاتب الكبير نجيب محفوظ جوائز أخرى إلى باب بيته، ففي العام 1995 زاره سفير فرنسا باتريك لوكلي في منزله،

أيام مع نجيب محفوظ (22)

في تلك الأيام من شهر أغسطس 1990 كان الصديق الأستاذ رجاء النقاش يبدأ في مقهى "علي بابا" تسجيل سيرة حياة الكاتب الكبير نجيب محفوظ، واستمر التسجيل حتى الأيام الأولى من ديسمبر 91، لتصدر المذكرات بعد ست سنوات في كتاب بات المرجع الأساسي عن حياة محفوظ.

أيام مع نجيب محفوظ (21)

حصل الأستاذ نجيب محفوظ على جوائز محلية، سرعان ما تبخرت في الصرف على طلبات عائلية، أو في عملية نصب، مثل إعلان عن مشروع سكن فيلات في المعادي على النيل، ودفع لها ألفي جنيه كانت كل قيمة جائزة الدولة التقديرية سنة 1958.

أيام مع نجيب محفوظ (20)

بعد انتهاء حفل الجمعية المصرية باستكهولم، فكرنا أنها الليلة الأخيرة في السويد، وسنكون في القاهرة غدًا، فاتخذت وبعض رفقاء الرحلة قرارًا بالذهاب لرؤية "ملكة النور".. كنا عشية عيد النور، وتوجهنا إلى منطقة إسكانسين (Skansen) لحضور احتفال (سانت لوسيا Santa Lucia).

أيام مع نجيب محفوظ (19)

عشية عودتنا إلى القاهرة أعدت الجمعية المصرية باستوكهولم برنامجًا حافلاً مساء يوم الإثنين 12 ديسمبر تحت اسم "الأمسية الثقافية بمناسبة حصول الأديب المصري الكبير الأستاذ نجيب محفوظ على جائزة نوبل للأدب لعام 1988"، وذلك في قاعة الحفلات الموسيقية في ستوكهولم.

أيام مع نجيب محفوظ (18)

سألني الأستاذ نجيب محفوظ بعد عودتي من استكهولم عن رأيي فيما جرى، وعما كتبت في مجلة "المصور" كتغطية للرحلة، وقلت له إن قراره بعدم السفر جعله "الحاضر الغائب"، وأن الاهتمام به من الصحف والإعلام كان هائلاً، وسألني عن الكلمة وتأثيرها وأداء الأستاذ محمد سلماوي فقلت له: إن الكلمة كانت شديدة التأثير..

أيام مع نجيب محفوظ (17)

أخرج الملك كارل جوستاف السادس عشر أم كلثوم وفاطمة نجيب محفوظ من حالة الرهبة في قاعة الكونسيرت في أستكهولم، بمداعبتهما عند تسليمهما وثائق جائزة نوبل في الأدب لعام 1988.

أيام مع نجيب محفوظ (16)

بخلاف بيان الأكاديمية السويدية في 13 أكتوبر 1988، والذي أعلن قرار فوز الأستاذ نجيب محفوظ بالجائزة وحيثياته، فإن مؤسسة نوبل أصدرت عشية تسليم الجائزة، ونحن هناك، بيانات أخرى عن كل الفائزين، زملاء محفوظ تلك السنة..

[x]