تراجع الصحافة

28-7-2020 | 16:12

 

كانوا يقولون قديمًا (إن لكل زمان آية، وآية هذا الزمان الصحافة) ولكن عوامل مؤثرة قد جدت على الموقف دعت الكثيرين إلى الاعتقاد بأن الصحافة الورقية تنسحب أمام التطور الإلكترونى الكاسح والثورة الكبرى فى عالم تكنولوجيا المعلومات، ولقد كان ذلك هو الشعور السائد فى العقدين الأخيرين حتى إن كثيرًا من الصحف العربية والأجنبية قد استبدلت بطبعاتها الورقية طبعات إلكترونية، كما أن بعض تلك الصحف قد ألغت طبع النسخة الورقية تمامًا مكتفية بوجود صفحات الجريدة على وسائل التواصل الاجتماعي و المواقع الإلكترونية مع توفير ضخم فى النفقات والجهود، وكأنما جاء ذلك الداء اللعين الذى حمله فيروس (كورونا) لكى تسرع الصحافة الخطى نحو الطفرة الإلكترونية مبتعدة عن الشاطئ الورقي، وهناك جيل بل أجيال ارتبطت بأوراق الصحف وأحبار المطابع وملمس الجريدة، وأنا ممن يظنون أن الصحافة الورقية وإن تراجعت إلا أنها لن تختفى تمامًا، فالصحيفة الورقية وثيقة منشورة تعتز بها الأجيال وتحرص عليها الشعوب، ولعلنا نتذكر أن الصفحة الأولى من أول أعداد ( الأهرام ) عندما صدر من الإسكندرية بعد منتصف القرن التاسع عشر لاتزال وثيقة تتناقلها الأجيال وتحرص على اقتنائها كل الشخصيات ذات الصلة بالفكر والثقافة والمعرفة، ويهمنى هنا أن أرصد عدة ملاحظات هي:


أولًا: إن الصحافة قد ارتبطت بالهوية الوطنية والشخصية القومية فـ( الأهرام ) تشير إلى مصر والعرب، و( دير شبيجل ) تشير إلى الأمة الألمانية و( اللوموند ) إلى الشعب الفرنسي، وقس على ذلك معظم النماذج التي تربط بين الصحافة ودولها وبذلك لعبت الصحافة الورقية دورًا محوريًا فى الحروب والمشكلات والأزمات جعلها بحق قاطرة الرأى العام، وصانعة الموقف الوطنى فى أحلك الظروف وأصعب الأوقات.

ثانيًا: إننى أدعى أن الصحافة المعاصرة قد سبقت صانعى القرار السياسى وأصحاب الرأى حتى أصبح لها القيادة، بسبب تمهيدها للرأى العام وقدرتها على حشد الجماهير ووضع القضايا المتعددة فى إطار شعبى كاسح، لذلك سعت الحكومات المختلفة إلى التدخل فى شئون الصحافة وتحجيم دورها بحجة التنظيم وادعاء لعبها دورًا قد لا يكون على هوى بعض الحكومات، وبذلك وصلت درجة الشطط إلى حد تأميم بعض الصحف ومصادرة بعضها الآخر أو الإغلاق المؤقت لعدد منها، ولذلك كان للصحافة ضحايا حقيقيون بل شهداء معروفون، فصاحبة الجلالة ليست مهنة سهلة أو نزهة يسيرة بل قد تكون واحدة من أصعب المهن على الإطلاق، لأن غول المطابع يلتهم الكلمات ولابد أن تسعفه صفحات دون إبطاء أو تردد، فالقارئ ينتظر، والأخبار تتوالى، والتحليلات تتزاحم، والمهنة لا ترحم.

ثالثًا: إن التقدم فى تكنولوجيا المعلومات لا يصيب الصحف وحدها بل إن تأثيره على عالم الكتاب قد يكون أشد شراسة وأقوى تأثيرًا، والذين قالوا عبر القرون (إن خير جليس فى الزمان كتاب) عليهم أن يراجعوا الآن هل هو الكتاب الورقي؟ أم الكتاب الإلكتروني؟ ويجب أن أعترف بأن هناك متحمسين للصحافة الإلكترونية خصوصًا بين الأجيال الجديدة التى تعودت فى سنواتها الأخيرة على أن تقلب الصفحات الإلكترونية فتقرأ الكتب والصحف وتتابع الأخبار دون عناء يدعوها إلى شراء الصحف أو البحث بين الكتب، خصوصًا أن الطبعات الإلكترونية من كل الإصدارات قد أصبحت متاحة وبأثمان زهيدة.

رابعًا: إن تطور الصحافة بل تطور الكتابة عمومًا هو جزء لا يتجزأ من التحولات الكبرى فى العالم والأنماط الجديدة التي طرأت على الحياة، ولقد توجس البعض خيفة من أوراق الصحف مع ظهور وباء كورونا وشاع بينهم خطأً أنها يمكن أن تكون مصدرًا للعدوى، حتى إننى أعرف كثيرًا من الأصدقاء قد أحجموا عن شراء الصحف واكتفوا بالقراءة الإلكترونية، ولم يكن ذلك تصرفًا عقلانيًا ولكنه جاء تحت تأثير الذعر الشديد من ذلك الوباء اللعين وسرعة انتشاره وغموض أسبابه، والتفسير التآمري في نشأته، والصراع الدولي سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا حول الخلاف القائم حاليًا بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية الذى نتوقع له أن يزداد شراسة ووضوحًا فى العقود المقبلة واضعين فى الاعتبار أن روسيا الاتحادية حليف تاريخى للصين لا يختلف معها إلا ظاهريًا ولكن الجوار القومى الطويل جعل بينهما من أواصر الصلات ما يحول دون التأثيرات الوافدة فى العلاقات الدولية المعاصرة.

خامسًا: إن الذى حدد المسار الحقيقى للصحافة الحديثة والتطور الهائل الذي طرأ عليها هو نفسه الذى فتح الأبواب أمام الصحافة الإلكترونية لكى تكون بديلًا لماضيها وامتدادًا لها، لذلك فإننا نرى أن وراثة الأساليب الإلكترونية للكتابات الورقية هى تطور طبيعى للأشياء، ونتوقع ألا يقضى أحدهما على الآخر، بل أن يظلا على خط متوازٍ تحتل فيه الكتابة الإلكترونية المساحة الأكبر ولكن يبقى وجود الصحافة الورقية محتفظًا بجزء من مكانته رغم كل الظروف.

لاحظنا من النقاط السابقة أن تراجع الصحافة الورقية هو نمط من أنماط التطور الطبيعي، وأننا لا نستطيع أن نوقف حركة التاريخ ومسار التطور، ولا شك أن الإنسانية قد واجهت منعطفات شبيهة يوم أن انتقلنا من الكتابة اليدوية الخالصة إلى استخدام الطباعة بعد اختراعها إيذانًا بالانتقال من مرحلة المخطوطات إلى مرحلة الكتب، ولن يستطيع جيل معين أن يوقف حركة التاريخ أو يعدل مسار التطور.. فمرحبًا بالصحافة الإلكترونية على أوسع نطاق، شريطة أن تبقى الصحافة الورقية ولو على نطاق أقل لأنها تعبير عن أجيال مازالت ترتبط بها، وتتحمس لها، وتدافع عنها.

نقلا عن بوابة الأهرام

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]