[x]

آراء

لن ينال السلام إلا القادر على الحرب

27-7-2020 | 16:06

لا مراء فى أن الحرب ليست من المرغوبات ، كما أنها لا تقف فى مقدمة قائمة الخيارات مادامت وجدت البدائل التى لا تغنى عنها ، ومما لا يغنى عنها أن تكون حرب ضرورة ، تدعو إليها ضرورة أو ضرورات لا محيص عنها ولا بديل لها.


فى شأن القتال حدثنا القرآن الحكيم فقال :« كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يعلم وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ » ( البقرة 216 ).

والقتال يكون مكتوبًا حين يكون «ضرورة» ، ويكون ضرورة حين يكون مفروضًا والقعود عنه تفريط .. ويرجح أن يكون «ضرورة مفروضة» حين يكون دفاعًا ، فالعدوان بكل المقاييس لا ضرورة فيه .

لذلك دلّت دروس التاريخ على أن حرب الضرورة يكون النصر فيها لمن فرضت عليه الضرورة إذ لا خيار له إلاَّ النصر، وبديل النصر فى حرب الضرورة ـ هو الضياع وربما الاندثار . لذلك فإن الضرورة تمنح العزم والإصرار والثبات والبذل والفداء .

أقول هذا لأنه واضح للعيان أن مصر مستهدفة، شرقًا وجنوبًا وغربًا، أتاها الإرهاب من الشرق ، وحققت عليه نصرًا ملحوظًا فى سيناء يقى البلاد من غائلته، ويأتيها الخطر من الجنوب ممثلاً فى السد الإثيوبى ، ولا يعنينى تبرير إثيوبيا لسدها بأنه سد النهضة ، وهو تعبير مضلل لإجازة ما لا يجوز ، فإثيوبيا لديها من الماء فوق الكفاية بكثير ، وتعلّة الكهرباء فيها قدر كبير من الافتعال ، حالة كون محطات توليد الكهرباء والطاقة جاوزت المائة بكثير فى إثيوبيا ، ثم إن توليد طاقة إضافية لا يحتاج إلى أكثر من اندفاع الماء لتشغيل التوربينات ولا يحتاج إلى ملء ما وراء السد ، إلاَّ أن يكون الهدف تعطيش مصر ، وتهديد الحياة فيها ، ضمن مخطط يبدو واضحًا من تعدد خيوطه وتنوع أساليبه لإضعاف مصر وتقويض ما غدت تحققه فى جميع المجالات .

والخطر القادم من الغرب يهدد الأمن القومى للبلاد، ويفتح عليها نار إرهاب مصنوع مدفوع على ليبيا ليندفع منها إلينا عبر الحدود الطويلة المشتركة ، ولا يمكن لمراقب سياسى أن يتجاهل سكوت الولايات المتحدة عن اتخاذ خطوات جادة فاعلة ومؤثرة ـ وهى تملكها ـ لوقف التمدد التركى فى سوريا والعراق، وفى ليبيا ، فضلاً عن التعدى على حقوق قبرص واليونان فى مياههما الإقليمية بقصد الاستيلاء على الغاز الطبيعى الموجود فيها إضرارًا بحقوق الدولتين ، واكتفاء الولايات المتحدة باعتراضات شكلية كلامية لا تعنى إلاَّ أن ما تفعله تركيا يوافق هواها .

كان من المؤسف، ولا يزال، أن معظم الأنظمة العربية قد تركت الآخرين يعتقدون أنها فقدت القدرة ومعها النخوة، وباتت وهى التى تدعم بنوك الغرب وشركاته الكبرى بأموالها، مكتفية بالفتات، مما لا موضع له فى دنيا السياسة، ولا فى حق الأوطان فى رعاية مصالحها بالعزة والكرامة .

والسؤال: لماذا تجرأت تركيا لتعبث هذا العبث المتعدد فى سوريا والعراق وليبيا، ولماذا اطمأن مؤيدوها إلى أن ما ترتكبه من أوزار سيمضى إلى غايته ودون حساب، ولماذا تجرأت إثيوبيا على تعطيش مصر وتهديد الحياة فيها ، ولماذا اطمأنت ومؤيدوها الظاهرون والمستخفون إلى حيازة التأييد بل التمويل من دويلة قطر التى تحالفت معها بأموالها وما أتاحته من قواعد على أرضها للولايات المتحدة ، ثم ل تركيا لتهدد منها جيرانها وتفرض دعمًا لمخططاتها فى سوريا والعراق، وأخيرًا فى ليبيا! ولماذا تتغطرس إسرائيل ، وتمضى مع تهويد الدولة ، فى سعيها للاستيلاء على كامل فلسطين ، وتشريد شعبها ، والإعراض عن كل مساعى السلام القائم على العدل؟!.

هنا تشرئب القاعدة: لن ينال السلام إلاَّ القادر على الحرب .

هذه القاعدة ليست دعوة إلى الحرب ، بل هى إعمال لقاعدة لا تفوت أن احتياز أسباب القوة والمنعة، وأسباب التصدى والردع ، والقدرة من ثم على الحرب ، هى التى تحقق السلام للقادر عليها، وافتقادها يجعله نهبًا لأطماع الغير وتغوّلاته على حقوقه بل مصيره .

الإقناع بالقدرة على الحرب ليس طنطنة لفظية ، ولا أقاويل استعراضية ، إنما بما أعدته الدولة ـ وقد أعدت مصر ـ من قوات مسلحة كفئة ومتميزة فى البر والبحر والجو، وقادرة على أن تخوض الغمار وتحمى وطنها وشعبها .

يذكرنا ذلك بالآية القرآنية التى تحث على إعداد القوة لاحتياز القدرة على الدفاع ومواجهة والتصدى لأطماع الطامعين.

يقول القرآن الحكيم:«وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ..» (الأنفال 60).

هذه الآية تعبير إلهى عن قاعدة أنه لا ينال السلام إلاَّ القادر ـ بما أعد من قوة ـ على الحرب ، بإثناء العدو الظاهر والخفى عن استسهال الطمع والتغوّل على حقوق غيره ومصيره، بل حياته نفسها!.

مصر تدعو إلى السلام ولا تحيد عن هذه الغاية. ولكن مصر قادرة على الحرب وهى أكثر قدرة عليها حين تكون ضرورة مفروضة عليها. وستحيا مصر، ولو رغمت أنوف!.

نقلا عن صحيفة الأهرام

الاكثر قراءة

مواقيت الصلاة

اسعار العملات

درجات الحرارة