المشروعية أو النضوج فى سياسة مصر الخارجية

27-7-2020 | 16:05

 

لو تأملنا ما يحدث حولنا، فسنجد أن ما تواجهه مصر الآن هو أخطر المواجهات، بل إنه الفارق بين سلام نريده، ونسعى إليه، من أجل بناء دولة وإنسان، وبين حرب يريد الآخرون أن يعودوا من خلالها إلينا، وإلى منطقتنا بأكملها. لقد كانت آفة السياسات المصرية، قبل عام1967، أنها فتحت الباب للتدخل فى الشأن الداخلى للبلاد فى اتجاهات عديدة.


وقد اغتنمت الفرصة لقراءة كتابين لوزير الخارجية الأسبق, أمين عام جامعة الدول العربية الحالى، أحمد أبوالغيط ، الذى كان شاهدا على عصره، واستطاع أن يكتب بجدارة عن دوره فى كتابين، الأول عن الحرب والسلام، وكيف وصلت مصر إلى ما تريد؟ وكيف يجب أن نحافظ عليه؟ ثم شهادته عن سنوات عمله وزيرا للخارجية، وبسبب المساحة المتاحة للمقال، فقد سقط جزء مهم فى المقال السابق من هذه الشهادة، وهو رصد التحولات المصرية، والاستعدادات العسكرية والدبلوماسية، حتى لا تتكرر 1967، أو غيرها من السقطات، وقد أجاب فيها عن كيف نستطيع الوقوف ضد أطماع دول وحكومات ومؤسسات كبرى فى عالمنا، ونحن لا نملك إلا إمكانات محدودة؟.. وكيف لنا أن نحقق أهدافنا ونحن، كما يتصور العقل الغربى، نعمل تحت نظام وحكم الرجل الواحد، أو كما يطلقون عليه إرادة ونزوات حاكم ذى نفوذ سياسى مطلق، وتلعب معه الحكومة دور السكرتارية التكنوقراطية التى تنفذ توجيهات الرئيس، ولم تكن مصر، وقتها، محكومة بنظام سياسى يعمل على أسس من المراجعة، والتوازنات، والمراقبة الشعبية، بل كانت دولة يرأسها فرد واحد يملك سلطات؟ متناسين أن درس1967 فرض على الوطن بناء مؤسسات عسكرية على أحدث مستوى عالمى، وتغييرا فى النظام السياسى، جعل لدينا مؤسسات عالمية، مثل أجهزة وزارة الخارجية، والدبلوماسية المصرية، وأجهزة المعلومات والمؤسسات الأمنية، وهى تعمل وفق أحدث الأساليب والتقنيات فى جمع المعلومات، وقياس الرأى العام، واختيار أفضل وأدق القرارات التى تصنع النصر، وتواصل الحفاظ عليه.

إن ما تحقق لمصر بعد 1973يثبت بما لا يدع مجالا للشك قدرة المؤسسات على استيعاب الواقع المحلى، والإقليمى، والدولى، وتغييره لمصلحة الدولة، باستعادة حقوقها كاملة، واتخاذ مبادرات سياسية فاقت فى خيالها أخصب عقول ودارسى العلوم السياسية فى عالمنا، وكان لها النصيب الأكبر فى إدارة صراع الحرب والسلام، وليس من خلال الإرادات الفردية، كما يتصور البسطاء، أو أصحاب التحليلات الغربية، أو ذوو المفاهيم، الذين لم يستطيعوا أن يعطوا لأنفسهم بعض الوقت لدراسة الواقع المصرى المختلف، فنظام مصر، ليس كما يتصورون، بأنه لا يملك بنية سياسية، فهذا غير صحيح، فهو يملك مثل هذه البنية السياسية التى تتناسب مع ظروف مصر ، وقادرة على حماية المصالح، والهوية المصرية أيضا؟

وعلى الذين يحاولون البحث فى ذلك أن يعيدوا قراءة الواقع المصرى بعد2011، وكيف تدخلت قوى عديدة فى الشأن الداخلى للدولة بمساعدة جماعة الإخوان المسلمين، وقد تصور الجميع فى منطقتنا أنهم استطاعوا السيطرة على مقاليد الأمور فى مصر، واتجهوا إلى تغيير الهوية المصرية، ثم تفريغ المؤسسات الأمنية والعسكرية الوطنية من مضمونها المصرى العصرى، وتحويلها إلى مضمون فئوى، أو دينى، أو متعصب، وسرعان ما وجدوا هبّةْ الشعب ومؤسساته للدفاع عن الهوية المصرية، برغم التفكيك الذى حدث لمؤسسة الشرطة، ولكن قوة مصر وقدرتها برزت أمام الرأى العام المحلى، والإقليمى، والدولى، وسرعان ما استعادت الدولة المصرية- بعد بُرهة لا تُحسب من عمر الزمن- توازنها القارى، والإقليمى، والعالمى، مما يشبه المعجزة السياسية، التى قلبت الموازين، وغيّرتْ الواقع الإقليمى إلى ما يحدث الآن، وذلك دون بنية أساسية للنظام السياسى المصرى، حيث شاركت مؤسسات ثقافية، وتعليمية، وعلمية متنوعة، وقادرة على الفهم والتحرك، وذلك حدث بوعى من المجتمع، وقدرة من المؤسسات، فظهرت للوجود اليوم دولة قوية متكاملة المؤسسات، تقف بوضوح لكل المحاولات التركية والقطرية المستميتة لإعادة جماعات الإخوان والتطرف إلى الواجهة السياسية، أو السيطرة على ليبيا، ومحاولة تفكيك العالم العربى إلى أكثر من دولة، وتسهيل سيطرة تيارات متأسلمة على أجهزة الحكم فى مختلف الدول العربية.

لقد وجدنا الأتراك الأردوغانيين المتأسلمين، وقد خدمتهم حالة الفراغ المصرى، بل والعالمى والأمريكى وتعاون قطاعات من مجتمعنا، وجماعات متطرفة، معهم، يقومون بصياغة نظام سياسى جديد (أطلقوا عليه الخلافة السنية)، متناسين أننا دولة مصرية حديثة، تدرك معنى الدين، المسيحى أو الإسلامى، بعمقه التاريخى، وأنهم لا يستطيعون تغييب شعبنا مرة أخرى تحت هذه المفاهيم المغلوطة، والثقافات المستوردة السطحية، إلا من خلال العملاء والمتآمرين الذين اعتادوا السيطرة، سواء من العنصر التركى أو الفارسى الإيرانى، حيث تتنافس الدولتان الإقليميتان الكبيرتان على السيطرة على الإقليم العربى، تركيا من خلال خلافة إسلامية أردوغانية، صاغها حزب متطرف للسيطرة على الدولة هناك بمسميات الديمقراطية، ثم سرعان ما فَرَّغَ تركيا كلها من هذا المفهوم، وإيران بحجة حماية الطائفة الشيعية، وقد استولت على لبنان وسوريا ، وأدخلت العراق فى الحرب الأمريكية تحت نفوذها وحزامها السياسى، واتجهت للحرب فى اليمن، ومحاولة التمركز فى البحرين، والتأثير على وضع دول المغرب العربى تحت ظلال أحزاب دينية إسلامية ، تمت عسكرتها بالميليشيات، ولنا أن نتخيل ما كان يمكن أن تواجهه مصر لو أنها الآن محكومة بتيارات الإخوان المسلمين، وتأثير ذلك على مستقبل الإقليم العربى كله.

إن سياستنا الخارجية، وقد اتسمت بالحذر الداخلى، وبناء مؤسسات مختلفة، وجيش قوى، هى التى تجعلنا الآن نقف على أرض صلبة ضد التدخلات التركية لإعادة احتلال الإقليم، وسط ضعف، أو تواطؤ، عالمى، وكذلك الوضع الصعب والشائك، الذى تضعنا فيه إثيوبيا بعد أن تم إنشاء سد النهضة.

وليدرك المصريون أن الإثيوبيين لا يستطيعون أن يسرقوا مياه النهر، وأن النيل نهر دولى ليس من الأنهار التى تُسرق، كما أنه نهر عظيم لا يمكن أن يتحول إلى بحيرة، وأننا نعرف كل دعايات وأساليب إثيوبيا، ولن ننجر إليها، لأنه لا يلجأ إليها إلا السياسيون الشعبويون الضعفاء، الذين يسرقون مجتمعاتهم.

نحن نعرف أن إثيوبيا هى التى فى حاجة إلى التعاون معنا فى مياه النيل، وأنه نهر دولى، وعصىُّ على أن يكون بحيرة، لأن تدفقه سيجرف أمامه أى منشآت، كما أن إثيوبيا من الدول الإفريقية الصديقة، وشعبها لن يسمح لنفسه بأن يدخل مع مصر فى معارك مياه رخيصة وهو من أغنى دول العالم فى المياه.

وأخيرا، أعتقد أن معركة إثيوبيا حول المياه التى يحاول أن يفرضها علينا سياسيون ضعفاء، لن تهز مصر القوية، والحق المائى لن يُسرق، فالإثيوبيون هم من يجب أن يسارعوا إلى الاتفاق مع مصر، فمن يسعون إلى التنمية، والبناء، وإنتاج الكهرباء، وحتى من يسعون لإنتاج مزيد من المياه لتكون مصدرا للدخل الإضافى، لا يتصرفون كما يتصرف الحزب الحاكم الآن فى إثيوبيا. وهذا الوعى المصرى، والإدراك، وصناعة السياسات الخارجية، ظهر فى كتابىّ أحمد أبوالغيط , مدعوما بالمعلومات، وكشف كيف انتقلت مصر ومؤسساتها المختلفة إلى مراحل النضوج، والتطور، والتحديث.

نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

فى‭ ‬وداع‭ ‬د‭.‬عمرو‭ ‬عبد‭ ‬السميع

فى‭ ‬وداع‭ ‬د‭.‬عمرو‭ ‬عبد‭ ‬السميع

كورونا يُسْقِطُ السياسة والاقتصاد!

نحن في زمن كورونا، ذلك الوباء الخطير، الذي تفشي في بدايات هذا العام (2020)، ولم ينتهِ بعد.. في الحياة هناك حقائق تقول إن لكل شيء بدايات ونهايات، والعارفون

تساؤلات عصر الوباء وما بعده..!

من المؤكد أن العالم لا يملك إجابات محددة عما حدث، ويحدث الآن، إلا عند المتقولين، أو المدعين، الذين يفسرون كل شىء بجرأة يحسدون عليها، بلا علم، بل جهل مطلق.

[x]