يوليو ولعبة التشويه المزدوجة

26-7-2020 | 15:07

 

قرأت ما كتبه رجل أعمال مصرى قبل بضعة أسابيع هجوما شرسا على ثورة يوليو 1952 ، ولم أجده غريبا أو شاذا، لأن أهم مصادر ثروته التى غرف منها هو وعائلته كانت من المعونات الأمريكية ، والولايات المتحدة هى العدو الأخطر لثورة يوليو، وأمر طبيعى أن ينحاز الرجل إلى الافكار الأمريكية المعادية ويسب ثورة يوليو ورجالها.


وأجلت الرد حينها، ورحت أنقب عن ذلك العصر الذهبى الذى قلبته يوليو إلى مشكلات وأزمات، لعلنا نقف جميعا نعتذر لأحفاد محمد على باشا مؤسس مصر الحديثة ، ومحمد على رجل عظيم، وليس موضوعنا، لكن العظمة لا تورث ولا تبرر ما فعله أحفاده بمصر إلا قلة منهم خدموها بكل حب حتى لو أخطأوا، فلا يوجد إنسان بلا أخطاء أو حماقات، سواء كان عاديا أو ملكا أو إمبراطورا، وإلا كان رسولا من السماء، بل أن بعض الرسل عاتبهم الله على أشياء فعلوها ولم تكن صحيحة.

فهل يمكن أن تخرج ثورة يوليو على الناموس وهى فى النهاية بشر كانوا ضباطا ثائرين على أوضاع شديدة السوء فى وطنهم؟

المهم أمسكت جرائد عام 1951 الذى سبق الثورة، لعلى أعثر فيها على مكنونات العصر الذهبى التى شوهتها الثورة إلى نحاس أو صفيح أو خيش، وكان أول القصيدة كفرا، dower وهو بيان وزارة المالية عن الدخل القومى المصرى ، ومجمله 500 مليون جنيه، لعشرين مليون مصري، بما يعنى 25 جنيها للفرد فى السنة، أو جنيهين و20 قرشا فى الشهر، يا ترى كيف استطاع مواطن أن يعيش بسبعة قروش فى اليوم، خبزا وغموسا وسكنا ولبسا وانتقالا وعلاجا وتعليما؟

هل الأستاذ حمام يجسد لنا حياة هذا المواطن؟، وحمام هو نجيب الريحانى فى فيلم غزل البنات، قبل أن يذهب إلى سراى الباشا، مدرسا خاصا لابنته، والفيلم من إنتاج عام 1949، ويصور لنا بؤس الأستاذ حمام مثالا لملايين المصريين، ملابس قديمة رثة، معيشة على الحديدة..الخ، لا ننكر خيال الفن، لكن الفن فى جانب منه رؤية للواقع.

ولو قسمنا الـ500 مليون جنيه بين الباشوات والبهوات والتجار والفلاحين والموظفين والعمال والمهمشين من الباعة الجائلين وغيرهم، كيف يكون الحال؟، قطعا سنصادف ملايين المصريين قوت يومهم عيش حاف وملح أو جبنة قديمة وفحل بصل، لا يذوقون طعم اللحم إلا فى المواسم الدينية فقط، يلبسون الرث من الثياب ويتعلمون بالتيلة، ويمشون حفاة فى الشوارع، ويشربون من الترع والرياحين، ويقضون حاجاتهم فى الفضاء والزرائب، وينامون بين جدران طينية من المغرب، لأن الدنيا تِسْوَدْ تماما بعد غروب الشمس، كما وصفها المبدع يوسف إدريس فى أول مجموعة قصصية له »أرخص ليالي«. والذين يصورون لنا مصر جنة موعودة أيام الملك، يقصدون القاهرة والإسكندرية وبعض المدن الكبرى كأنها كل مصر، ويهملون عمدا أن أكثر من 80 % من المصريين كانوا يعيشون فى قرى وكفور ونجوع وراء الشمس تنتمى للقرون الوسطى أكثر مما تنتمى للقرن العشرين، والموضة والشوارع النظيفة وقواعد الاتيكيت وحسناوات الشواطئ وملكات جمال القطر هى »القشرة الخارجية« لمجتمع منقوع فى الفقر والمرض والجهل.

وأتصور أن كثيرا منا شاهد فيلم العزيمة، وهو من إنتاج عام 1939، ويعرض لنا معاناة الشباب من البطالة ، وبالمناسبة هى أزمة ممتدة من بداية القرن العشرين، وكتب عنها محمد افندى عمر فى كتاب فريد أصدره عام 1902، بعنوان (حاضر المصريين أو سر تأخرهم)، وكان عددهم وقتها 11 مليون نسمة تقريبا.

ومقارنة عدد السكان بين بداية القرن ومنتصفه ونهايته تبين أن المصريين زادوا ما يقرب من تسعة ملايين نسمة فى خمسين سنة، ثم 50 مليون نسمة فى الخمسين سنة التالية، وهو ما يكشف عن تطور مستوى المعيشة وسبل الرعاية الصحية التى تمتعوا بها، دون أن ننكر حجم المشكلات التى عانوا منها ومازالوا.

نعود إلى عام 1951، وفيه زارت مجموعة من ربات البيوت الموجوعة من الغلاء وزير التجارة والصناعة محمود سليمان غنام ، وتحدثن معه فى »التسعيرة الجبرية«، التى لجأت إليها الحكومة، وشكلت لجنة مركزية تابعة للوزارة وضعت جدولا للخضر والفاكهة واللحوم والطيور والبيض، وحظرت ذبح الماشية ثلاثة أيام فى الأسبوع، نعم التسعير قبل الثورة وقبل الاشتراكية والعلاقات مع الاتحاد السوفيتى.المهم أن ربات البيوت طلبن من الوزير تثبيت الأسعار على أن تدفع الحكومة فروق الأسعار من ميزانيتها، قطعا هؤلاء السيدات من علية القوم ذوات النشاط الاجتماعي، ولا تعرفن ستات الأحياء الشعبية والقرى والنجوع.

المهم أن الوزير رد عليهن بكلمات صاعقة: الحالة لا تسمح بدفع الفروق، والموقف بالغ الخطورة ولا يمكن لحكومة ولو كانت من السماء أن تقاوم هذا الغلاء، أو تخفض مليما واحدا من سعر أى سلعة، وأصارحكن بأن الأسعار الآن هى جنة لو قيست بالحالة التى ستكون عليها غدا أو بعد غد، وأنصحكن بأن تؤلفن جمعية الصلوات والابتهالات إلى الله حتى لا يستمر ارتفاع الأسعار. على الدرجة نفسها تفاقمت أزمة الإسكان، كانت قد بدأت عام 1939، باستيلاء الجيش البريطانى على مواد البناء بعد نشوب الحرب العالمية الثانية، و تَرَاجُع الاستثمار فى العقارات الجديدة، وفكرت الحكومة فى أمرين، الأول: تعديل عقود الايجارات للمساكن القديمة التى تزيد على 3 جنيهات، والثاني: بناء مساكن شعبية ومتوسطة وتقسيط ثمنها على 10 سنوات، بل أن الأستاذ عبد السلام موسى وكيل مجلس بلدى القاهرة أعد مذكرة طالبا فيها نقل نادى الجزيرة إلى صحراء الأهرام، وأن تبنى بلدية القاهرة مساكن على أرض النادى البالغة 160 فدانا.

باختصار لم تكن الحياة لأغلب المصريين قبل ثورة يوليو جنة ولا نصف جنة ولا حتى جنينة على شاطئ ترعة، وليس هدفنا الدفاع عن يوليو والهجوم على الملكية، فقط أن نكف عن تزييف الوقائع لتشويه أحداث بعينها، وأن ندرك أن تاريخنا حلقات متصلة، فيها ضعف وفيها قوة، وقد نصادف فى قرارات يوليو جذورا فى عصور سابقة عليها ، وبالطبع لها أعمال عظيمة ولها أخطاء كبيرة، وهذا هو منطق الحياة.

نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

مادة إعلانية

[x]