ناصر وسياساته الداخلية

26-7-2020 | 00:46

 

كانت سياسات ناصر الداخلية سببًا آخر لاستمرار الهجوم عليه حتى الآن، بجانب سياساته الخارجية، وإن كانت هناك علاقة واضحة بينهما، وهي باختصار أن ناصر وقف أمام الكبار والقوى العالمية، وأضر مصالحهم ضررًا كبيرًا، وأيضًا في سياساته الداخلية وقف ضد الكبار ومصالحهم في الداخل؛ لذلك تحالف الكبار في الداخل والخارج وما زالوا ضد ناصر كرمز حتى لايفكر أحد فى تكرار التجربة؛ لأنه أصبح من المضحك اتهام ناصر بعد خمسين عامًا بأنه سبب المشاكل، ولم نسمع عن اتهام أحد لمن جاء بعد ناصر فماذا فعلنا فى نصف قرن؟!

ولذلك أعتقد أنه لا يوجد زعيم مثله تعرض لكل هذا الهجوم والأكاذيب ومازال، وبالنسبة لأعداء سياساته الداخلية أضرت سياسات ناصر بشدة بكل من الإقطاعيين و الرأسمالية الوطنية و تجار الدين في الداخل والخارج، وهذا لا ينفي من وجود أخطاء في السياسات الداخلية؛ منها أن إجراءات التأميم كانت يجب أن تقتصر على الأجانب، خاصة أنها كانت فعلا تمثل نحو 80% ملكية أجنبية، وهذا أضر ب الرأسمالية الوطنية ، ولم يكن هناك مبرر لذلك. 

ومن الأخطاء أيضًا تداخل العوامل الشخصية مع العمل العام؛ بمعنى أن بعض اختيارات ناصر لمناصب مهمة جدًا خضعت لعوامل الصداقة واعتبارات شخصية؛ مما ترتب عليه خسائر فادحة للوطن تمثلت فى نكسة 67، وتجاوزات في نواح أخرى.

ولكن لا ننسى أيضًا أن ناصر بعد 67 أصلح كثيرًا من هذه الأخطاء، وحاسب كثيرًا من المسئولين عن هذه الأخطاء مثل تغيير قيادات الجيش وإعادة بنائه، ومحاكمة صلاح نصر وغيره، ومن هنا فنقد السلبيات مطلوب، خاصة أنه مشروع للمستقبل كما يقول جمال حمدان، ولكن ليس مطلوبًا الكذب والتضليل مثل القول بأن ناصر دمر الاقتصاد، فهذا مخالف تمامًا للواقع فمقولات مصر الملكية العظمى، و إقراض إنجلترا ، ومنجم السكري الذي حافظ عليه الملك، هذه مقولات مضحكة ومنافية لأي منطق، فلماذا نقرض إنجلترا فقط، ونترك الدول المحيطة؛ لأنه ببساطة كنا نقع تحت الاحتلال الإنجليزى، وكانوا يحصلون على كل احتياجاتهم من مصر بدون دفع المقابل، وبالطبع عجز الملك عن المطالبة بهذه الحقوق، ثم منجم السكرى كان موجودًا أيضًا فى عصور ناصر والسادات، ولكن تكلفة استخراجه كانت أكبر من ثمنه؛ لذلك لم يستغل وهذه بديهيات اقتصادية، وناصر أيضًا تركه لأحفاده وكذلك السادات.

وبالنسبة لقيمة الجنيه المصري أمام الدولار كان عام 1936 الدولار بـ 14 قرشًا، ثم ارتفع إلى 20 قرشًا عام 1939، ثم إلى 36 قرشًا عام 1951؛ أي فقد الجنيه في العصر الملكي، وخلال خمسة عشر عامًا نحو 160% من قيمته.

ثم جاء ناصر ورحل، وبلغ سعر الدولار عام 74 بعد حرب أكتوبر 39 قرشًا أي فقد الجنيه نحو 7% فقط طوال أكثر من عشرين عامًا، وبعد سياسات الانفتاح بدأ الانهيار الكبير، وكانت معدلات التضخم طوال عصر ناصر نحو 2%؛ برغم النهضة الصناعية والزراعية و السد العالي

وبالنسبة للديون بلغت بعد وفاة ناصر مليارًا وسبعمائة مليون دولار؛ أي نحو 670 مليون جنيه فقط؛ بما فيها أسلحة حرب أكتوبر؛ حيث ذكر السادات أن روسيا لم ترسل قطعة سلاح بعد ناصر، في حين قدرت قيمة المصانع التي بنيت في عصر ناصر عام 2011 بـ500 مليار جنيه، وكان هناك احتياطي نقدي في ميزانية 1970، وارتفع الدخل القومى لمصر من 50 مليون جنيه عام 1951؛ أي نحو مليار وسبعمائة دولار مع وجود عجز قيمته 39 مليون جنيه؛ أي نحو 78% ثم ارتفع الدخل القومي عام 1970 إلى نحو 7 مليارات دولار أي تضاعف الدخل القومي بنحو 400% في ثمانية عشر عامًا.

أما بالنسبة للذهب فذكر الدكتور سيد حسن عباس زكي، والسيد على نجم وزير الخزانة فى أهرام 16 نوفمبر 1998 أن أكثر من 90% منه مازال موجودًا فى خزانة الدولة، وأن ما تم بيعه أثناء أزمة القمح فى الستينيات أقل من 10%، وفي عام 1951 كانت نسبة الفقر والأمية 80% والبطالة 46% والبلهارسيا 46% ولذلك يرى د.حسن عباس زكي، ود.جلال أمين أن اقتصاد الستينيات هو الأفضل في تاريخ مصر المعاصر، وكان متوسط النمو نحو 8%، وهو من أعلى المعدلات العالمية في هذا الوقت، وكانت مصر تسبق كوريا والصين اقتصاديا بشهادات الأجانب.

وأتاح السد الفرصة لزراعة 2 مليون فدان، ثم أمَّن الزراعة مرتين في العام بدلا من مرة واحدة، وزاد إنتاح الفدان بنحو 50% فى القطن وغيره من المحاصيل، وكانت نسبة الاكتفاء الذاتي في الزراعة تتجاوز 80%، ولذلك اختارت الأمم المتحدة السد كأعظم مشروع في القرن.

وفي الصناعة كانت هناك نهضة صناعية كبرى بحيث اعتمد المنزل المصري كاملا على الإنتاج المصري من ثلاجة إلى تليفزيون وبوتجاز وسيارات وبعض الأسلحة، وانخفضت الأمية إلى 50% والبطالة إلى نحو 3%، وزادت نسبة الملتحقين بالتعليم 300%.

كل هذا ومصر لها دور قيادي عالمي لمساعدة الأشقاء وعلى نفقتها بالمعلمين والأطباء والأزهريين وغيرهم، وبعد كل هذا نجد بعض رجال الأعمال المفروض معرفتهم التامة بالاقتصاد وتاريخه يتهمون ناصر بأنه خرب الاقتصاد وسبب المشاكل الاقتصادية، وكل ما سبق أرقام سهل الحصول عليها.

باختصار ناصر وقف ضد الكبار في الداخل والخارج، وأضر بشدة بمصالحهم الاقتصادية، ولذلك اجتمعوا جميعًا على مهاجمة مشروعه خشية تكراره، وللأسف استعانوا بمدعي التدين وهذا موضوعنا القادم إن شاء الله.

مقالات اخري للكاتب

الريف المصري قاطرة التنمية في مصر عبر العصور

منذ فجر التاريخ، مصر أرض الخير والخيرات؛ حيث اختصها المولى الكريم بكثير من نعمه وكرمه بشكل واضح في جميع كتبه السماوية؛ حيث يقول المولى الكريم (وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ) الزخرف 51 .

العشوائيات في الريف المصري وممر التنمية (4)

تزداد خطورة وتداعيات مشكلة العشوائيات في الريف المصري؛ حيث لا تقتصر التداعيات على عشوائيات المدينة المتنوعة، ولكن عشوائيات الريف تعني البناء على الأراضي الزراعية، وبذلك تفقد مصر أهم ثرواتها على الإطلاق وهى تربتها الخصبة التي تكونت من نهر النيل عبر آلاف السنوات.

العشوائيات والمساكن المغلقة

بداية هناك أكثر من قانون للمساكن يرتبط بهذه المشكلة، ويجب التفرقة بين كل منها، ونبدأ بقانون المرحلة الناصرية، الذي بموجبه تدخلت الدولة بشكل تعسفي وخفضت

مصروفات الراسبين فرصة لتصحيح الأجور في الجامعات

أصدر المجلس الأعلى للجامعات قرارا مهمًا بفرض رسوم على الطلاب الراسبين بالجامعات وأشار القرار إلى أنه سيكون هناك استثناء لبعض الحالات يفضل أن يكون هذا الاستثناء

مصر عمود خيمة العرب

يرى جمال حمدان أنَّ علاقة مصر بالعرب علاقةٌ ضاربةٌ في جذور الزمن؛ فالسَّيِّدة هاجر زوجة سيدنا إبراهيم عليه السلام وأم سيدنا إسماعيل أبوالعرب مصرية، وهذا يثبتُ أن هذه العلاقة قديمةٌ قِدم التَّاريخ.

مشكلة العشوائيات وتملك الأجانب للعقارات (2)

أدى صدور القانون رقم 96 لعام 1996 الذي سمح للأجانب بتملك المساكن والأراضي إلى ارتفاع الطلب على المسكن في مصر، مما اضطر كثيرًا من الأسر متوسطة الحال للجوء

جهود الدولة لمواجهة مشكلة العشوائيات

بدأت الدولة من سنوات في مواجهة مشكلة العشوائيات، وهى فعلا مشكلة كبيرة وتداعياتها خطيرة ومتنوعة ومواجهتها تحتاج لتعاون وتكامل الجهود الحكومية والشعبية للتخلص من هذه المشكلة، أو الحد منها لأقصى درجة.

في ذكرى "ثورة 23 يوليو" .. لماذا الهجوم على ناصر وسياساته الخارجية؟

أيام قليلة وتحل علينا الذكرى الـ 68 لـ "ثورة 23 يوليو 52" وقد رأيت البعض يهاجم سياسات الزعيم جمال عبد الناصر، وأذكِّر هؤلاء بأنه بعد ضرب اليابان بالقنابل

منحة كورونا والدولة القوية (3)

أظهرت محنة كورونا الحاجة والضرورة لوجود سيطرة الحكومة على معظم القطاعات المرتبطة بالصحة بوجه عام بما يشمل توفير أطقم طبية وأماكن وأسرة ومراكز صحية كافية

منحة كورونا والوعي المجتمعي (2)

الوعى المجتمعى مجال كبير وعام يندرج تحته الوعى الصحى والوعي البيئي والسياسي وغير ذلك من مجالات أخرى متخصصة ولقد أوضحت أزمة كورونا وجود جوانب قصور لدى بعض قطاعات المجتمع المصرى، خاصة فيما يتعلق بالوعي الصحي وتعددت مظاهر ذلك في الازدحام وتواجد أعداد كثيفة في بعض الأفراح أو مناسبات العزاء،

كيف نحول كورونا إلى منحة في مجالات العمل والتعليم؟ (1)

إن أزمة كورونا رغم تداعياتها الصحية والاقتصادية الخطيرة إلا أن العلم والبحث العلمى قادر على تحديد الإيجابيات والخروج بدروس وفوائد من هذه المحنة فكل محنة قد تتضمن بداخلها منحة، وهذا دور العلم والمفكرين في البحث عن المنحة والاستفادة منها.

كورونا وعودة الدوري وتأجيل جلسات المحاكم

ترددت أنباء عن عودة بعض الانشطة الجماعية خلال الشهر القادم مثل الدوري الممتاز لكرة القدم والألعاب الأخرى وفتح حضانات الأطفال؛ حيث أعلن الأستاذ عمرو الجنايني

مادة إعلانية

[x]