الإدارة المصرية الرشيدة للأزمة الليبية

23-7-2020 | 15:44

 

كل خطوة تقوم بها مصر في التعامل مع الأزمة الليبية تثبت أن هناك فريقا متكاملا سياسيا وأمنياعلي مستوي عال يتولي متابعتها عن كثب، ويملك معلومات دقيقة عن كل كبيرة وصغيرة حول جميع الأطراف المنخرطة فيها، وهو ما مكن الرئيس عبدالفتاح السيسي من أن يتخذ القرارات المناسبة في الوقت المناسب، ويعزز الثقة في إدارته للملفات الخارجية كما هي في الملفات الداخلية، ويجد كتلة شعبية متماسكة تقف خلفه في التحركات السياسية أو العسكرية التي ينوي اتخاذها. تتعامل الأجهزة المصرية مع الأزمة بطريقة عقلانية، ساعدتها علي تخطي الكثير من الصعاب والعقبات علي مدى السنوات الماضية، وقبل أن تحصل المؤسسة العسكرية علي تفويض البرلمان بالتدخل في الأزمة، الاثنين، نالت تفويضا مسبقا من الأجسام الرئيسية في ليبيا، الجيش الوطني، والبرلمان، وشيوخ القبائل، وقبل كل ذلك تقف معها الشرعية الدولية لأن ما تقوم به تركيا من تدخل سافر وحشد لأعداد كبيرة من المرتزقة والإرهابيين يهدد فعلا الأمن القومي المصري. ربما تكون مصر الدولة الوحيدة التي تقف إلي جوار ليبيا وهي لا تريد سوي إنهاء حكم العصابات المسلحة والحفاظ علي وحدتها وتماسكها ومنع انفراط عقدها، وكان الرئيس السيسي صادقا في تصريحاته المتعلقة بالأزمة في هذا الاتجاه، ولم يتورط ولو علي سبيل المناورة في تبني خطاب خادع. من يراجع التسلسل المنطقي لرؤيته يجدها لم تتغير أو تتبدل في أي من محطات الأزمة المتتابعة، ومن أرادوا فهمها بطريقة خاطئة يتحملون وزر فهمهم القاصر، فعندما تحدث مثلا عن دور القبائل كان الكلام موجها إلي تجنيد شبابها ضمن أطر المؤسسة العسكرية النظامية وليس لتشكيل ميليشيات موازية لمواجهة تلك التي تتبناها وترعاها تركيا، فمصر التي تؤمن بالحفاظ علي المؤسسات الرسمية خطواتها واضحة في هذا السياق ولا تحتمل تأويلا أوتشكيكا. لم ينتبه البعض في مصر أو غيرها إلي كثير من تفاصيل الأزمة الليبية ، وكانوا يتصورون أن هناك تفريطا في التعامل معها، لأنهم لم يتابعوا تطوراتها الدقيقة إلا عندما استيقظوا علي الضجيج التركي يقترب من حدودهم الغربية من خلال التدخلات الواسعة وشحن المعدات العسكرية وآلاف المرتزقة إلي ليبيا، الأمر الذي لم تتغافله مصر وقدرت حجم خطورته حاليا ومستقبلا. لكن كانت محكومة بضوابط إقليمية ودولية وليبية، لم تشأ أن تخرقها في أي وقت، فمنذ اليوم الأول لاندلاع الأزمة وهناك عيون ساهرة تعرف كل دهاليزها وتراقبها وتضع التقديرات المناسبة لكل موقف حسب مقتضياته السياسية. وفر اقتراب المسئولين المصريين كثيرا رؤية شاملة لصانع القرار، مكنته من التحرك علي كل الجبهات بصورة متوازية، الدبلوماسية والعسكرية والمجتمعية، والإقليمية والدولية، ومصر الدولة الوحيدة التي انفتحت حواراتها علي كل من أرادوا المساهمة في الحل في أوقات عديدة، وصدت من حاولوا ترويضها أو عقد صفقات مغرية معها، ولم تحد عن ثوابتها، ما جعل كلمتها مسموعة لدي غالبية القوي الكبري، ومحورا رئيسيا في مبادرات طرحت ومحادثات عقدت بين الأطراف المعنية بالأزمة. عندما تصاعدت حدة الأزمة الليبية اتبعت الإدارة المصرية منهجا رشيدا لتدشين الخيار العسكري دون أن تتخلي عن الحل السياسي، لم تلجأ إلي عقد اتفاقيات سرية مع القوي المعادية ، أو تلتف علي القنوات الشرعية، أو تحاول الجور علي حقوق شعب في محنته، كما فعلت تركيا التي وظفت الضعف الذي تعانيه حكومة الوفاق في طرابلس لتمرير اتفاقيات تضر بمصالح ليبيا، وتخدم تيارا سياسيا مؤدلجا يريد الهيمنة علي المقدرات ونفي الآخرين تمهيدا لمزيد من التمدد في الشمال الإفريقي. من السهولة أن تحصل مصر علي كل الشرعيات اللازمة لتدخلها عسكريا دفعة واحدة، لكنها حرصت علي أن تكون خطواتها واضحة ومتدرجة، وتحذيراتها حاسمة وقاطعة، عسي أن يفهم الخصوم أن تمهلها ليس ترددا، وحذرها ليس ضعفا، وحكمتها ليست تهربا، غير أنهم فهموا الرسائل علي وجهتها الخاطئة.


قدم الرئيس السيسي إعلان القاهرة في 6 يونيو الماضي، وحوي نقاطا مهمة للحل السياسي، برعاية الأمم المتحدة واستنادا إلي مخرجات مؤتمر برلين ، ولم تتفاعل معه حكومة الوفاق التي انساقت وراء الأحلام التركية والإخوانية، وهما آخر من يريدون تسوية الأزمة، لأن غليانها يحقق لهما مكاسب عدة، بالتالي من الضروري الاستمرار في دق طبول الحرب. جاءت الخطوة الأكبر عندما اجتمع الرئيس السيسي بالقيادات العسكرية الرفيعة بحضور كبار شيوخ وقبائل ليبيا في 20 يونيو الماضي، ورسم علي الأرض الخط الأحمر،سرت الجفرة، الذي يجب عدم تجاوزه من قبل تركيا وحكومة الوفاق، لأنهم في هذه الحالة لن يستطيعوا التقدم شرقا أو العودة غربا، في إشارة بالغة الأهمية والصرامة العسكرية، غير أن المستهدفين من الرسالة تعاملوا معها إعلاميا علي أنها مناورة لا ترقي للتهديد الحقيقي، مع ذلك لم يحاولوا خرق الخط الأحمر. مثل الكشف عن المناورة حسم 2020، ارتفاعا في مستوي الجاهزية، ودل علي اقتراب ساعة التدخل العسكري، وأن هذا العام هو عام الحسم المصري للأزمة الليبية، طالما تقاعس وتواطأ الآخرون، ومكنوا تركيا من أن تواصل زحفها أملا في الاستحواذ علي الموارد الليبية، وترسل الآلاف من المرتزقة والإرهابيين أمام العالم دون عقاب أو مساءلة حقيقية. جرت مياه كثيرة قبل وبعد المناورة حسم ، وكلها تصب في موقف مصري واحد، وهو أن ما يجري في ليبيا لن يتم السكوت عنه، وأخفقت محاولات البعض في شغل أجهزة الدولة بالصعود والهبوط في ملف سد النهضة عن ليبيا، فالأولي قضية فنية مشوبة بنواح سياسية يحتاج التعامل معها المزيد من الروية، ولن تعدم القاهرة إيجاد الخيارات الملائمة لدفع إثيوبيا علي عدم تجاهل الحسابات المائية المصرية. أما ليبيا فهي أزمة ضاغطة مباشرة علي مفاصل الأمن القومي، وتركها مفتوحة سوف يؤدي إلي تدفق الكثير من المرتزقة، ومن المهم أن تمسك مصر بزمام المبادرة في هذه اللحظة وتوجه الدفة لتجبر خصومها علي الجلوس حول الطاولة ويدها هي العليا، أو يواجهون نيرانها ويلقون مصيرهم، وفي الحالتين تريد وقف الفوضي وتداعياتها الإقليمية.


نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

مغالطات الشرق والغرب فى ليبيا

مغالطات الشرق والغرب فى ليبيا

الواقعية المصرية والتهور التركي

يُحسب للرئيس عبدالفتاح السيسي قدرته على التعامل بواقعية مع الأزمات الخارجية، والتي تراعي مصالح مصر في ظل خرائط إقليمية معقدة، وتفاعلات دولية غامضة.

القوة الناعمة والقوة الخشنة بعد كورونا

حاولت البحث عن فكرة مناسبة لهذا الأسبوع بعيدا عن كورونا فلم أجد. كلما لاحت في الأفق فكرة وجدتها تصب في هذه الجائحة من قريب أو بعيد. أصبحت حياتنا تبدأ بالاطلاع

[x]