في الذكرى الـ68 لثورة 23 يوليو.. الحق بغير قوة «ضائع» والسلام بغير مقدرة الدفاع عنه «استسلام»

23-7-2020 | 14:42

مجلس قيادة ثورة يوليو- أرشيفية

 

محمد الإشعابي

تحتفل مصر اليوم الخميس، بالذكرى الـ68 على ثورة 23 يوليو التي انتفضت في العام 1952، بقيادة عدد من الضباط الأحرار، ونجحت في مساعيها في القضاء على النظام الملكي، وكانت بداية جديدة لعصر جديد على الدولة المصرية.


"الحق بغير قوة ضائع، والسلام بغير مقدرة الدفاع عنه استسلام" .. كلمات من ذهب أرست قواعد الحق والقوة، وكانت نهجًا لعدد من شباب مصر من ضباطها الشرفاء لكي يعيدوا الحياة إلى بلادهم التي اختطفت خطفًا لعقود طويلة، ولم تكن تلك الكلمات التي قالها الرئيس الراحل جمال عبدالناصر إلا قناعات مترسخة في وجدانه عبرت عن مكنونه الداخلي وبدا أثرها حين فكر وزملاؤه في الإطاحة بنظام الحكم الملكي .

في الثالث والعشرين من يوليو عام 1952، كانت مصر على موعد جديد مع التاريخ.. كل شيء بدا متغيرًا.. وكأنما كان آباؤنا وأجدادنا يشعرون وقتها أنهم ولدوا تلك اللحظة، فلربما ظنوا أن ثمة حياة جديدة لهم بعد تلك المعاناة التي عاشوها لعقود طويلة، تحت وطأة احتلال جثم على صدورهم لـ7 عقود ونظام حكم نخر فيه الفساد والاستبداد طويلًا وتعامل مع المصريين ليسوا على أنهم شركاء في الوطن، وإنما جزء من ممتلكاته وحاشيته.

لم تكن ثورة الـ23 من يوليو، مجرد تعبير عن شعور غاضب متراكم داخل المصريين، وإنما كانت بمثابة فوهة بركان تحرق كل ما لبث أن ظن أن المصريين عبيد لديهم، لقد عبرت عن واقع حال مؤلم بما فيه من تغيير للهوية وعقود من التبعية المطلقة لتتحول إلى مستعمرة يحيطها سياج من حديد.

ولم يكن الضباط الأحرار، وقتها، إلا رجال انتفضوا ليزلزلوا هذا الحكم الملكي ، مخاطرين بحياتهم ومستقبلهم، لكن أيًا ما تكن كُلفة هذه المخاطرة فإن الأمر يستحق، هكذا فكروا ومن هنا دبروا وبذلك الحماس انتفضوا لينتصروا بإذن الله ومشيئته، ثم دعمًا من شعب رأى فيهم الخلاص من الظلم والتبعية والفساد.

كانت مصر وقتها تعاني من مغبة عدم استقرار في الحكم، ومحاولات بائسة دءوبة ومستمرة للسيطرة على الجيش المصري حتى تصبح مصر بلا جيش يحميها أو يتصدى لمن يترقبون اللحظة للانقضاض عليها، لنهب ثرواتها وأكل خيراتها، لكن تلك الوقفة الجادة التي جاءت من خيرة شباب القوات المسلحة المصرية وقتها تؤكد معدن وأصالة العسكرية المصرية التي تضحي بالغالي والنفيس للحفاظ على تراب هذا الوطن.

ولم يكن ذلك البيان الذي ألقاه وقتها عضو مجلس قيادة الثورة محمد أنور السادات ، إلا تعبيرًا عن حقيقة مطلقة مفادها أن الوطنية المصرية متأصلة في دماء جيش مصر منذ عهد الفراعنة، وفي سياق البيان قال السادات : إن الجيش اليوم كله أصبح يعمل لصالح الوطن في ظل الدستور مجرداً من أية غاية وأنتهز هذه الفرصة فأطلب من الشعب ألا يسمح لأحد من الخونة بأن يلجأ لأعمال التخريب أو العنف لأن هذا ليس في صالح مصر وأن أي عمل من هذا القبيل سيقابل بشدة لم يسبق لها مثيل وسيلقى فاعله جزاء الخائن في الحال. وسيقوم الجيش بواجبه هذا متعاوناً مع البوليس. وإني أطمئن إخواننا الأجانب على مصالحهم وأرواحهم وأموالهم ويعتبر الجيش نفسه مسئولاً عنهم والله ولي التوفيق.».

في تلك اللحظة التي اختتم فيها السادات بيان مجلس قيادة الثورة، كانت مصر بيد المصريين، ألغيت فيها الملكية وأعلنت الجمهورية، أضحى رئيس مصر، دماؤه مصرية خالصة جاء من رحم العسكرية المصرية، ابن من أبنائها، عانى ويلات الظلم والفساد الذي شهد عليه وانتفض من أجل الخلاص منه.

أسست 23 يوليو إلى العدالة الاجتماعية، حاربت الفساد الذي استشرى في البلاد وعاث فيها حاشية الملك وأعوانه مفسدين، فكانت أول من نظرت إليهم الثورة هم المصريون لاسيما الفلاحين "الفئة الغفيرة من المصريين وقتها" فقضت على الإقطاع وأسست لتقسيم عادل للأراضي الزراعية على أصحاب الأرض الحقيقيين.

استردت ثورة يوليو كرامة المصريين وعملت على استقلالهم ومنحتهم الحرية التي فُقدت على أيدي المستعمر المعتدي، وعادت مصر إلى أحضان أبنائها بعدما اختطفت طويلًا، لكنها عادت في النهاية بعد غيبة طويلة، ونجحت مصر "يوليو" في القضاء على المحتل البريطاني بعد 7 عقود ووُقعت اتفاقية الجلاء التي كانت ثمرة طيبة من ثمار يوليو.

عبرت الثورة عن توجهها الاجتماعي وحسها الشعبي مبكرًا عندما أصدرت قانون الملكية في 9 سبتمبر 1952، فقضت على الإقطاع وأنزلت الملكيات الزراعية من عرشها، وعملت على تمصير وتأميم التجارة والصناعة التي استأثر بها الأجانب، وحررت الفلاح بإصدار قانون الإصلاح الزراعي.

غيرت ثورة يوليو مناحي الحياة، حتى تفكير المصريين تجاه مستقبلهم، فلم يكن يظن الفقير يومًا أنه سيدخل ضمن فئات الطبقة المتعلمة، بل حتى مجرد التفكير لم يكن في مخيلتهم، لكن الحلم راودهم والطموح غالبهم حين جاءت يوليو التي ألغت الطبقية وتغيرت البنية الاجتماعية للمجتمع المصري.

ولم يكن احتفال مصر السنوي بهذه الذكرى، إلا تعبيرًا عن ثناء حقيقي لقيادات تلك المرحلة الذين أسسوا لدولة عصرية قوامها القوة "في جيش مصري أصيل قوي" والعلم "بفتح المجال التعليمي لكل المصريين"، والعمل "بأيادي المصريين للانتفاع بثروات وطنهم دون تبعية أو نهب لخيرات بلدهم".

مادة إعلانية

[x]