أميتاب باتشان والأسطورة

25-7-2020 | 00:02

 

يتمني الكثيرون أن يصبح كل واحد منهم "أسطورة" ليس في مجال عمله فقط ولكن في تفاصيل حياته أيضًا، وينجح أقل القليل في ذلك.


والأسطورة بأبسط تعريفاتها ما يتخطى الواقع، ويتعداه للأمور الخارقة، وتدور حول المغزى من الحياة والموت وتتضمن حكمة ورسائل "تلهم" الناس ليتجاوزوا عتمة الواقع وتحفزهم لينعموا بحياة أجمل.

ومنذ سنوات يعرف أميتاب باتشان "بالأسطورة"؛ وهو ممثل هندي ولد في عام 1942 وبدأ حياته الفنية معتمدًا على وسامته وقدرته على الرقص ببراعة، ونجح كثيرًا بالأفلام العاطفية وأصبح النجم الأول لسنوات طوال، وكان باستطاعته الاستمرار لأطول وقت في تمثيل دور العاشق أو أن يقوم بإنتاج أدوار مشابهة لنفسه؛ إن خاصمه المنتجون لكبر سنه، ولكنه "اختار" لنفسه طريقًا مختلفًا، حيث ساعد "نفسه" واستعد جيدا لمواجهة ما بعد انسحاب الشباب ، وكما يقول اللبنانيون "اشتغل على حاله" وهو ما فعله أميتاب؛ فامتلك مهارات التمثيل الجيد، ولم يكتف بالوسامة وإجادة الرقص والتميز بأفلام الحركة، واقتحم مجالات عديدة للتمثيل، وقدم أفلاما قيمة حصل بها على جوائز عالمية، وبرع في الأفلام الاجتماعية التي تحارب اضطهاد المرأة وإجبارها على دفع المهر للزوج أو منعها من التعليم أو زواج الأطفال وهو ما يطلق عليه الزواج المبكر جدا للبنات، كما اهتم ب الأفلام السياسية التي تكشف الفساد وتوقظ الوعي المجتمعي.

قدم ذلك بسلاسة ومن خلال قصص مشوقة وناجحة ودون اللجوء الي النصائح أو الكلام المباشر؛ الذي يفسد القيمة الجمالية للفيلم ويؤدي إلى عزوف المشاهدين عن متابعته..

كما قام "مبكرا" بتمثيل أدوار الأب والجد، وقبل بأداء أدوار خضع فيها "لمكياج" يمنحه أعوامًا إضافية لعمره، وأخرى ظهر بوجه يخاصم أي ملامح جميلة، ومؤخرا ظهر في فيلم كرجل عجوز جدا محني الظهر، ولم يفعل مثل ممثلين في مثل عمره، لا يزالون يصرون على أداء أدوار الرجال الذين تتهافت النساء على الفوز بالقرب منهم!! بلا أي مبررات لذلك وآخرون يقومون بأدوار يضربون فيها الخصوم الأقوياء ويتم فرض هؤلاء على الناس من خلال مسلسلات تليفزيونية، بينما يتوجه مشاهدو أميتاب وأمثاله إلى السينما ـ بإرادتهم - ليشاهدوا أفلامه؛ لأنه احترمهم وسعى لتفديم "أفضل" ما عنده لهم، ولعل "أذكى" ما فعله أميتاب أنه لم يتجاهل رؤية الواقع كما هو ولم يحاول إيقاف عمره عند وقت "توهج" الشباب وتألقه بهذه المرحلة واحتلاله لمكانة غير مسبوقة بالسينما الهندية خاصة وبالعالم؛ كأول ممثل هندي يحظى بالانتشار بالعالم.

واعترف لنفسه بالتغييرات التي حدثت له، وقرأ الواقع جيدا، واستعد للفوز بأفضل ما يمكنه في كل المراحل التي تأتي بعد غياب فتوة الشباب..

كما حرص على لياقته البدنية وعلى مظهره، وتابع الاحتفاظ برشاقته وبالتدريبات، وأصبح قادرًا على أداء الحركات المطلوبة منه طوال عمره، واهتم بأناقته، ليس بالمظهر فقط؛ بل بإجادة التعامل مع من حوله ومع الفقراء بوطنه..

وعندما أصيب أميتاب بوباء كورونا حرص على إعلان ذلك وعلى تحذير من تعاملوا معه مؤخرًا وعلى طمأنة الناس وطلب من الجميع الحذر وقد سبق واشترك في إعلانات لحث الناس على التباعد الاجتماعي وارتداء الكمامات وغسل الأيدي وبث الأمل في قرب تخطي الوباء ونادى بالتعاون لحماية النفس والجميع..

من المؤكد أن لديه عيوبًا؛ مثل أي انسان، فلا أحد كامل ولكننا نهتم بالصورة الإيجابية التي قدمها لرجل ناهز الثمانين ومازال يحب الحياة بصورة "ذكية"؛ فيشغل عمره بما يفيده ويمنح عمله الاهتمام والجدية والاحترام والوقت الكافي ويبحث عن الإتقان وعن الجديد "بشغف" فيرد عليه بالنجاح بالأفضل..

وهو ما نستطيع جميعا فعله وبكل عمر؛ فما فعله أميتاب ليس "خارقًا" لقدرات أي إنسان، فهو لم يمتلك قدرات خاصة بل خارقة للمتعارف عليه فقط بالواقع؛ حيث يختار الكثيرون الاستسلام عند وجود معوقات للنجاح، وكأن النجاح "يبعثر" نفسه على الجميع! وكأنه لا يطلب "المهر" الذي يستحقه قبل أن يقترب من أي إنسان.

ومهر النجاح؛ يتلخص في احترام الحياة وشغلها بالسعي الدائم والدءوب للتقدم بكل تفاصيلها مع الحرص على استراحة "محارب" من وقت لآخر للفوز بالراحة الذهنية والجسدية ولتجديد الحيوية بهما ولمراقبة "أين" يسير بحياته، وهل يمضي بها نحو تحقيق أهدافه أم أن انشغاله ب مشاكل الحياة ولا حياة بلا مشاكل، قد أبعده عن مواصلة مساره بالحياة.

ثم ينتبه "لمخزونه" من التحفيز والحماس الداخلي، فلا يسمح بأي تناقص به ولا يعتمد على الآخرين أبدًا في ملئه؛ فالجميع لديهم ما يشغلهم، والبعض خاصم نفسه وابتعد عن النجاح، وآخرون يصدرون الإحباط بشراسة وبلا ملل أو كلل ولا ينسى مكافأة نفسه ـ بحب واحترام- على ما حققه من نجاحات وأن يحتضن نفسه، وقبل ذلك يحدد الشكر للوهاب على ما رزقه من وعي وطاقات وحماس وشغف ليصبح أفضل ويواصل ذلك بكل مراحل العمر؛ فلكل مرحلة "يصنعها" من النجاح ولسان حاله يقول: كل يوم وما أن يكون لي أو علي، وسأثابر بكل قواي ليكون لي وأرفض دومًا الثانية.

مقالات اخري للكاتب

فرويد والاضطرابات النفسية

في 23 سبتمبر عام 1939 غادر فرويد الحياة وترك تراثًا هائلًا اختزله الكثيرون بنظرياته عن الكبت الجنسي ودور الغريزة الجنسية في الأمراض النفسية وتأثيرها على

شباب تحت المائة

تستطيع دومًا أن تعيش شابًا؛ هذا ما يثبته متابعة شباب تحت المائة؛ تمتعوا بالرغبة بالاحتفاظ بالحياة داخلهم ورفضوا الموت وهم أحياء؛ وزرعوا بعقولهم أن الشباب "اختيار" وليس عمرًا..

جبر الخواطر والأذى

جبر الخواطر نور لطيف وجميل ينير حياة من يقوم به قبل أن يصل لمن يجبر بخاطره، وكيف لا؟؛ وفعل الخير يوسع حياة صاحبه، وأثبتت أحدث الدراسات الطبية أن فعل الخير يزيد المناعة ويفيد صاحبه، لأنه يمنحه الرضا النفسي فيجعله أهدأ نفسيا وينعكس بالخير على صحته الجسدية.

حواء وآدم والفضفضة

من منا لم يشعر يوما بالحاجة للفضفضة وللتخلص من أحمال نفسية يحملها؛ طوعا أو كرها، ومن منا لم يندم على فضفضة قام بها ظنا أنها ستمنحه قدرا من الارتياح "يساعده" على مواجهة ما يؤلمه، وإذا بها تزيد من مشاكله وتضاعف معاناته.

عن التحرش والمتحرشين

لا يقتصر التحرش على الاعتداء الجسدي؛ ويشمل النظرة المسيئة والكلمة الخادشة للحياء، والتلميحات الجارحة.

العنف بين المتزوجين

مساحات شاسعة تفصل بين الفرحة التي تملأ عيون العروسين بحفل الزفاف وما قد يلي ذلك، حيث الحزن والغضب بالعيون والقلوب يقيمون بحياة بعض المتزوجين..

الوحدة وجحيم الآخرين

"الجحيم هو الآخرون" قالها الفيلسوف والأديب الفرنسي "جان بول سارتر"؛ ويعتقد بها البعض ويتجاهلها آخرون ويؤمن بها غيرهم.. ينبهنا "سارتر" للحذر من علاقاتنا؛ فلا نلقي بأنفسنا في الجحيم بأيدينا في إشارة للتعاملات المؤذية للنفس..

الأميرة ديانا والرهانات الخاسرة

لا يختلف إثنان على جاذبية وجمال الأميرة ديانا وعلى إسهاماتها الخيرية "وبراعتها" الاجتماعية وقدرتها الهائلة على التعامل مع كل الطبقات بود ولطف.. وهذا أول رهان ربحته ديانا؛ فقد صرحت بأنها لن تصبح ملكة ولكنها ستصبح أميرة القلوب..

الأمير هاري وخذلان النفس

يمثل الأمير هاري نموذجًا مثاليًا لخذلان النفس وإيذائها واتهام الآخرين بذلك، يحتل الترتيب السادس في المرشحين لتولي عرش بريطانيا، وتخلى هو وزوجته الممثلة السابقة ميجان ماركل عن انتمائهما للعائلة المالكة البريطانية.

كورونا ورسائل المتعافين

التعافي أو استعادة العافية والاستمتاع بالشفاء وبالصحة وزوال المرض والعودة للحياة الطبيعية بعيدًا عن محاذير الأطباء ومخاوف الألم هو حلم كل مريض؛ فما بالنا بمريض الكورونا..

هل ستختار حياتك؟

سؤال مهم نتمنى الإجابة عنه بأمانة تامة؛ هل إذا أتيحت لنا الفرصة لنختار حياتنا؛ هل سنختارها؟ أم سنسارع بالقفز بعيدًا عنها ونغلق كل أبواب العودة إليها؟ أم سنختار بعضا منها فقط، ونتقبل الباقي على مضض أو نحاول الرضا به؟

كورونا.. هل سيغير الناس؟

لا أحب التشاؤم وأسارع دومًا بالهرب من المتشائمين؛ فلا شيء يتسبب في تنغيص الحياة وسرقة الطاقات وإضعاف المناعة النفسية والجسدية وإضاعة العمر كالتشاؤم..

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]