النيل هبة المصريين؟!

22-7-2020 | 14:52

 

انشغلنا كثيرا كما يجب أن ننشغل بأزمة السد الإثيوبي وما يجري فيه من مفاوضات تتعقد أحيانا وتنفرج في أحيان أخري، ويقال لنا مرة إن اللقاءات توصلت إلى التوافق حول 90% من الأمور، وفي مرات أخري أننا وصلنا إلى طريق مسدود. بالنسبة لنا في مصر فإن القيادة المصرية تبذل أقصي جهودها للحفاظ على الحقوق المصرية التاريخية لنهر دولي عاش عليه المصريون لنحو عشرة آلاف عام من تاريخهم المعروف والمكتوب والموثق.

وفي وقت قال هيرودوت إن مصر هي هبة النيل الذي أعطاها الماء اللازم لقيام الحضارة، غافلا عما فعله المصريون لكي يروضوا النهر ويطوعوه في شحه وفيضانه لأمور الحياة والنماء، وباختصار الحضارة التي قال عنها بريستيد إنها فجر الضمير، والتي بات النيل ذاته معروفا بها. هذا الجانب من قضية النيل لم نسمع عنه خلال المفاوضات الجارية، ولا وقف مجلس الأمن الدولي موقفا متفهما منه، وعندما جاء الدور على الاتحاد الإفريقي إلى الصورة استمر الحديث عن ملء الخزان ومواعيده، وأيام الجفاف وترتيباتها، وحالة الاتفاق وعما إذا كان ملزما أم لا وكأن الاتفاقيات الدولية للأنهار الدولية هي نوع من الرياضة الدولية أو القارية في هذه الحالة تماما مثل كأس الأمم الإفريقية التي يتحول فيها الأمر إلى فائز وخاسر، ومنتصر ومهزوم. ولكن حقيقة النيل فيها ما هو أكثر، ولا أعرف عما إذا كان دار ذكره في المفاوضات أم لا، وأدركته دول المراقبة والمتابعة والوساطة أم لا؛ وهو الجانب الحضاري في المسألة كلها، والدرس الأول الذي يدرسه الأطفال في مدارس العالم كله كيف أن الحضارة الإنسانية بدأت بما فعله المصريون في النهر الخالد من بناء للتاريخ لا يوجد ما يماثله حول أنهار العالم الكبرى الأخرى من الأمازون والمسيسيبي في الغرب إلى الميكونج في الشرق.

قبل سبعين ألف عام كان الإنسان قد سكن معظم قارات الأرض يجمع الثمار ويصيد الحيوان ويقي نفسه من الوحوش ويواجه الفيروسات والميكروبات باعتبارها أرواحا شريرة. وقبل عشرة آلاف عام عرف كيف يقيم مجتمعا له هوية تميزه عن الآخرين؛ وقبل سبعة آلاف عام كان في مصر مستوطنات وممالك مازالت أسماؤها موجودة معنا حتى الآن. وقبل خمسة الاف عام قامت المملكة المصرية الأولي على ضفاف النيل بعد أن بات نهرا متميزا وليس تجمعات من المستنقعات والمياه المولدة للحشرات والهوام والتماسيح. في مصر ولدت الثورة الزراعية التي تابعت الفصول وعرفت الأحواض والقنوات ومنها كان الوطن والمواطنة والمجتمع والدولة والدين والدنيا والآخرة. الزراعة لم تنتج المحاصيل من الشعير إلى القمح وحتى العنب والنبيذ، وإنما عرفت المنزل والمقبرة، وأشكال الطعام المختلفة التي جاءت من تدجين الطيور والحيوانات. تطويع النهر في أيام الفيضان، واستثماره حتى أقصي درجة في أوقات الجفاف كان علما مصريا خالصا، سنوات النهر السمان وسنواته العجاف، وعلاقاته الجدلية بين النهر والصحراء والبحر عبرت لآلاف السنين تجربة خصبة تحمل فيها الإنسان المصري آلاما كثيرة للتطور الحضاري البشري بما نبت عنها من علوم طبية ومعمارية لا تزال حاضرة معنا حتى اليوم، ونجد فخرنا معها في ميدان التحرير حيث المسلة والكباش والمتحف. لم يعرف العالم عجيبة من عجائب الدنيا السبع مثل الأهرامات، ولا عرف تراكما تاريخيا بالقدر الذي جاء في معبد الكرنك، ولا استحضر العظمة والشموخ والبطولة كما كان في تماثيل رمسيس الثاني وتحتمس الثالث وحتشبسوت.

لم تكن الرحلة سهلة، وكانت منتجاتها غزيرة؛ ولم تكن المسيرة ناعمة، وكان ثمنها إرهاقا كان كافيا لكي تغزو مصر أمم وإمبراطوريات لثلاثة آلاف عام وجدت في بلادنا ما يستحق الغزو والاستيلاء والاستنزاف. وبصراحة فقد تحملت مصر العبء التاريخي للنيل بقدر ما بادلته حبا وللأسف فإن أشقاءنا في العالم النيلي لم يعرفوه إلا اليوم. السردية المقدمة في المفاوضات الآن وفي مطلع الألفية الثالثة والقرن الحادي والعشرين هي أن مصر أخذت من الماء نصيبا غير مستحق؛ ولم يجر التساؤل ولو مرة واحدة عما فعل الآخرون بمياه النيل خلال العشرة الاف عام الماضية. لا أحد لا في مجلس الأمن ولا في الاتحاد الإفريقي تحدث عن البعد الحضاري لقضية النيل، بما فعلته مصر للنهر العظيم وما فعلته دول أخري لديها 12 نهرا وبحيرات عظمي وأمطار تتجاوز تريليون متر مكعب سنويا، ومع ذلك عانت المجاعة في العصور الحديثة.

مصر لم تكن يوما مسئولة عن فقر إثيوبيا ولا مجاعاتها، وهي الكيان السياسي المستقل على مدي ألفين من الأعوام، ولم يحاول الاستعمار معها اغتصابا إلا من جانب إيطاليا (1936-1941)، وقبل ذلك وبعد ذلك كانت مستقلة وحرة عندما جرى توقيع اتفاقيات 1902، 1929، 1993، 2008. حدود إثيوبيا الحالية، ومعركتها مع إرتيريا على الحدود، دارت كلها حول تراث الفترة الاستعمارية. السؤال الذي نحتاج البحث عن إجابة عنه هو كيف يمكن لعالم وصل إلى هذه المرحلة العليا من التقدم الإنساني أن يبتلع من الحجج ما يخالف التاريخ، وقوانين الأنهار، والإنجاز الحضاري لسكان النهر. والحقيقة هي أن الأزمة الحالية مع إثيوبيا ليست حول ما هو مذاع من موضوعات، وإنما حول فكرة بناء الحضارة في المرحلة الحالية من تاريخ النيل المعاصر. فالقرار المصري منذ 30 يونيو 2013 هو أن تبدأ مصر مرحلة جديدة من عمليات بناء الحضارة التي لا تبدو فقط في العمارة، وإنما أيضا، وربما أصعب، مع بناء الإنسان. إثيوبيا أيضا تقول إنها تريد التنمية والكهرباء والطاقة والتغيير والانطلاق إلى مراتب دول متقدمة وربما موحدة حول مشروع تنموي. إذا كان ذلك كذلك فإن تحقيقه لا يكون ببخس حقوق مصر التاريخية بل بإعلائها وتأكيدها لأن هذه الحقوق كانت صنو حضارة طويلة وعريقة في عصور سبقت ونضال طويل في عصور لحقت ضد الاستعمار بأشكاله وأنواعه المختلفة ومحاولاته اغتصاب مصر ونزع حقوقها.

* نقلًا عن صحيفة الأهرام

الأكثر قراءة

[x]