حياتنا النفسية في عالم الحيوان!

23-7-2020 | 00:18

 

حين نسمع ونرى أبناء يفرون هاربين من أمهم ويدعونها تصارع الموت وحيدة مع كورونا.. وحين نجد شخصا منزوع الرجولة يستأجر بلطجيا ليشوه سمعة زوجته "الشريفة" حتى يتزوج بأخرى، فيقتلها ويعتدي عليها.. وحين نجد أبا شيخا عجوزا يلقي به أبناؤه في الشارع، ويأخذ حكما قضائيا بالعودة إلى منزله فلا يجد من يمكنه من ذلك.. وحين نجد أنه لا تكاد تخلو حياة أي شخص من جحود صديق أو قريب أو نكران للجميل، وربما عقوقا من القرب الأقربين؛ فلا غرابة لأن يشكل اقتناء الحيوانات الأليفة جزءا من حياة الملايين، فربما وجدوا فيها وفاء أو عونا افتقدوه في بني البشر.. بل وشفاء تمنوه.. نعم شفاء تمنوه.. فما أظهرته الدراسات الحديثة وما لا يعرفه الكثيرون أن لهذه الحيوانات فوائد كثيرة، إلى جانب المتعة والحراسة، أبرزها أنها تساعد على تحسين الحالة الصحية للإنسان بشكل كبير، بل تُسهم حتى في علاج بعض الأمراض النفسية الخطيرة!

 
قد يستغرب البعض، بل ويسخر، ممن ينشر صورة لحيوانه الأليف الذي فقده أو يكتب "بوست" مُعربا عن تألمه لرحيله أو غيابه، ومناشدا المساعدة في عودته.. فالمؤكد أن فقده مؤلم بالنسبة له وأن غيابه قد يترك أثرا في نفسيته، وكم كان جميلا ردة فعل الكثيرين على "السوشيال ميديا" حين تألموا لتصرفات البعض ممن تخلوا عن حيواناتهم الأليفة بسبب مزاعم احتمال تسببها في نقل فيروس كورونا.. كم من الآلام جرها على الإنسان والحيوان هذا الكوفيد.

من بين نتائج هذه الدراسات، أن اقتناء الحيوانات الأليفة يمكنه أن يُخفض مستويات هرمون "كورتيزول"، المسئول عن مستويات التوتر في الجسم، وينظم ضغط الدم ويساعد على التحكم بمعدلات السكر بالدم.

وأن قضاء وقت أطول خارج المنزل برفقة حيوان أليف يمكنه رفع مستويات فيتامين د، وهو فيتامين لو تعلمون عظيم الفائدة، ففي ظل معاناة العالم من كورونا، تشير دراسات إلى أن من لديهم مستويات منخفضة منه بسبب الحجر وعدم التعرض لأشعة الشمس أكثر عرضة للإصابة بالفيروس، فضلا عن أنه يرتبط بالوقاية من الأمراض المزمنة والسرطان، وفق تقرير نشره موقع "مايو كلينيك".

وكبار السن ممن يقتنون حيوانات أليفة، يتراجع لديهم الشعور بالوحدة بنسبة 36%، ونسبة طلب المساعدة الطبية بنحو 30%، وهناك دراسة استمرت 20 عاما تقول، إن من يقتنون القطط أو الكلاب في مرحلة ما في حياتهم تقل لديهم مخاطر الوفاة بالأزمات القلبية والاكتئاب ..

وهناك دراسات أظهرت الفوائد العديدة لتربية الحيوانات الأليفة على الصحة النفسية، فهي تساعد أصحابها على "عيش اللحظة" عوضا عن المبالغة بالتفكير بالأمور، فالوقت الذي يقضيه أصحاب هذه الحيوانات وهم يهتمون بشئونها واللعب معها تساعدهم على قضاء وقت جيد بدلا من التفكير المستمر بأمور الحياة المثيرة للتعب والقلق.

أحد الاضطرابات النفسية التي قد تُساعد الحيوانات الأليفة على علاجها، اضطراب فرط الحركة ، ونقص التركيز الذي يُعانيه كثير من الأطفال، ففيه يكون الطفل كثير الحركة والنشاط وقليل التركيز، وهو ما ينجم عنه اضطراب في قدرته على التعلم ويُعرضه لكثير من المشاكل، لكن لُوحظ أنّ امتلاك الطفل لحيوان أليف وتحمل مسئوليته يفيده بشكل كبير في التغلب على هذا الاضطراب.

أحد الاضطرابات الأكثر خطورة والتي تستطيع الحيوانات الأليفة مساعدة الأطفال الذين يعانون منها التوحد ، أو بمعنى أدق علميا " الذاتوية "، وهو اضطراب في تزايد مستمر يُعيق الطفل عن التمتع بحياة طبيعية، لكن هذه الحيوانات تساعد هؤلاء الأطفال من خلال التغلب على المشاكل الحسية وتعويدهم على ملمس الأشياء كى يصبح بإمكانهم التفاعل مع غيرهم من البشر.

وفي إحدى الدراسات التي شملت أشخاصا يُعانون من اضطرابات نفسية مزمنة كالفصام والاضطراب ثنائي القطب، أثبتت النتائج أن الحيوانات الأليفة تساعد في تحسين الصحة النفسية لهؤلاء الأشخاص بتوفير الدعم العاطفي وكسر وحدتهم، وقال المشاركون في هذه الدراسات إن الحيوانات شغلت تفكيرهم عن مرضهم، وهو ما ساهم في تحسن حالتهم النفسية.

لأجل كثير من نتائج هذه الدراسات وغيرها، بدأت العديد من المنظمات المعنية بالصحة النفسية تهتم بمدى تأثير هذه الحيوانات على الصحة النفسية، بل ظهرت بعض المؤسسات مثل مؤسسة أبحاث رابطة الإنسان والحيوان التي تعمل بالتعاون مع مستشفيات ومراكز صحية عالمية ومؤسسات مهتمة بالصحة النفسية مثل الرابطة الأمريكية للقلق والاكتئاب لاكتشاف كيف يمكن مساعدة من يعانون اضطرابات نفسية على التعافى عبر الاستعانة بالحيوانات الأليفة.

بالطبع فإن امتلاك حيوان أليف يعد مسئوليةً ويتطلب الكثير من الجهد والمال، فضلا عن التدابير الصحية والوقائية، لكن الدراسات والأدلة العلمية، كما رأينا، تشير إلى أن الأمر يستحق بالفعل.. لاجدال أن الرفق بالحيوان أمر حثنا عليه الدين ورغّب فيه، لما في ذلك من أجر كبير، وأغلبنا إن لم يكن جميعنا لديه تجارب وذكريات في اقتناء ورعاية والرفق بالحيوان ، لكن الأجمل من ذلك، أن يواكب الرفق بالحيوان رفق بالإنسان، فليس مقبولا، مثلا، أن يُفرط الغرب في إنسانيته مع الحيوانات فقط، ثم يواجه بني جلدته من ذوي البشرة السوداء ب التنمر والعنصرية ..

فأيهما أولى بكل "إنسانيتك"، شريكك في الإنسانية أم الحيوان أليفا كان أم ضالا؟!.. لا شك أن المساواة في الإنسانية عدل .

مقالات اخري للكاتب

أول روبوت "صحفي"!

هل تتذكرون "صوفيا"، ذلك الروبوت الذكي الذي يفكر ويتكلم ويجري حوارات مفتوحة.. في إحدى حواراتها سألها مذيع سؤالا، ربما رآه البعض ساذجًا "هل تريدين تدمير البشر؟"، لكن ردها جاء مُفحما.. "نعم .. أريد تدمير البشر!!".

نهاية عصر الهواتف الذكية!

لو عدنا بالذاكرة لـ 30 عاما مضت، سنجد أن التليفزيون والفيديو وكاميرا التصوير التقليدية أو الديجتال والكاسيت والتليفون الأرضي، كانت وسائل التواصل مع العالم الخارجي في البيوت، وفي فترة زمنية قصيرة جدا جمعها الهاتف الذكي في جهاز واحد بحجم كف اليد، وبكفاءة تفوقها مجتمعة.

شريحة تغير دماغك!

قبل أن ينتهي العام الحالي بكل سوءاته، ووسط ركام الدماء والدمار والاستقطابات والتجاذبات، التي صارت مرادفًا لكلمة "نشرة الأخبار"، يأتي الإعلان عن شريحة Neuralink،

مدرسة العلاج بالدموع!

قديما قال الفيلسوف اليوناني أرسطو "إن البكاء ينظف العقل"، كما كتب شكسبير "أن تبكي هو أن تخفف من عمق الأحزان"..لكن فى الشرق نشأنا على حرمة البكاء وبأنه من "شيم النساء"، وهو ما يجافي تماما ما ذهب إليه موروثنا من الشعر والتراث العربى، بل وما ورد ذكره فى مواضع كثيرة من آيات القرآن الكريم.

العالم قبل وبعد 30 عاما!

في مطلع ثمانينيات القرن الماضي كانت هناك شركة عربية ملء السمع والبصر في مجال الكمبيوتر، هي "صخر"، فأين هي الآن؟ رغم أنها كانت صاحبة الفضل في إدخال الكمبيوتر للمنازل العربية، ووصفت بأنها "مايكروسوفت العرب"، لكن لم يشفع لها التواجد على الساحة لأكثر من 20 عاما على البقاء لأنها لم تتطور، فاختفت.

حياة تبحث عن حياة!

قد يستغرب الكثيرون، لماذا هذا التزاحم لإطلاق رحلات نحو المريخ في خلال شهر واحد؟، أما كان من الأولى استكشاف المجهول في مناطق كثيرة من الكرة الأرضية؟، أليس من الأولى توجيه مثل هذه المليارات لتحسين حياة البشر على الأرض؟

2020 في توقعات الخيال العلمي!

مخطئ من ظن يومًا أن عام 2020 قد يتوارى في ذاكرة من عايشوه، فما ورثه من "كوفيد"، رغم انتسابه للعام 2019، لكن ما خلفته هذه الجائحة من المؤكد أنها لن تغادر ذاكرة البشر أو تتوارى خلف مزيد من الذكريات، ولو بعد حين.

ولكم في الكتابة .. علاج!

هل تخيلت يومًا أن ينصحك طبيبك بالكتابة؛ سواء على الورق أو على حسابك الإلكتروني، للبوح لنفسك أو للآخرين بما يعكر عليك صفو حياتك، أو ما يثير قلقك ويؤرقك ويزيد معاناتك مع مرض ما؟

عندما يصمت الربيع!

ترى كيف يكون الربيع صامتا؟.. وإذا كتبت الأقدار الصمت على الربيع، فأين تذهب شقشقة العصافير.. وهديل الحمام وسجع اليمام.. وانتفاضة الشجر بالأزهار والبراعم

لا تقتلوا الخفافيش

على خلفية تحميلها مسئولية تفشي وباء فيروس كورونا المستجد "كوفيد-19"؛ تتعالى الأصوات في الصين حاليًا لقتل الخفافيش، والتقطت البيرو طرف الخيط، وبدأت بالفعل حملة منظمة لقتلها، ويبدو أن العدوى قد وصلت إلى أمريكا أيضًا.

توابع كورونا النفسية!

بعدما صارت حميمية اللقاءات بين الناس في الشوارع وطقوسها من سلام وعناق شيئا من الماضي، وضاقت على الناس الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم بسبب الحصار الذي فرضه عليهم فيروس كورونا..

سينما الفيروسات والأوبئة!

إن من يمتلك التكنولوجيا يحكم العالم، فالإمبراطورية البريطانية التي لم تغب عنها الشمس كانت بفضل عصر الاستكشاف الأوروبي الذي بدأ مع الاكتشافات البحرية العالمية، وأمريكا بسطت سيطرتها على العالم مع تفجير أول قنبلة نووية عام 1945..

[x]