فى انتظار قرار أمين على تاريخنا ودماء شهدائنا

19-7-2020 | 15:03

 

كلما قررت ان اكتفى بما كتبته وكتبه كتاب ومواطنون وامتلأت به وسائل التواصل واستند إلى دراسات ومرجعيات قديمة وحديثة تؤكد ما ارتكبه ديلسبس والشركة الفرنسية التى كونها لإحكام قبضتهم ونفوذهم على قناتنا وجعلها ملكا خالصا لهم ولبلادهم وحولوها الى دولة مستقلة تملى إرادتها على الدولة المصرية .. نعم كلما حاولت الاكتفاء بوقائع وجرائم أثق ان كل صاحب ضمير وطنى وكرامة وانتماء واعتزاز ببلاده يرفضها وتثير كل ما فيه من غضب وطنى وجدت صرخات وأوجاع وانين الآلاف من فلاحينا الذين اختطفوا من قراهم ونقلوا مكبلين بالقيود وتحت سياط المستعمرين ليعملوا فى حفر القناة تحت أقسى وأسوأ الظروف وتدق وتدفن عظامهم ضحايا لجرائم السخرة التى أدارها ديلسبس الذى يريد البعض أن يعيدوا تمثاله إلى مدخل القناة.


أننى اتعجب ممن يقبل بتمجيد ورفع رموز من أهانوا واستذلوا أهلهم وأرضهم وكرامة بلدهم ـ لم أستطع إلا ان استسلم لأوجاع وصرخات وأنين من استشهدوا بالسخرة والجوع والاحتراق بالمواد السوداء الحارقة التى كانت تظهر أثناء حفر القناة وصرخات ونداءات آلاف الأمهات والزوجات والآباء الذين لم يعرفوا أين اختفى أبناؤهم الذين لم يعودوا إلى أهلهم وقراهم مرة ثانية ... كلهم كانوا يستصرخوننى ان اواصل الكتابة لعل صاحب قرار ممن يعتزون بكرامة وطنهم ولديهم وعى وعلم بجرائم الاستعمار ولا يقبلون أن يبيعوا تاريخه ونضاله ودماء شهدائه بأموال الدنيا أن يبادر إلى القرار الذى ينهى بشكل قاطع لا رجعة فيه المحاولات المستميتة التى لم تتوقف من الجمعيات الفرنسية التى تكونت من بدايات القرن الماضى لإبقاء قبضتهم ونفوذهم وتكذيب تاريخهم الأسود فيها وتكذيب الحقائق التى تمتلئ بها الدراسات وكتب التاريخ فمن سيصدق أن هناك شعبا يرتكب كيان استعمارى بحقه كل هذه الجرائم ومع ذلك يرفع فى مدخل قناته التى تعبرها الدنيا كلها تمثالا أو رمزا يمجد هذا التاريخ الأسود ؟!. جاء ديلسبس إلى مصر مع قدوم سعيد واليا عليها فى نوفمبر 1854 ـ بعد ان أعادوه إلى السلك الدبلوماسى الذى فصلوه منه ليستغلوا علاقة قديمة تربطه بسعيد منذ كان صبيا وليستغلوا أيضا ضعف خبراته السياسية ليحصلوا على عقود بالإذعان تتيح لهم حفر القناة حيث سيطر تماما على سعيد واستولى لنفسه على جميع الدراسات التى اعدها خبراء سابقون وبفرمان أجبر سعيد على التوقيع عليه جعل من القناة وكل ما حولها مستعمرة داخل الدولة تحت حماية الامبراطورية الفرنسية لمدة 100 عام وبفرمان حق الامتياز فى نفس شهر وصوله إلى مصر وصفه مؤرخون بأنه أكبر عملية احتيال فى التاريخ !! وتآمروا لإغراق مصر فى الديون بعد ان تحملت اكثر من 70% من تكاليف إنشاء القناة والضغط على مصر ليضطر سعيد إلى أول قرض فى تاريخ مصر لإنقاذ الشركة الفرنسية ولتضطر فى عهد إسماعيل ان تبيع جميع أسهمها فى القناة الى انجلترا لسداد ديون القناة وتعويضات تحكيم الإمبراطور الفرنسى ثم تعلن مصر إفلاسها عام 1875 بناء على قرار اللجنة الدولية للديون والتى كان ديلسبس وكيلا لها ثم تنتهى بخيانة ديلسبس لعرابى ولا تتوقف محاولات جعل امتياز الشركة الفرنسية على القناة بلا نهاية وفى عام 1951 يحاولون إنشاء تحالف انجليزى امريكى إيطالى مع فرنسا لتدويل القناة ونشر حملة سياسية ودعائية ضخمة للأخطار التى ستترتب على محاولات مصر لاستعادة القناة والتحذير من خطر حركات وطنية تعيد ما فعله زعماء وطنيون مثل الاقتصادى الكبير طلعت حرب والزعيم محمد فريد ... لم يخطر ببالهم مع بداية خمسينات القرن الماضى أن مصر على موعد مع مخاض ثورى جديد يعيد الحكم لأبنائها ويؤمم قناتها ويسقط رمزا من أسوأ وأسود رموز احتلالها واستغلالها واستذلال شعبها من على مدخل قناتها.

> وبين أكاذيب وتخاريف كثيرة يرددها من لا يقدرون المعانى الخطيرة لإعادة التمثال المهين إلى مدخل القناة وأثره فى اضطراب وعى ومواقف الأجيال الصغيرة حول تاريخ بلدهم ومما قد يكون هناك ولم يتكشف بعد من أسباب وراء إعادة التمثال وما قيل إنه دفع وسيدفع من أموال ـ هناك ما يتردد عما كان يعيش فيه العمال المصريون العاملون فى الشركة الفرنسية من عدالة واحترام لحقوقهم الإنسانية واستحقاقاتهم المادية أجد مجموعة وثائق تحمل عنوان مختلف مراحل النزاع بين شركة قناة السويس وعمالها ... تكشف بالمستندات الرسمية عن الأحوال المزرية للعامل المصرى والاضطهاد وافتقاد العدالة والمساواة مع عمال الجنسيات الأجنبية الذين يقومون بنفس أعمالهم.

> منذ ان شقت قناة السويس بأيدى الكادحين من المصريين واستقرت شركة قناة السويس فى هذه البلاد معتمدة فى أشق وأصعب أعمالها على سواعد المصريين لم يقف كفاح العامل المصرى فى طلب أبسط الحقوق التى وهبها الله للناس ولكنه كان دائما وابدأ ضحية عنف شديد بسبب الظروف الاستثنائية التى امتحنت بها مصر وهى الظروف التى عاصرت مأساة القناة من بدايتها ثم تفاقمت حتى أصبح المصرى غريبا فى بلاده . يسمعون كلام الظالم ولا يسمعون صرخة المظلوم ولا أنين الأرامل والجياع من اليتامى الذين خلفهم عوائلهم ممن ذهبوا ضحية المعاملة القاسية والظلم الشائن فى شركة قناة السويس وكان مجرد الشكوى من الظلم عملا غير مشروع بل جريمة يعاقب عليها القانون وكانت البلاد ترسف فى أغلال الاحتلال الاجنبى ومكبلة بالامتيازات الأجنبية شديدة الوطأة فالمصرى لم تكن له حكومة تستطيع ان تحميه من ظلم الأجنبى الدخيل وكانت الشركة تتعاقد مع نفسها وصاحبة الأمر والنهى وهى التى تحصل على ما تريد وكل ما يصدر عنها تكون له قوة القانون .. ومازال ما جرى فى تلك المرحلة يثير فى نفوس المصريين جروحا لا يمكن أن تندمل وذكريات أليمة تتوارثها الأجيال . وللأسف هناك أجيال جاءت لم يعد يثير فيها المشاعر الانسانية والاوجاع الوطنية ما عاشه وتعذب به واستشهد من أجله اجدادهم من ظلم وإبادة وسخرة وحرمان وتفرقة ونهب لثرواتهم وإجبارهم على المشاركة فى صراع قوى استعمارية لا علاقة لهم به ولا يكسب منها بل يدفع دماء وديون واحتلال لبلاده وبدلا من المطالبة بتعويض عن بعض هذه الجرائم نجد من على استعداد ان يبيعوا تاريخ مقاومة اجدادهم بحفنة من الاموال وادعاءات ترويج سياحى تملك المدينة جميع مقوماته ولعل الاستجابة والخضوع لكل ما تواصل جماعات أحفادهم المطالبة به وفى مقدمتها إعادة تمثال بطل السخرة وإفراغ خزانة مصر واعلان افلاسها وبيع أسهمها فى قناتها وأدخل الانجليز لاحتلالها والذى اسقطته المقاومة الباسلة بعد انتصارنا على عدوان 1956.

> وفى انتظار كلمة وقرار من الأمناء والشرفاء واصحاب العزة والكرامة الوطنية الذين تمتلئ بهم مصر استجابة لحقائق تاريخهم وإنهاء لبصمات سوداء لآثار الاستعمار على أرضهم واحتراما لغضب شعبى لأبناء مدينة من سلالة المناضلين والشهداء والشرفاء وهم مثل أجدادهم لا يقبلون ولا يتسامحون مع من يستهين بتاريخهم وبدماء شهدائهم.

نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

حاسبوهم ... إنهم مسئولون

هل فى قانون الطفل ما يبيح استغلالهم وانتهاكهم وعمالتهم؟! وهل لا يوجد فى هذا القانون ما يحميهم من آباء وأمهات يمارسون أشكالا جديدة من تجارة الرقيق بأولادهم ويعرضونهم للبيع على شبكات التواصل بحجة أنهم لا يستطيعون الإنفاق عليهم!

بين أحداث 21 مايو ...والاختيار؟!

فى رأيى أن الخميس 21 مايو 2020 يوم مهم فى تاريخ مصر الحديثة ولا أقصد فقط الانجاز الضخم بافتتاح المرحلة الثالثة من مشروع بشاير الخير بالإسكندرية وإنهاء

المصريون والأعياد.. والخطاب المنتظر

الاحتفال بالأعياد يجرى فى دماء المصريين كموروث من أجدادهم المصريين القدماء.. مهما اختلفت الامكانات والمستويات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية فالاحتفال

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]