نخبة نهش الأعراض!

15-7-2020 | 15:22

 

مثل موجات الحر الشديدة التى تتعرض لها البلاد صيفا ، فتعكر المزاج وتفسد على الناس معيشتهم، تضرب المجتمع حاليا موجات من أوبئة لفظية وسلوكية تكشف مدى تراجع القيم الأخلاقية وتفشى ثقافة الصوت العالى والافتقار لمدونة سلوك مجتمعية نسترشد بها. المأساة أن النخبة طرف أصيل وفاعل فى هذه الموجات السامة والمريضة.


لا يخلو أى مجتمع، متقدما كان أو متخلفا، من السوءات الأخلاقية والانفلاتات الفردية المجافية للذوق العام، لكن تكرارها بوتيرة متسارعة وتصدرها النقاش العام، يعنى أننا مجتمع مأزوم لا يتعلم شيئا وليس لديه استعداد لأن يتغير.

من أهم صفات الإنسان المحترم فى الريف قبل أن تدهمه التغيرات المادية والاجتماعية، أنه لا يأتى «العيبة». الآن نتعرض بشكل شبه يومى لطوفان من العيب والأفعال المسيئة ليس من العامة، ولكن من نخبة النخبة تعليما ونفوذا وشهرة. لاعب كرة مشهور نشر صورة له على انستجرام مع ابنته (3 سنوات ونصف السنة) ليتعرض إلى سيل من الشتائم والتنمر حول لبس ابنته. مجتمع الانستجرام مثل سكان الكومباوندات، أقلية مفترض أن لديها حدا أدنى من الثقافة واحترام الخصوصية، وهى صفة مميزة لانستجرام. لكن استهدف طفلة (لسه قالعة البامبرز من كام شهر)، كما يقول والدها، يعنى تغافلا كاملا عن بديهيات تربينا عليها. أما الشهادات الصادمة التى تحدثت عن تحرش طالب بالجامعة الأمريكية بعشرات الفتيات، فليست سوى مجرد حالة حظيت بالاهتمام لأنها قصة صحفية مثيرة، بينما هناك مآس كثيرة تحدث يوميا خاصة فى المواصلات العامة، ولا تحظى بالاهتمام. ليس هذا فقط، فقد أصبحت الألفاظ الخادشة والمسيئة، من أناس ملء السمع والبصر، شغل السوشيال ميديا الشاغل، وللأسف نتعامل معها، كما لو كانت مسلسلا هنديا أو مكسيكيا.

كنا ومازلنا نفخر بأننا مجتمع فقير ماديا لكنه غنى بقيمه وتراثه وقوته الناعمة، ونمعن فى ترديد أن مصر لعبت دورا رئيسيا فى الرقى الحضارى للعالم .. فماذا حدث؟ وأين ذهب هذا التحضر، ولماذا تحالفت علينا قيم التخلف والكراهية والتحرش ونهش الأعراض، وأنتجت نخبة تتسيد الساحة حاليا وتفرض على المجتمع سلوكياتها ولغتها المريضة.


نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

معارك الصحافة الحقيقية!

معارك الصحافة الحقيقية!

أحمد مراد وغلافه!

خلال عملي مراسلا للأهرام بلندن منتصف التسعينيات، شغلني ما ينشر عن مصر، خاصة فى الآثار والتاريخ والأدب. لم يكن يمر أسبوع، إلا وتنشر صحيفة قصة خرافية عن الأهرامات أو يصدر كتاب عن كائنات أسطورية بنت حضارة مصر، أو رواية خيالية تعبث بتاريخها. سرعان ما تصبح هذه الكتب الأكثر مبيعًَا.

كورونا والأخ الأكبر!

كورونا والأخ الأكبر!

صحافة.. إن وُجد له مكان!

حسب دراسة حديثة، استعانت الصحافة البريطانية في صفحاتها الأولى خلال أسبوع بـ 111 مصدرًا للمعلومات والرأي لم يكن بينها سوى شخص أسود واحد.

لا تفهم الحياة!

هذا العالم نشيده، فينهار ثم نشيده ثانية، فننهار نحن.. هكذا يعبر الشاعر الألمانى ريلكه (1875-1926)، عن معركة الإنسان مع الحياة.

أفراح كورونا!

أفراح كورونا!

كيف بنى الإسلام أوروبا؟!

كيف بنى الإسلام أوروبا؟!

مادة إعلانية

[x]