مدارس فكرية على أرض وطنية

14-7-2020 | 14:24

 

مغرمون نحن العرب بالمضى وراء شعارات التخوين وإلصاق التهم بكل من يختلفون معنا فى الرأى حتى ولو كان رأيهم اجتهادًا يصيب أو يخطئ لأننا لا نرى إلا وجهة نظرنا ولا نبصر أبعد من أقدامنا، وما أكثر الفرص الضائعة فى تاريخنا نتيجة غرامنا بتجريم الآخر وإلصاق التهم به وكأننا لم نسمع بما قاله الإمام الشافعى إن رأيى صواب يحتمل الخطأ ورأى غيرى خطأ يحتمل الصواب، أو مقولة فولتير الشهيرة: إننى مستعد أن أدفع حياتى ثمنًا لحرية رأى أختلف معه، وأنا أظن أن حق الاختلاف هو واحد من الحقوق الضائعة فى حياتنا المعاصرة، وأضرب لذلك أمثلة كثيرة منها على المستوى القومى مبادرة الرئيس الراحل السادات ب زيارة القدس والمضى فى التسوية على النحو الذى عرفناه.


وسبب دهشتى أننا لم نتمكن كعرب من الحوار معه ودعمه فى مبادرته شريطة ألا يحيد عن الثوابت القومية وألا يمس جوهر القضية الفلسطينية رغم أننى كنت وقتها من المصدومين بما حدث والمندهشين لقرار السادات إلا أننى عدت إلى مراجعة تفكيرى وآمنت أن للمجتهد أجرين إذا أصاب وأجرا إذا أخطأ إذ يكفيه شرف المحاولة، ولهذا فإننا يجب ألا نتصور أن كل من يتبنى رأيًا جديدًا أو موقفًا مختلفًا هو بالضرورة عدو لنا أو خصم أكيد لأسلوبنا في التفكير وطريقتنا في الحياة، وأنا أظن حاليًا أن رفضنا الدائم لخيار الآخر هو واحد من المشكلات الحقيقية التي تعوق الحياة الديمقراطية وتضرب الإجماع الوطنى فى مقتل.

ولقد أبهرنى أن رأيت صورة الرئيس الراحل السادات فى بهو مجلس الشعب السورى منذ سنوات قليلة باعتباره كان واحدًا من رؤساء المجلس فى سنوات الوحدة المصرية السورية ، وأكبرت فيمن فعل ذلك احترامه لسياق التاريخ والابتعاد عن العبث به، كما أراحنى أيضًا أن الموقع الإلكترونى الجديد لرئاسة جمهورية مصر العربية قد وضع السيد محمد مرسى فى مكانه الطبيعى بين رؤساء البلاد، فتلك هى ثقافة العصر وموضوعية الفكر وحياد الرأي، والتاريخ بدهائه المعروف، وعمقه الدائم، وتكرار أحداثه قد وضعنا دائمًا فى مأزق حقيقى لأن محاولة تحريفه أو تغيير معالمه هى محاولة ضد حركة التاريخ ذاته، فأنا مثلًا لا أتحمس لتغيير أسماء الشوارع الكبرى نتيجة اختلاف العهود وظهور نظم جديدة وأرى أن الأسماء يجب أن تظل مهما يكن موقفنا من أصحابها لأنها أصبحت تراثًا تاريخيًا يجب الاحتفاظ به، ونفس الأمر ينسحب على التماثيل والنصب التذكارية، فالمهم فى صاحب المبادرة الجديدة أو الفكرة الرائدة أن يكون مخلصًا لها، مؤمنًا بما يفعل، لا يبتغي من وراء ذلك نفعًا شخصيًا أو شهرة عارضة، ولو أننا لحقنا بركب السادات عام 1977 وما بعدها ربما كان وضع الفلسطينيين أفضل مما هم عليه الآن واضعين فى الاعتبار أن إسرائيل دولة مراوغة ولا يمكن اتهامها بحسن النية أبدًا ولها مخطط طويل لا يغطى عقودًا فقط ولكن يغطى قرونًا أيضًا، ولذلك فإن التعامل معها يحتاج إلى حذر شديد وتمسك قوى بالثوابت كما أنه يحتاج قبل هذا وذاك إلى مركز تفاوضى قوى يقوم على تغييرات إيجابية لمصلحتنا على الأرض وهو ما ليس متاحًا حاليًا.

وأتذكر الآن ما كتبته منذ أسابيع عن الخلاف بين سعد زغلول وعدلى يكن فى تاريخ الحركة الوطنية المصرية، ورفضت محاولات تجريم عدلى باشا لأنه رأى المضى فى التفاوض من أجل الجلاء والدستور بينما كان يرى سعد وغلاة المتطرفين من أنصاره أن التفاوض يأتى بعد الجلاء وليس قبله ووصل بهم الشطط إلى رفع شعار يقول (الاحتلال على يد سعد ولا الاستقلال على يد عدلي)، وهنا نحذر من خطر الانسياق وراء جاذبية الكاريزما ورفض كل ما عداها وإحلال العواطف المشتعلة بديلًا للرؤى البعيدة والأفكار الرصينة، وما أقوله الآن لا يقلل من قيمة سعد باشا زغلول ولكنه قد يرفع بعض الغبن عن تاريخ عدلى باشا يكن، ولتكن لدينا دائمًا رحابة الفكر وسماحة الاختلاف حتى نعطى الفرصة لغيرنا فى أن يقول ما يراه مؤيدًا أو معارضًا، فتلك هى تعاليم الديانات وهى أيضًا الأسلوب الأمثل لتضافر الجهود من أجل تحقيق الهدف مهما تتعدد الوسائل، وإذا غرد طائر خارج السرب فإنه سوف يعود يومًا إلى عشه الأول وإلى أقرانه الحقيقيين.

لذلك فإن خلاصة ما أريد أن أصل إليه هو الدعوة إلى فتح الأبواب والنوافذ لكل الأفكار والرؤى التى نتفق معها أو نختلف دون مصادرة على رأى أحد أو تخوين من نختلف معهم أو تجريم الغير إذا لم تكن آراؤه متفقة معنا أو مؤيدة لنا، ففي الحياة متسعا لي ولك ولغيرنا وليس صحيحًا أبدًا أنك تبنى مكانك على حساب غيرك بل إن فى الأرض متسعا للجميع، وعندما كتب الدكتور عمرو سميح طلعت كتابه الشهير عن فترة الخلاف بين زعيم الأمة سعد زغلول وعدلى يكن فكأنما كان يقدم لنا نموذجًا ل حق الاختلاف بل آدابه أيضًا، فلم نسمع من أحد الطرفين تسفيها للآخر بل امتدت العلاقات الإنسانية بينهما لأنهما خرجا معًا من عباءة ثورة عام 1919، وليس يعنى ذلك كله أننا ندعم الخلاف فى الرأى تطبيقًا لنظرية خالف تعرف بل إننا نتمنى على كل من يقوم بالتصدى للعمل العام أن يكون جلده سميكًا وعقله متفتحًا ونفسيته صافية وإلا غرق فى مستنقع الخلافات والمهاترات والأراجيف وكلها لا تترك أحدًا بخير.. مرحبًا بكل من يختلف معى مادمنا نقف جميعًا على أرض وطنية صلبة وفى بيئة قومية صحية فذلك هو الطريق الأقصر إلى الوعى العربى الحقيقى والرؤية الصادقة نحو مستقبل أفضل لنا وللأجيال القادمة.

* نقلًا عن صحيفة الأهرام

الأكثر قراءة

[x]