الأوبئة ليست صحية فقط

14-7-2020 | 14:10

 

من طبائع الأمور أن يزداد الإقبال على كتابات تعالج قضايا مرتبطة بأحداث يعيشها الناس فى هذه اللحظة أو تلك. والأرجح، بالتالى، أن تكون مبيعات الكتب التى تعالج مسألة الأوبئة فى ازدياد، منذ أن ظهر فيروس كورونا .


وربما تكون الأعمال الروائية المشهورة التى تعالج هذه المسألة هى الأكثر مبيعا، ومن أهمها رواية المُبدع الفرنسى ألبير كامو المعروفة الطاعون . عُدتُ إلى هذه الرواية فى الأيام الماضية، فى ترجمة قديمة، شيقة أنجزتها د. كوثر عبد السلام البحيرى، وراجعها د. محمد القصاص، وصدرت عام 1968 عن المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر التى أُنشئت عام 1961 ثم ورثتها الهيئة العامة للكتاب منذ 1971.

ورغم أن أحداث الرواية تدور حول تخيل انتشار الطاعون فى مدينة وهران الجزائرية عام 1940، فقد برع كامو فى سرد هذه الأحداث بحيث تُقرأ قراءات مختلفة، سواء فيما يتعلق بطبيعة الطاعون الذى يمكن أن يكون سياسيا واجتماعيا، وليس بالضرورة صحيا، أو فيما يتصل بالمكان الذى يحتمل أن يكون مدينة أخرى. يرسم كامو أجواء يشبه بعضها ما يعيشه الناس فى حالة انتشار أوبئة صحية خطيرة، مثل الحجر الصحى، وغلق المنشآت. ومع ذلك، تعمد أن يجعل سرده فيها مفتوحا على مجازات متنوعة، وأن يطرح أسئلة عميقة من النوع المعروف في الأدب الفلسفي.

وتُعد الطاعون إحدى تجليات أدب فلسفة العبث، ورؤيتها لعبثية الوجود البشرى. وقد انتشرت هذه الفلسفة مقترنة بالفلسفة الوجودية أو مستقلة عنها، خلال الحرب العالمية الثانية وبعيدها بسبب هول المعاناة التي سببتها، ودفعت إلى إعادة النظر فى المفاهيم التنويرية عن العقل الإنساني ودوره. ولذا نجد أن كلا من شخصيات الرواية يدخل على طريقته فى مواجهة يجعلها كامو عبثية اتساقا مع خلفيته الفلسفية.

وقد أتاح السرد المفتوح على مجازات مختلفة بالفعل قراءات متعددة للرواية. وربطها بعض ناقديها مثلا بالاحتلال النازي لألمانيا، خاصة أن كامو قاتل في صفوف المقاومة الفرنسية ضده. كما ربطها آخرون ب الاحتلال الفرنسي للجزائر ، والذى تبنى كامو موقفا شجاعا ضده. طاعون كامو، إذن، ليس صحيا فقط بل سياسى أيضا.

* نقلًا عن صحيفة الأهرام

الأكثر قراءة

[x]