"إوعى تبقى حد تاني إلا نفسك"

15-7-2020 | 00:41

 

انصرفت لجنة الامتحان للمداولة تاركة القاعة تكتظ بالكثيرين ممن جاءوا لحضور المناقشة، التفت إلى القاعة.. مرت عيناه على الحاضرين سريعاً.. كان يبحث عن شخص واحد.. وعندما تلاقت أعينهما ابتسما ابتسامة ذات معنى خاص لا يدركه سواهما.

والتف الكثيرون من الأقارب والأصدقاء حوله لكن الوجوه جميعها كانت متشابهة بالنسبة له، ولا يرى فى تلك اللحظة إلا وجهاً صغيراً يجرى إلى بيته ليخبر أسرته بنجاحه فى الثانوية العامة بمجموع 96%..

لم يكن الصبى قد اتخذ قراره للالتحاق بكلية معينة، فهو مثل باقى زملائه لم ينالوا قسطاً من المعرفة حول الخيارات التى سوف تتاح لهم بعد الثانوية العامة ، كل ما يعرفه أنه يجيد المذاكرة سواء المواد العلمية أو الأدبية، بل ويتفوق فيها جميعها، إذن ما المعيار الذى يمكن أن يحدد على أساسه الكلية التى سوف يلتحق بها ويكمل حياته فى التخصص الذى سوف يدرسه فيها؟.. ومثل أغلبية زملائه كان اللجوء إلى معيار "المجموع"، وبالتالى تقدم إلى كلية الطب ليصبح طبيباً مثل أخيه الكبير.

فى أول أيامه بالكلية ذهب إلى المشرحة ورأى لأول مرة جثة.. أغمى عليه فوراً وأخرجوه من المكان بسرعة.. هذا الصبى رقيق المشاعر، مرهف الإحساس، المحب لكل الناس لم يتحمل أن يرى من يحبهم راقدين مسلوبى الإرادة تنتهك آدميتهم بأيدى الطلبة والأساتذة، حتى ولو كان الهدف نبيلاً وضرورياً لتخريج أطباء يعالجون المرض، تلك هى طبيعته ولا حيلة له فيها!!

وكان عليه أن يتخذ قراراً سريعاً وحاسماً، وفعلاً قرر ألا يكمل فى كلية الطب .. لكن إلى أين يذهب؟ ظل هذا السؤال يعتصره أياماً حتى قرر فى النهاية أن يلتحق ب كلية الحقوق التى يدرس بها أخوه الآخر.

كان القرار مفاجأة للأسرة ولزملائه الذين اعتبروه لفترة طويلة بعدها أحمق وسفيه.. لكنه لم يبالِ، وفى الصباح أخذ أوراقه من الطب وتقدم بها إلى الحقوق، وظل سؤال يطارده على ألسنة الطلبة والموظفين وكل من يعلم بحكايته: لماذا؟؟ وتكون إجابته إيماءة وإشارة برأسه ونظرة من عينيه الخضراوتين تزيد من حيرة السائلين.

كانت تأتى عليه لحظات يفيق ويسأل: ماذا فعلت بنفسى؟ لكنه كان لا يجد إجابة.. كان يشعر أن هناك قوة تدفعه للأمام وليس للخلف، لذلك لم يتردد وترك نفسه لها.

تآلف مع العلوم القانونية سريعاً، وكان تفوقه فيها مذهلاً.. لقد وجد نفسه فى تلك الدراسة فاندمج فيها بكل كيانه، إنه بقدراته الطبيعية يستطيع التفوق فى أى مجال، فإذا اجتمع التفوق مع حب تلك العلوم لدرجة العشق فلابد وأن يكون التميز.. وبالفعل نجح أن يكون متميزاً على جميع من حوله.. لكن لم ينجح فى أن يكون الأول فى الترتيب فى السنة النهائية.... لماذا؟ أيضا لم تكن هناك إجابة، بالرغم من منطقية وحتمية حدوث تلك النتيجة التى كان يتوقعها الجميع... لكنه القدر الذى يرسم خطانا للأفضل دون أن ندري.

لم يشغل باله بالبحث عن إجابة.. فقد اعتاد على وجود هذا السؤال فى حياته بدون إجابة منذ سنين.. لكنه كان يزيده إصراراً على التحدى والاستمرار فى طريقه.. لذلك لم يتردد فى إكمال دراساته العليا.. فحصل على الماجستير ولم يعد إلا لحظات ويحصل على الدكتوراه .

كانت كلمة "لماذا" تطارده على ألسنة الناس دون أن يهتم، لكنها طاردته من داخله فلم يستطع الهروب، وقرر ألا يكون "حد تانى إلا نفسه".

شارك برأيك

توقع من سيتوج بكأس الأميرة الإفريقية ؟

مقالات اخري للكاتب

برج البرلس .. عبقرية المكان بطعم زمان

بصمة مميزة يتركها في ذاكرتك دون أن تشعر لتسكن بها مدى الحياة، فليس من السهل أن يمحوها مكان آخر، مجرد شريط صغير تكاد تراه على الخريطة، لكنك لا تمل زيارتها والمشي في طرقاتها الضيقة، وفوق تبتها العالية فترى البحر المتوسط باتساعه ورهبته عن يمينك، وبحيرة البرلس برقتها عن شمالك.

فتاة الأوتوبيس .. عايزة حقها

ركبت الأوتوبيس من القاهرة عائدًا إلى بيتى فى مدينة طنطا، وبعد أن وصل الأوتوبيس إلى الطريق الزراعى، قامت المضيفة - فتاة صغيرة فى العشرينيات - وبدأت بدفع عربتها الصغيرة التى تتجمع عليها مختلف السلع التي قد يبتغيها الركاب من العصائر والشاي والقهوة والبسكويت والساندويتشات ...إلخ.

أحلام زينب (1)

زينب فتاة بسيطة، آتاها الله سبحانه وتعالى ووالدتها حظًا وافرًا من الرؤيا الصادقة، وذلك عن تجربة وبشهادة الكثيرين، علاقتي بهما لا تتجاوز التحية صباحًا أو مساءً، والسؤال عن الأحوال أحيانًا، لا أكثر ولا أقل.

قطعن أيديهن .. وتقطع قلبها

بسم الله الرحمن الرحيم .."فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ".. صدق الله العظيم

أجمل حب

مضت سبع سنوات على وفاة أمه.. وياليتها كانت أمًا عادية، لقد كانت نورًا وبسمة وأملًا لكل من حولها.. لكنها رحلت.. ولابد أن تستمر الحياة.. هو سوف يتزوج قريبًا.. وإخوته سوف يتزوجون في يوم من الأيام.. وسوف يبقى الأب وحيدًا!!

يعيش طبيب الغلابة

من حسن حظي أن طبيب الغلابة وأنا أبناء بلدة واحدة، وكنت أمر على عيادته كثيراً، وفى كل مرة كنت أنظر - حرفياً - إلى "اليافطة" التي عليها اسمه.. كما كنت أقف وأطيل النظر إليه عندما أراه فى الشارع، ربما لأؤكد لنفسى أن هذا الرجل موجود بالفعل وليس أسطورة.

"رونا" و"تورا" .. وصفة لحماية المستقبل

كانت المرة الثانية التي أذهب فيها للعمل في جامعة بيرجن بالنرويج.. وما إن وصلت إلى المطار وأنهيت إجراءاتي وخرجت، حتى وجدته يحمل لافتة مكتوبًا عليها اسمى..

كورونا.. بين السما والأرض

بين الحرص والخوف والاعتزال والتأمل والانتظار وغيرها من الأحاسيس التى انفردت بنا، وأخذت تتقلبنا بين يديها منذ بدأت تلك الأزمة، وجدتني أتذكر فيلم "بين السما

"أبلة وداد".. التربية ثم التعليم

"أبلة وداد".. التربية ثم التعليم

"المهرجانات" .. فن ينتشر أم ذوق ينحدر؟!

"المهرجانات" .. فن ينتشر أم ذوق ينحدر؟!

ياريت اللى جرى ما كان

من الأمور التي شغلتني كثيرًا في مرحلة الشباب، وعند الإقبال على الزواج، ثم لاحقًا عندما أصبحت زوجًا وأبًا، مسألة العلاقة بين الرجل والمرأة، والأسلوب الذي

"كـيـمـيا" المتحدث الرسمي

أصبح مصطلح "كيميا" شائعًا في حياتنا، يستخدمه البعض أحيانًا للإشارة إلى سهولة الأمر وبساطته، فيقولون "مش كيميا يعني".

مادة إعلانية

[x]