الإمساك بالحضارة السالفة

13-7-2020 | 15:41

 

لعل الإمساك بالحضارة العربية الإسلامية وانجازاتها فى كل فرع من فروع العلم والمعرفة عبر أربعة عشر قرنًا.. لعله الحبل الأول لتجميع الأقطار العربية للالتفاف حول مشروع عربى يكلأ بحمايته مصيرهم المشترك. هذا المصير الذى لا يختلف عاقل على أنه يجمع هذه الأقطار حتى وإن اختلف التوقيت المرسوم لكل منها فرادى وفقًا للمشاريع الأربعة المعادية.. الإسرائيلية، والتركية والإيرانية والأمريكية.


عشت شخصيًا لعدة سنوات وأنا أطوف بجنبات هذه الحضارة الواسعة لأجمع موادها لوضع كتاب الإسلام والعلم والحضارة الذى صدر من شهور .. أيًّا ما اختلف البعض أو اتفق على الوحدة القومية ، فإن أحدًا لن يختلف على وحدة اللغة، والتى بها نزل القرآن، وترجمت إليها الأناجيل والعهد القديم، وعلى وحدة الحضارة العربية الإسلامية، بل ومكانتها فى تطور الحضارة الإنسانية، وتأثيرها فى النهضة الأوروبية بخاصة. قيمة هذه الحضارة التى ضربت فى كل باب، ليست فى التباكى على ما فات، وإنما فى الامساك بخيوطها الكفيلة بالتجمع على مشروع عربى موحد..

لقد تجلت هذه الحضارة فى الإبداع وفى النقل ، وفى العلوم والطبيعة ، وفى الرياضيات والفلك ، وفى الميكانيكا والهندسة، وأنجزت فيها وفى علوم الحياة والكيمياء والصيدلة والجيولوجيا والتعدين إنجازات مشهودة، وامتدت هذه الإنجازات إلى العلوم والكشوف الجغرافية ، وإلى الملاحة البحرية وأجهزتها العلمية، وإلى الفكر والفلسفة الإسلامية ، وصلتها الوثيقة بالعلم، فضلاً عن صبغتها الدينية الروحية.. وإلى هذه الحضارة ترجع الخيوط الأولى لعلم الاجتماع، وقصب السبق فى سن قوانين للحرب تكفل التخفيف من ويلاتها والالتزام بأصول إذا لم يكن من الحرب بد، ولم تخل إنجازاتها من الطب وتصنيف المدونات الطبية التى ظلت مرجعًا للعالم وللغرب حتى بداية عصر النهضة الذى يدين بالكثير إلى هذه الحضارة التى أسهمت فى تكوين الفكر الأوروبى وفى النهضة الأوروبية، فضلاً عن الأندلس التى ظلت لقرون نموذجًا لهذه الحضارة وما تكفله وتحققه.

وظنى أن التجمع العربى حول مشروع عربى لن يبدأ من الصفر، ولا حتى من أول السطر، ومفتاح ذلك يتمثل فى فروع تلك الحضارة .. فالعالم العربى عامر اليوم بعلماء ومفكرين وكتاب فى كل فرع من هذه الفروع، وحافل أيضًا بالمجلات والمصنفات النوعية التى تجمع هؤلاء وأولاء, على اختلاف الاقطار, على كل فرع من هذه الفروع .. فكل زمرة من هذه الزمر فيها المصرى والجزائرى والسورى والسعودى و اللبنانى والمغربى والفلسطينى والسودانى والتونسى والعمانى والأردنى والليبى والإماراتى والبحرينى واليمنى ، بل ولهم امتدادات فى كل من تركيا وإيران، وهذه الزمر ذخيرة حية جاهزة تحمل فكرها ومرجعياتها وعقلها، ولا تنقصها الإرادة. هذه الإرادة التى تكفل تقدمها خطوة للأمام لصياغة أو على الأقل لجمع عناصر مشروع عربى موحد يقى العالم العربى من الأخطار الجسيمة المحدقة به ، فضلاً عن إنماء ثرواته الاقتصادية.. المادية والبشرية، وإفساح المجال ليأخذ هذا العالم العربى مكانه اللائق فى عالم يتكتل فى تجمعات وتكاملات ، حتى يكاد لايوجد فيه مكان لائق للكيانات الصغرى .

ماذا يمكن أن يحقق علماء الاقتصاد إذا أعطوا جانبًا من جهودهم للحث بل ولتحقيق التكامل الاقتصادى .. أليس فى هذا التكامل قوة ؟! ألم تنجح فيه أوروبا رغم تعدد القوميات وتعدد اللغات، فكيف بعالم توحده اللغة ويوحده المصير المشترك، فضلاً عن العوامل القومية التى لن يختلف أحد على التمازج الذى حدث وتراكب عبر قرون، وأنشأ قرابات دم وقرابات أرحام ، وقرابات جوار، وقرابات أنساب وأواصر وعلاقات.

ألم يتجمع هذا العالم سلفًا حول عبد الوهاب وأم كلثوم ، وحول نجوم الفنون الذين بزغوا تباعًا فى أقطاره.. ألم يتجمع هذا العالم حول قراءة أعمال العقاد وطه حسين وتوفيق الحكيم مثلما تجمع حول أشعار الجواهرى وبدر شاكر السياب ومحمود درويش وأبى القاسم الشابى وصفى الدين الحلى، وقل مثل هذا فى عالم السينما والمسرح والإذاعة، وفى الفنون الشعبية، وفيها تجلت الجسور التى ربطت هذا العالم عبر القرون، وبدا فيها اتصال وتواصل وامتزاج وتفاعل وانصهار لم يصنعه قرار، وإنما صنعته أعمال وبطولات ساهمت فيها هذه الأقطار.. فسيرة عنترة بن شداد ضاربة فى العصر الجاهلى والمعلقات، ممتدة إلى ما بعد ظهـور الإسلام. ومع أن حيز وقائعها كان فى شبه الجزيرة العربية ، فإنك تلمح آثارها وعلامات الانصهار فى سيرة ذات الهمة التى شبهت بطلها الصحصاح بعنترة بن شداد، وكذلك سيرة حمزة البهلوان، وفى كثير من السير الشعبية التى بدا تأثرها بسيرة عنترة بن شداد فى التشبيهات وفى طريقة رسم الأبطال ووصفهم وفى تقليد الأحداث. تجد المشكلة الاجتماعية الحاضرة فى سيرة عنترة، حاضرة أيضا وشاغلة للمجتمع العربى هنا وهناك فى كثير من السير والموروث الشعبى بعامة.. وكيف يرجع الانتباه إلى عيوب الرق و التفرقة العنصرية إلى سيرة بلال بن رباح و سلمان الفارسى وعبادة بن الصامت فى الإسلام.. عن تأثير سيرة الأميرة ذات الهمة، كتب الدكتور فؤاد حسنين: وقد أثرت تأثيرًا كبيرًا فى العالم الإسلامى حتى إن الأديب التركى ابتدع قصة أخرى تستمد من قصصنا العربية خيالها وبعض وقائعها، وهى التى تعرف باسم سيد البطال.. أما سيرة الظاهر بيبرس فتكاد أن تكون امتدادا لسيرة الأميرة ذات الهمة من الناحية الزمنية، وفيها تلمح كيف اتسع فى السيرة مدلول كلمة عربى اتساعًا ضخما يشمل التركيب الاجتماعى السائد فى المنطقة كلها التى تجمعها مصالح مشتركـة ويهددها خطر واحد وتدين كلها بتعاطف من عناصره: الدين واللغة والامتزاج الذى انعكس فى إحساس حاضر بالتوحد.

لم أقصد بهذه الخواطر أن أرسم مشروعًا عربيًّا ، فهذه مهمة جليلة تحتاج إلى تساند الجهود والخبرات، وإلى عزم الإرادات ، وإنما قصدت فقط أن أرفع إصبعى لأشير إلى معالم تشجع الحكومات والخبراء على التقدم بلا وجل ولا تردد لتهيئة الظروف التى تجعل الحلم فى مشروع عربى موحد، واقعًا يجب أن تلتف حوله كل العقول والخبرات والإرادات.

* نقلًا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

التركية العثمانية وأنهار الدماء (2)

التركية العثمانية وأنهار الدماء (2)

القانون وشرنقة الاعتياد

القانون وشرنقة الاعتياد

لن ينال السلام إلا القادر على الحرب

لن ينال السلام إلا القادر على الحرب

ما لا يقتلك يقويك

ما لا يقتلك يقويك

المشروع العربي.. أين؟!

لا يختلف أحد من الخبراء والعارفين، على أن العالم العربى محاصر بمشروع إسرائيلى وآخر تركى وثالث إيرانى فضلاً عن المشروع الأمريكى، ولأن المشروع العربى غائم أو غائب تمامًا، ولا أن الوضع القائم يمثل خطرًا حالاً وآخر قادمًا يشكل أكثر إتساعا على الوطن العربى ، يستهدف بلقنته وتفتيته وإجهاضه وتعقيمه.

أدب الاختلاف

أدب الاختلاف

مادة إعلانية

[x]