طائرات زمن الهدوء

13-7-2020 | 15:39

 

اختفت من سماء المنطقة المحيطة بمنزلى، أو كادت، طائرات ورقية حلقت فيها منذ آخر مارس الماضى، عقب بدء العمل بقرار حظر التجوال الجزئى الذى اتُخذ ضمن إجراءات وقائية بهدف الحد من تفشى فيروس كورونا . لجأ الشباب إلى تطيير تلك الطائرات، سعيا إلى كسر الملل المترتب على البقاء فى البيوت لأوقات طويلة لم تقتصر على فترة حظر التجوال، عملا بأحد الإرشادات التى تهدف إلى تقليل الاختلاط لتجنب العدوى. عادوا إلى بعض ما كان أسلافهم يفعلونه فى زمن آخر كان الهدوء وقلة الضجيج إحدى سماته. لم يكن معظم المصريين حينئذ مضطرين إلى أداء أكثر من عمل واحد للوفاء بحاجاتهم الأساسية، أو لتحسين مستوى حياتهم. كان عمل واحد كافيا لحياة كريمة فى الأغلب الأعم، قبل استشراء الميل الاستهلاكى الذى لا يقف عند حد منذ منتصف سبعينيات القرن الماضى . فى زمن الهدوء، لم تكن هناك على سبيل المثال فقط أنواع لا حصر لها من السلع التى كانت توصف بأنها كمالية، كانت هذه السلع، وفى مقدمتها الأجهزة الكهربائية, مصرية. كان التليفزيون فيليبس، والثلاجة إيديال، مثلا فى بيوت المصريين بفئاتهم الاجتماعية المختلفة الميسورة (قبل ظهور الثراء الفاحش) والمتوسطة والمستورة. وكان عدد السيارات الخاصة قليلا، الأمر الذى جعل الشوارع والميادين هادئة باستثناء فترتى ذروة محدودتين صباحا وظهرا. مضى ذلك الزمن، الذى كان عدد المصريين فيه معقولا، فساد هدوء فى حياتهم وتفاعلاتهم، وجاء زمن الضجيج الناتج عن عوامل أهمها الزحام. فقد حدثت زيادة سريعة فى عدد السكان منذ الثمانينيات، فى غياب خطط مبكرة للاستفادة من الموارد البشرية المترتبة على هذه الزيادة، فتحولت إلى نقمة بدلا من أن تكون نعمة. كانت الطائرات الورقية إحدى هوايات الشباب فى ذلك الزمن، عادت هذه الهواية جزئيا لفترة قصيرة، وملأت طائرات ورقية صنعها وطيرها شباب ماهرون جزءا من فراغ فى السماء ترتب على وقف رحلات الطيران، وذكَّرتنا بزمن الهدوء، وبأغنية الفنانة الكبيرة فيروز التى تقول فى مطلعها (طيرى يا طيارة طيرى/ يا ورق وخيطان/ بدى أرجع بنت صغيرة/ على سطح الجيران).


* نقلًا عن صحيفة الأهرام

[x]