المتن المقدس والمتون البشرية (9)

12-7-2020 | 14:47

 

إن من الخطأ التوحيد بين حرفية المتون البشرية و نصوص الوحى المقدس ، ومن الخطيئة الخلط بين الأشعرى وابن تيمية وغيرهما وكلام الله تعالي، فهذا خلط واضح بين البشرى والإلهي، وبين النسبى والمطلق. وهنا الخوف على نقاء عقيدتنا فى الواحد الأحد، (... أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ أَحَدًا ) (سورة الكهف: 26).


إن الذى يعيش فى المتون البشرية القديمة كليةً آملاً أن يجد المستقبل، مثله مثل قائد حافلة يقودها وهو ينظر إلى الخلف كل الوقت! إن قائد الحافلة لا يحتاج إلى النظر للخلف إلا بعض الوقت، لا كل الوقت، وإلا اصطدم بالواقع! والنتيجة توقف حافلته فى حادث مريع، بينما بقية الحافلات تسير فى وجهتها متقدمة إلى الأمام! هل علمتَ الآن أحد أسباب تخلفنا وتقدم الآخرين؟!

إننا لا يجب أن نعيش فى المتون البشرية القديمة آملين أن نجد المستقبل، على الرغم من تعمقنا فيها وتعلمنا منها درسا وتحقيقا وتأليفا، بل نعيش فى الواقع وننظر إلى الأمام معظم الوقت، ولاننظر إلى الوراء إلا بعض الوقت حتى نأخذ العبرة ونتعلم من سنن الله فى التاريخ. والمقصود هنا التراث البشرى وليس المتن المقدس؛ لأن رسالة الوحى المقدس لكل العصور ويجب أن ننظر إليها دوما، عين على الواقع، وعين على الوحي، وعين على العلوم، وعين على المصالح المرسلة، وعين على الأمم الأخري. فهذا ما أمرنا به المتن المقدس، أن ننظر معظم الوقت إلى الأمام، وألا ننظر للخلف إلا بعض الوقت للتعلم من سنن الأولين، (لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى الألباب) (يوسف: 111).

ولو كان أبو حنيفة قد قدس متون السابقين عليه لما كان أبا حنيفة، وما كان مذهبه الذى يسيطر على معظم قوانين الأحوال الشخصية فى بلادنا وفى كثير من البلدان. ولو اتبع الشافعى متون السابقين عليه حرفيا، لما صنع الشافعى متنا بشريا جديدا، ولما كان الشافعى الفقيه والأصولى الذى نعرفه، وما كان مذهبه الذى لا يزال حيا. ومحمد عليه الصلاة والسلام لو كان قد قدس متون قريش، لما بُعث نبيا ورحمة للعالمين، وقل مثل ذلك فى كل الأنبياء قبله.

ولو كان علماء الطبيعة أو الرياضة أو الطب أو الفلك مثلا زعموا القداسة للسابقين عليهم من العلماء، لما شهدت العلوم هذه الطفرات المتتالية، ولكنا وقفنا عند حدود ما وصل إليه أرسطو أو بطليموس أو أرشميدس أو جالينوس أو ابن الهيثم أو ابن حيان أو ابن النفيس أو غيرهم. إنهم عظماء بلا شك، وطوروا علوم عصرهم وعلوم السابقين عليهم، لكنهم لا يملكون الحقيقة المطلقة، وليست لهم قداسة تمنع اللاحقين من الوقوف مكتوفى الأيدى فى عملية التطور واكتشاف قوانين الطبيعة وتطوير العلوم، ولا تمنع اللاحقين أيضا من اكتشاف المعانى المتجددة لكلمات الله المكتوبة التى لا تنفد، واكتشاف كلماته المخلوقة فى الطبيعة التى لا تتوقف، (وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (النحل : 8)، فهو المبدع بإطلاق وباستمرار. وما ينطبق على علماء الطبيعة والرياضة والطب، ينطبق على علوم الدين، فهى أيضا علوم بشرية وضعها بشر وقابلة للتصحيح وقابلة للتطور وقابلة للتطوير، وقابلة للتجاوز إلى ما هو أدق دوما. وبالفعل تطورت علوم الدين داخليا لعدة قرون، ثم تجمدت بفعل العاجزين عن التطور والتطوير، أولئك الذين يتغنون بميراث آبائهم دون أن يضيفوا له شيئا جديدا.

وسبق التأكيد فى كتابى « العقلانية والتعصب » أن الأصل الأول لكل تعصب دوجماطيقى هو اليقين المطلق التى تتسم به بعض الأفكار البشرية اعتمادا على التسليم ببعض المتون البشرية دون الاستناد إلى براهين يقينية، ودون تمحيص أو تمهيد نقدى للأسس التى تقوم عليها، ودون أية قابلية للنقاش والحوار حول هذه الأفكار، ودون أية إمكانية لتغييرها أو تعديلها بناء على ما يستجد من أحوال أو يتبدل من متغيرات علمية ومعرفية!

ولذا فالتعصب الدوجماطيقى للمتون البشرية موقف جامد يعاند التطور والتجديد ومراعاة الظروف وتغير الأحوال، ولا يقبل النقاش ولا التغيير، حتى وإن تغيرت الظروف التاريخية، فآراؤه مقدسة ومنزهة عن أى نقد!

ومن ناحية أخرى فإن من الخطل والمَنْطقُ الفاسد الزعم بأن أى تعاليم بشرية هى مبادئ وقواعد يقينية مطلقة تصلح لكل زمان ومكان. فالبشر ذوو عقول نسبية متغيرة، ومن ثم فإن على الإنسان أن يسعى لمعرفة الحقيقة بالبحث فى الكون، وفى النفس، وفى الوحى المقدس، وفى المراجع العلمية، مستخدما مناهج البحث العلمى سواء فى العلوم الطبيعية والرياضية أو العلوم الإنسانية والاجتماعية أو العلوم الدينية.

ومما يعارض طبيعة التفكير العلمى وسنن الواقع، زعم بعض الأصوليات الدينية أن أفكار الأشعرى أو ابن تيمية أو غيرهما، مبادئ وقواعد مطلقة تصلح لكل زمان ومكان! فهذا رفع لمتونهم إلى مستوى الوحى الإلهى فى شكله المكتمل فى المتن المقدس (القرآن الكريم)، وأخشى أن يكون شركا. وقل مثل ذلك فى الأصوليات غير الدينية مثل الأصولية الماركسية مثلا- التى ترى أن تعاليم ماركس وإنجلز ولينين إنما هى تعاليم مطلقة تصلح لكل زمان ومكان!

وقد وقعت قديما الكنيسة الرومانية الكاثوليكية فى أوروبا، فى خطأ تاريخي، عندما عدت تعاليم أرسطو وبطليموس حقائق نهائية ومتطابقة مع تعاليم الكتاب المقدس، وأن علم أرسطو وبطليموس علم مطلق لا يجوز الخروج عليه. وكان هذا عقبة أمام تطور العلوم، لأن العلماء وجدوا أنفسهم أمام محاكم التفتيش بتهم الكفر لمجرد محاولة القول بحقائق علمية مخالفة لهما، مثل القول إن الأرض كروية! فقد حاكموا جاليليو لقوله بكروية الأرض حسب نظرية كوبرنيكوس. وهذه القصة معروفة فى شكلها الطريف والساخر من المتمسكين بمتون بشرية بوصفها متونا إلهية لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها.

ففى عام 1616م تم إحضار جاليليو إلى روما لمحاكمته، لكنه أفلت من العقوبة، وتم الاكتفاء بتوجيه أمر له بعدم القول بنظرية كوبرنيكوس. لكنه أصر بعد ذلك على السير فى طريق البحث عن الحقيقة. ونشر براهين جديدة فى عام 1632م يؤكد فيها أن نظرية كوبرنيكوس هى الأصح من نظرية أرسطو وبطليموس، فتم التنبيه عليه مجددا بالتراجع، لكن فى عام 1633م تم اتهامه رسميا وإجباره على الإعلان عن رجوعه عن أفكاره، وحكموا عليه بالسجن المؤبد. ونظرا لأنه كان فى سن الشيخوخة، فقد قرروا أن يقضى العقوبة فى بيته رهن الاعتقال. وعلى الرغم من ذلك، وأيضا على الرغم من إصابته بالعمى وضعف صحته ومرضه، فقد استمر فى البحث والتأليف مستخدما العلم الرياضى فى إثبات نظرياته العلمية. وطبعا أثبتت الأيام الموقف الخاطئ للكنيسة الرومانية الكاثوليكية فى توحيدها بين الكتاب المقدس وبعض المتون البشرية لأرسطو وبطليموس. وبعد أكثر من ثلاثة قرون ونصف القرن، جاء البابا المعروف عنه التسامح الحقيقى والعقلانية الإنسانية البابا يوحنا بولس الثانى Pope John Paul II ، وأعلن فى عام 1979م، أنه ربما تكون الكنيسة الكاثوليكية قد أخطأت وجانبت الصواب فى إدانة جاليليو، ووجه بتشكيل لجنة لتقصى الحقائق.

أرجو أن نتعلم!.

نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

مادة إعلانية

[x]