سد النهضة وخطابنا الإعلامي

11-7-2020 | 16:48

 

مقطع الفيديو المنتشر عبر شبكات التواصل الاجتماعى باللغة العربية والذى تعبر فيه فتاة إثيوبية عما تزعم أنها حقها فى منع اثيوبيا مياه النيل عن مصر، حيث تصب الماء فى كوبين وتقول هذه مياهى أضع الماء فى كوب وأمنعه عن الآخر، يعتبر واحدا من جملة فعاليات تشكل حملة دعائية اثيوبية للترويج لدعاوى زائفة، تشمل صفحات باللغة العربية ولغات أخرى، لبث معلومات مغلوطة وادعاءات كاذبة، حول سد النهضة .


وفى الوقت نفسه بدأت السفارات الإثيوبية حملات دبلوماسية واعلامية مضللة عن السد والنيل فعلى سبيل المثال نشر الموقع الإكترونى لسفارة إثيوبيا بالمملكة المتحدة، تحريضا واضحا تجاه الدولة المصرية، زاعما أن بلادها تتعرض لضغوط دبلوماسية هائلة من مصر وحلفائها.. وذكر انه سيتم تكليف أحد المواقع المتخصصة للمشاركة بنشاط فى حملة التوعية العالمية ودعم السد، فأين نحن من كل ذلك؟. وأين خطتنا الإعلامية ليس فقط مواجهة هذا التضليل، وإنما أيضا لعرض رؤيتنا وبيان حجم المخاطر التى قد تلحق بدولتى المصب جراء عدم الاتفاق على اسلوب ملء السد.

تناولت فى المقال السابق، المنشور 26 يونيو الماضي، الرؤية الحضارية لقضية النيل وعلاقته بالحضارة المصرية مقترحا أن يتم تضمين هذه الرؤية فى المسار الدبلوماسى لمعالجة هذه القضية. واليوم نستعرض أبرز خصائص خطابنا الإعلامى تجاه هذه القضية.

ولكن قبل ذلك لابد أن نتوقف عند نقطة محورية، وهى ان السد ليس امرا آنيا ولا يعتبر قضية طارئة، وإنما هو تحد مستمر لأمننا القومى يحتاج الى معالجات واستراتيجيات طويلة الأمد، لأن فكرة بناء السد لم تبدأ فقط فى ظل الانشغال بأحداث الربيع العربى 2011، وإنما ظهرت منذ وقت طويل، يرجعه خبير الشئون الإفريقية د.حمدى عبد الرحمن إلى فترة بناء السد العالى بأسوان،. حيث أعقبه فى عام 1959 الطلاق بين الكنيسة الأرثوذكسية الإثيوبية والكنيسة الأرثوذكسية المصرية، بعد نحو ستة عشر قرنا من الزواج المؤسسي.

ولم يكتف هيلاسلاسى امبراطور اثيوبيا, ومن خلفه من القوى الغربية الكارهة لتوجه عبد الناصر التحررى المناهض لقوى الاستعمار ـ بذلك، ولكنه بدأ التخطيط لإقامة عدة سدود على النيل الأزرق وروافده، حيث أسهم بمبلغ 10 ملايين دولار من الخزانة الإثيوبية فى دراسة أجرتها إدارة الاستصلاح الأمريكية وصدر تقريرها النهائى عام 1964.ويذكر د. رشدى سعيد فى كتابه نهر النيل نشأته واستخدام مياهه فى الماضى والمستقبل, أن المقترح الأمريكى فى ذلك الوقت كان إقامة 33 سدا أحدها فى الموقع الحالى ل سد النهضة وكان يطلق عليه سد الحدود.

ولم تكن سعة الخزان المقترحة آنذاك تتجاوز 14 مليار متر مكعب. فما الذى دفع اثيوبيا إلى زيادة الطاقة الاستيعابية لخزان سد النهضة لتتضاعف عدة مرات «74 مليار متر مكعب»؟من الواضح أن الهدف الحقيقى ليس الكهرباء ولا حتى الرى ، وإنما الالتفاف على مصر، وأن إثيوبيا توظف هذا السد باعتباره أداة سياسية، و فى الوقت نفسه فإن هناك دولا كثيرة امتد نفوذها الى تلك المنطقة الإفريقية تجاوزت القوى الكبرى المعروفة، حيث دخلت على الخط تركيا وإيران وإسرائيل؛ لذا فنحن أمام تحد وجودى يستدعى أن يكون لدينا خطاب إعلامى إستراتيجيى يدعم المسار الدبلوماسى وغيره من المسارات التى قد يتطلبها الدفاع عن حقنا فى الحياة.

يظهر تحليل خطابنا الإعلامى حول هذه القضية ملاحظتين أساسيتين، الأولى غياب خطة إستراتيجية واضحة لدى القائمين بالاتصال فى مؤسساتنا الإعلامية تجاه قضية سد النهضة ونهر النيل، والثانية أن هذا الخطاب فى معظمه موجه للداخل أو للجمهور العربى عبر القنوات الفضائية المصرية، وهو بذلك يستهدف من هم أصلا مؤمنون بالقضية، بينما يغيب هذا الخطاب عن أولئك الذين ليس لديهم وعى كاف بالرؤية المصرية أو يتعرضون للدعاية المضادة، فهل لدينا إذاعات أو قنوات فضائية أو حتى مواقع إلكترونية وصفحات على شبكات التواصل الاجماعى باللغات العالمية واللغات الإفريقية توضح رؤيتنا وموقفنا أمام شعوب العالم، وفى مقدمتها الشعب الإثيوبى والشعوب الإفريقية ذات الصلة بنهر النيل؟ وأين دور المكاتب الثقافية والإعلامية لسفارتنا بالخارج؟.

لكل ذلك لابد من صياغة خطاب إعلامى ومهنى يوضح الرؤية المصرية ل سد النهضة ويعرض الحقائق الفنية والجغرافية والتاريخية والحضارية لنهر النيل على أن يوجه للعالم أجمع بما فيها إثيوبيا والدول الإفريقية بخاصة ذات العلاقة بمجرى النيل.

نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

سد النهضة.. الحلقة المفقودة بالمسار الدبلوماسي

استمرت مصر قرابة عقد فى مفاوضات مضنية بهدف التوصل إلى حل عادل ومتوازن يلبى مصالح الأطراف الثلاثة (إثيوبيا ومصر والسودان)، وعندما تعثرت المفاوضات نتيجة التعنت الإثيوبي، رفعت القاهرة ملف سد النهضة إلى مجلس الأمن لتؤكد حرصها على المسار الدبلوماسى والسياسى لحماية حقوقها فى مياه النيل.

اعمل من المنزل.. شعار ما بعد الجائحة

تسببت جائحة كورونا فى إغلاق العديد من الأنشطة الاقتصادية، كما وضعت هذه الأزمة أكثر من نصف سكان العالم فى إقامة جبرية بمنازلهم، ونتج عن ذلك حدوث تغييرين

الجيش الأخضر .. المعركة مستمرة

بجانب جيشنا الوطنى الذى يدافع عن البلاد ويحمى الثغور ويحافظ على تراب الوطن، لدينا جيوش مدنية تخوض معركة الحياة والتنمية والبقاء، منها الجيش الأبيض الذى

وادي النيل .. سودان ومصر ومصير

منذ أكثر من 25عاما حضرت ندوات عقدت بواشنطن وولايات أمريكية أخرى ضمن برنامج الزائر الدولى بعنوان (دور الدين فى خدمة المجتمع) بمشاركة علماء وباحثين وصحفيين

الخطاب الديني في رمضان.. تجديد أم تبديد؟

جدد حياتك فى رمضان. اكسب الحسنات واخسر السعرات. وصافح قلبك ابتسم لذاتك وصالح نفسك وأطلق أسر أحزانك وعلّم همومك الطيران بعيداً عنك..بهذه الأمنيات استقبلت

كوفيد19.. مفيد 20 مرة!

هل يمكن أن يكون كورونا مفيدا؟.. نعم، إذا اتبعنا منهج تحويل المحنة إلى منحة، حيث أتاح هذا الفيروس فرصة لتجريب العديد من البدائل التى قد نحتاجها لحل الكثير

تذكرونا في عصر ما بعد كورونا

العالم بعد كورونا لن يكون مثل ما قبله، سوف يتوقف المؤرخون كثيرًا عند أفاعيل هذا الفيروس، الذي أصبح علامة يؤرخ بها ليس فقط في كتاب التاريخ، وإنما أيضًا

[x]