رئيسة بعثة صندوق النقد الدولي لـ"الأهرام": الإصلاحات الاقتصادية عززت صلابة الاقتصاد المصري في مواجهة كورونا

10-7-2020 | 19:51

رئيس بعثة صندوق النقد الدولي لمصر أوما راماكريشنان

 

حوار: سارة االعيسوى

رئيسة بعثة صندوق النقد الدولي لمصر، أوما راماكريشنان فى حوار لـ"الأهرام":


ـ الحكومة المصرية تتبنى حزمة إصلاحات وسياسات جريئة وقوية لمواصلة النمو المستدام.
ـ انتعاش تدريجى للاقتصاد المصرى مع ترقب حذر لعمق الأزمة ومدها الزمنى.
ـ ١٦ مليار دولار تدفقات رأسمالية خرجت من السوق المصرية خلال شهرين تأثرا بالأزمة الصحية العالمية. 
ـ الحكومة ملتزمة بمواصلة الإصلاحات الهيكلية ودعم الحوكمة والشفافية وتعزيز النمو بقيادة القطاع الخاص. 
ـ ضرورة الموازنة بين الإنفاق العام لمواجهة الأزمة وتجنب الزيادة المفرطة في الدين العام. 
ـ ٢٦% زيادة فى الإنفاق على الصحة و١٠% ارتفاعا فى الإنفاق على الحماية الاجتماعية.

ـ تحديث إستراتيجية الديون المتوسطة لخفض احتياجات التمويل وضبط الدين العام. 
ـ مبادرة تخفيف أعباء الديون لاتنطبق على مصر وقاصرة على الدول الأكثر فقرًا. 


فى ظل التوقعات الإيجابية ل صندوق النقد الدولى لنمو الاقتصاد المصرى بالرغم من تداعيات أزمة كوفيد ١٩، وتصدر مصر لقائمة الـ٣٠ دولة التى يرصدها تقرير الاقتصاد العالمى الصادر عن الصندوق، تستمر السياسات الهادفة، لتحقيق مزيد من التعافى الاقتصادى وتعزيز الإجراءات الصحية، ودعم شبكات الحماية الاجتماعية والتى تعتبر أحد المكتسبات الأساسية لبرنامج الإصلاح الاقتصادى المصرى، وفى حوار مع "الأهرام" كشفت أوما راماكريشنان رئيسة بعثة صندوق النقد الدولى لمصر عن العديد من الرؤى لمستقبل الاقتصاد المصرى ، ومتطلبات الحفاظ على النمو المستدام، وتعظيم المكتسبات الاقتصادية والاجتماعية .. وفيما يلى نص الحوار:

توقع صندوق النقد الدولي معدل نمو إيجابي لمصر على الرغم من جائحة "كوفيد ١٩"، ما أسباب هذا التقييم والمؤشرات التي يقوم عليها؟ و ما مدى تأثر الاقتصاد المصري بالجائحة؟

ـ تأثرت مختلف دول العالم بجائحة "كوفيد ١٩" ، خاصة على الصعيد الاقتصادى فلم تنجو معظم دول العالم من تداعيات الجائحة، وكذلك تأثر الاقتصاد المصري بـ"كوفيد ١٩" بسبب التدابير الضرورية التى تم اتخاذها لاحتواء الجائحة وآثارها على المستوى الصحى والاقتصادى، وكذلك من خلال تداعيات الأزمة على القطاعات الاقتصادية الأساسية، ومنها قطاع السياحة الذى شهد توقف مفاجئ فى النشاط وقطاع التصدير، والذى عانى  انخفاض عائدات التصدير، إلى جانب انخفاض التحويلات النقدية، وتراجع الإيرادات من قناة السويس، وبالإضافة إلى التداعيات السابقة فمع تصاعد أزمة كوفيد ١٩، وارتفاع المخاطر العالميه خلال شهرى مارس وأبريل الماضيين ، كان هناك ما يقرب من 16 مليار دولار في تدفقات رأس المال خرجت من السوق المصرية، وكل هذه التداعيات مجتمعة وضعت ضغوط كبيرة على ميزان المدفوعات على الرغم من التعويض الجزئى الذى تم نتيجة لانخفاض الواردات بسبب تراجع الطلب المحلي . لكل هذه الأسباب ، إلى جانب الركود العالمي ، وانكماش الاقتصاد الدولى وتراجع النشاط المحلي بسبب التدابير اللازمة لاحتواء انتشار الفيروس، من المتوقع أن ينخفض ​​النمو بشكل كبير، علاوة على ذلك تنخفض الإيرادات الحكومية في وقت تتزايد فيه ضغوط الإنفاق لتلبية احتياجات الصحة والحماية الاجتماعية.

وقبل أن نتحدث عن معدلات النمو ، فمن المعلوم أن السنة المالية في مصر تبدأ فى شهر يوليو من كل سنة ميلادية، وتم تعديل معدلات النمو بنسبة 2 % المتوقعة للسنة المالية 2019/2019 و2020 /2021 إلى أسفل من التوقعات السابقة بسبب هذه العوامل.

وتعكس التوقعات للسنة المالية 2019 /2020 النمو القوي بنسبة 5.6 % خلال النصف الأول من السنة المالية (يوليو-ديسمبر 2019)، وبالتالي التأثير الكبير المتوقع لأزمة "كوفيد ١٩" خلال الربع الأخير ( مارس-يونيو 2020)،ومن المتوقع حدوث انتعاش تدريجي في النصف الثاني من السنة المالية 2020 2021 ، تماشيًا مع التوقعات العالمية في تقرير افاق الاقتصاد العالمى الصادر عن صندوق النقد الدولي.

وبالرغم من هذه التوقعات، هناك شكوك كبيرة حول إمكان تحقق توقعات النمو والتى تعتمد بشكل أساسى على مدى عمق أزمة كوفيد ١٩ والمدى الزمنى الخاص بها ،والحكومة المصرية مستعدة لاتخاذ إجراءات وتطبيق سياسات إضافية للحفاظ على الاستقرار واحتواء الأزمة فى حال تحقق السيناريو الأسوأ الذى يفترض استمرار الأزمة لمدى زمنى طول مع عمقآثارها وتداعياتها أكثر مما هو متصور حاليًا.

كيف تقيمون الإجراءات التي اتخذتها الحكومة المصرية والبنك المركزي المصري لمواجهة الجائحه ، بما في ذلك تخصيص 100 مليار جنيه كمخصصات إضافيه، ودعم العمالة غير المنتظمة، وخفض الفائدة، ودعم قطاعي الصناعة والمقاولات؟

ـ الإصلاحات الاقتصادية القوية والجريئة التي نفذتها الحكومة منذ عام 2016 والاحتياطي النقدى الذى تمكنت مصر من تكوينه خلال هذه السنوات التى شهدت تطبيق العديد من الإجراءات المالية والنقدية المهمة مكنت مصر من الوقوف فى موضع القوة فى مواجهة الجائحة الحالية، فبرنامج الإصلاح الاقتصادي الذي اعتمدته مصر منذ عام 2016 ساهم في تعزيز صلابة الاقتصاد، حيث كان النمو الاقتصادي قبل الجائحة أكثر من 5%، والاحتياطيات الدولية في مستوى جيد، والدين في مسار هبوطي، وكما نفذت الحكومة مجموعه من الإصلاحات الإضافية لتعزيز بيئة الأعمال واعتماد نموذج للنمو بقيادة القطاع الخاص من أجل زيادة الوظائف وايجاد فرص العمل، وكل ذلك أعطى الحكومة القدرة على الاستجابة السريعة والشاملة للجائحة.

ومكنت هذه الإجراءات من تحقيق وفورات مالية تم تحقيقها ونتيجه لاصلاح دعم الطاقة ، وتراجع معدل التضخم ، وارتفاع الاحتياطي من النقد الاجنبى بدرجة كبيرة، وبناء شبكة أمان اجتماعي موسعة وقادرة على استيعاب الفئات الأكثر احتياجًا، أعطت هذه العوامل كلها المجال للحكومة المصرية للتحرك بسرعة لوضع حزمة شاملة مع التدابير المالية والنقدية والقطاعية المهمة لحماية أرواح ومعيشة الشعب المصري فى مواجهة الأزمة الصحية الطارئة التى تسببت فيها الجائحة.

وعلى وجه التحديد، تمت إضافة تدابير لدعم القطاع الصحي ، ومساعدة القطاعات الاقتصادية المتأثرة بشكل مباشر مثل السياحة ، وتقديم منح نقديه للعاملين في القطاع غير الرسمي ، وتوسيع نطاق المساعدة للفقراء والفىات الاكثر احتياجا. كما شرع البنك المركزي المصري في اتخاذ تدابير لتخفيف الضغوط على السيولة المحلية وتسهيلات فى سداد الائتمان.

حصلت مصر على تمويل سريع من صندوق النقد الدولي لمواجهة جائحه كوفيد ١٩. كيف يمكن لهذا التمويل أن يساهم في الحد من الآثار الاقتصادية للأزمة؟

ـ اتخذت الحكومة المصرية خطوات استباقيه لمواجهه تداعيات كوفيد ١٩ وكانت أداة التمويل السريع (RFI) جزءًا من دعم صندوق النقد الدولي المكون من مرحلتين. المرحلة الاولى وهى التى شهدت تقدم مصر للاستفادة من التمويلات الفورية التى قدمها صندوق النقد الدولى ضمن حزمة مالية متكاملة لدعم الدول الأعضاء المتضررة من الجائحة، وتمت الموافقة عليه في مايو الماضى بقيمة 2.8 مليار دولار للاستجابة للأزمة، بما في ذلك تعزيز الإجراءات الصحية لمواجهه كوفيد ١٩، و دعم آليات الحماية الاجتماعية ودعم الفئات الأكثر تأثرًا وضعفاً،  والمرحلة الثانيه هي طلب اتفاق الاستعداد الائتمانى و مدته 12 شهرًا والحصول على تمويل بقيمة 5.2 مليار دولار؛ لمساعدة الحكومة المصرية على الحفاظ على المكاسب التى حققها الاقتصاد الكلي للسنوات الأربع الماضية -مع الاستمرار في ضمان الإنفاق الصحي والاجتماعي المناسب ومواصلة تطوير مجموعة مركزة من الإصلاحات الهيكلية لوضع مصر على أساس قوي من أجل الانتعاش المستدام، وسيساعد هذا التمويل الجديد والذى تم على مرحلتين في توفير دعم الميزانية وتحفز القدرة على الحصول على تمويل من مصادر إضافية متعددة الأطراف وثنائية ، كما سيساعد على تعزيز جهود السياسة المتوازنة المستمرة من قبل الحكومة المصرية .

هل يشمل البرنامج الجديد أعباء جديدة على المواطن المصري، وما أهم الإجراءات أو الإصلاحات التي تستهدفها الحكومة المصرية؟

ـ لا تزال الحكومة المصرية ملتزمة بمجموعة مركزة من الإصلاحات الهيكلية بدأت في ظل برنامجها الإصلاحي الذي دعمه الصندوق من خلال تسهيل الصندوق الممدود لتعزيز النمو وخلق فرص العمل بقيادة القطاع الخاص، بالإضافة إلى عدة إجراءات مالية هيكلية تعزز شفافية المالية العامة وتحد من التعرض لمخاطر الديون.

وتتضمن الإجراءات التي يدعمها اتفاق الاستعداد الائتماني الجديد زيادة متطلبات إعداد التقارير بشأن المؤسسات المملوكة للدولة من أجل تحسين الشفافية والإفصاح المالي؛ والموافقة على قانون جمركي معدل لتيسير التجارة وتخفيض الحواجز غير الجمركية؛ وإدخال تعديلات على قانون المنافسة لتشجيعها وتهيئة ظروف تكفل التنافس على قدم المساواة بين كل الأطراف المعنية.

وفيما يتعلق بالانفاق فيتعين الموازنة بين الإنفاق المطلوب لمواجهة الأزمة الحاليه من ناحية وضرورة تجنب الزيادة المفرطة في الدين العام من ناحية أخرى. وبمجرد بدء التعافي، تهدف الحكومة إلى استئناف تخفيض الدين والحفاظ على استدامة المالية العامة على المدى المتوسط. ولتحقيق هذا الهدف، تقوم مصر بتحديث استراتيجية الدين للحد من مواطن التعرض لمخاطر الدين كما تعمل على تعبئة الإيرادات الإضافية اللازمة لمواجهة زيادة الإنفاق الاجتماعي.

كما أن الحكومة ملتزمة بالحفاظ على معدل تضخم منخفض ومستقر، وعلى مرونة سعر الصرف، والسماح بتعديلات في سعر الصرف على نحو منظم. ولا تزال الأولويات تتضمن الحفاظ على استقرار القطاع المالي مع استمرار الرقابة القوية والرصد الحثيث لما قد ينشأ من مخاطر مالية.

نجح برنامج الإصلاح الاقتصادي السابق في تحقيق أهدافه ، فما هي معايير نجاح البرنامج الجديد؟

ـ الحكومة تستهدف معالجة الأزمة الحالية ووضع مصر فى موضع قوة من أجل الانتعاش الاقتصادي. وفي هذا الصدد ، فإن الهدف من برنامج اتفاق الاستعداد الائتمانى الجديد هو حماية استقرار الاقتصاد الكلي الذي تم الحصول عليه بشق الأنفس مع استمرار إطار السياسة اللازمة ومواصلة تنفيذ مجموعة رئيسية من الإصلاحات الهيكلية التي تمكن نمو القطاع الخاص في مصر.

و فيما يتعلق بسياسات الاقتصاد الكلي ، ستوفر السياسة المالية الدعم الذى يحتاجه الأفراد والقطاعات الأكثر تضررا بشكل ملح. كما تم تخفيف بعض اجراءات السياسة المالية في السنة المالية 2019/2020 و 2120/2021 لدعم الاقتصاد ومعالجة احتياجات الإنفاق على الأزمات ، بما في ذلك زيادة الإنفاق على الصحة بنسبة 26 % والحماية الاجتماعية 10%. وتعمل الحكومة أيضا على تطبيق إجراءات لتعويض جانب من النقص في الإيرادات، بما في ذلك تشجيع التعافي الأخضر من خلال رسم على استهلاك منتجات الوقود، وهكذا ، بمجرد بدء التعافي ، تلتزم الحكومة باستئناف تخفيض الديون للحفاظ على الاستدامة المالية على المدى المتوسط.

ستدعم الإصلاحات الهيكلية المالية الجهود المستمرة التي تبذلها الحكومة لتحديث إستراتيجيتها للإيرادات المتوسطة الأجل لتعبئة إيرادات إضافية لتلبية الإنفاق الأعلى الذي تشتد الحاجة إليه في مجالات الصحة والتعليم والحماية الاجتماعية. وتقوم مصر أيضًا بتحديث إستراتيجيتها الخاصة بالديون متوسطة الأجل لدعم خفض إجمالي احتياجات التمويل وتقليل نقاط الضعف في الدين العام.

وستستمر السياسة النقدية في تثبيت توقعات التضخم ضمن النطاق المستهدف للبنك المركزى بالإضافة إلى ذلك، تلتزم مصر بالحفاظ على مرونة سعر الصرف والسماح بتعديلات منظمة في سعر الصرف. سيظل الحفاظ على استقرار القطاع المالي مع الإشراف القوي المستمر والمراقبة الدقيقة لأي مخاطر ناشئة أولوية رئيسية.
وتهدف الإصلاحات الهيكلية إلى مواصلة تعزيز إطار المالية العامة ، وتحسين الحوكمة والشفافية ، وتمكين النمو بقيادة القطاع الخاص. على وجه التحديد ، سيتم ترقية الإدارة المالية العامة لتحسين عملية الموازنة ، وستساعد التعديلات على قانون المنافسة على تحقيق التوازن بين مختلف أصحاب المصلحة الاقتصاديين، وسيتم تحسين الشفافية بمعلومات مالية مفصلة للشركات المملوكة للدولة والهيئات الاقتصادية.

هل تستطيع مصر الاستفادة من مبادرة تخفيف الديون في ظل الأزمة الحالية وما هي شروطها؟

تستهدف مبادرة تخفيف عبء الديون التي اتخذتها مجموعة العشرين الدول الأكثر فقرا، وبالتالي فهذه المبادرة لا تنطبق على مصر، لأن مصر ليست ضمن قائمة الدول المصنفة أكثر فقرًا .

نقلا عن صحيفة الأهرام


رئيس بعثة صندوق النقد الدولي لمصر أوما راماكريشنان

مادة إعلانية

[x]