نفس عميق من الهواء النقي (2)

10-7-2020 | 16:44

 

.. ومن باريس الحكيم إلى باريس بيرم.. وياللفرق الهائل بين الاثنتين! فلكى يكتب بيرم هناك ما نعُدُّه الآن من أكسجين الإبداع المصفّى الذى نتداوى به من الهموم والأدران، كان عليه هو أن يختنق فى معامل صهر الرصاص والفولاذ، حيث اضطرته لقمة العيش، والجوع الذى طالما طارده, للعمل فيها, فأصيبت رئتاه بربو مزمن عاش به سنين نفيه العشرين، وعاد به لمصر فى الأربعينيات حتى قتله فى النهاية عام 1961. لكنّ الشاعر العظيم يغلب النحلة فى أمر جوهرى: فهو يفرز لنا الشهد فى كل الأحوال، سواء ذاق رحيق الزهر أم اقتات مما تعافه النفس ويزيّنه الجوع للموشكين على الموت ومَعِداتهم الخاوية تعوى. فبينما كان الحكيم يرتاد المسارح والمتاحف ويتعبد فى محراب الفن.


كان الجوع يكاد يُذهل بيرم أحياناً عن نفسه وعما حوله، إلا أن قرون استشعار شاعريته كانت بمعجزة تسجّل كل شىء؛ فيقول عن الفجر فى باريس: الفجر نايم وأهلِك يا باريس صاحيين/ معمرين الطريق داخلين على خارجين/ ومنورين الظلام راكبين على ماشيين/../ ولسه حامد وعيشة وإسماعين نايمين// راحت على الشمس نومة والبلد فى ظلام/ وقبل دى الشمس فات ابن المدينة وقام/الكون ينوّر بإيده لما شمسُه تنام/ فايتها للشرق تتلطّع على الأطلال/ ينشف عليها الغسيل والطبلة والغربال/ ويقوم على لَدْعَها النايم سنة بطّال».. وتتوالى الأبيات حاملة لمحات الدهشة والانبهار والإكبار ممزوجة بالتحسر على خيبة الأهل والأحباب.

كما أنك تجد فى أشعار بيرم المكتوبة فى فرنسا تلك الثنائية المتضادة التى تجمع الإعجاب بحضارة الغرب مع أنّات المعاناة التى يلاقيها ابن الشرق الفقير إذا كُتب عليه أن يتغرب فى أرض الحضارة تلك، فيقول بيرم فى قصيدة أخرى: قضيت حياتى غريب فى أرض فرنسا/ يا ويحه من يدخل فرنسا غريب/ لقيت كلام القوم شهد مْكَرر/ لكن عيونهم تشتعل لهاليب/../ أتعس عباد الله هناك الأجانب/ أقولها والمولى عليّا حسيب/ اللى دخل بفلوس يا ضيعة فلوسه/ واللى دخل يكسب جزاه توضيب/ يدخل يشوف ماليين قزان المسابك/ فولاذ مِسَيّح فوق دماغه قريب/ عليه رئيس واقف وراه الجرادل/ شايلينها من كل الأمم مناكيب/ ميّل قَزانُه بالدولاب ع الجرادل/ كأنه فى الجردل يصُب حليب/ خمس تلاف درجة ينط شرارها/ ويطُبّ يخرق أجمد المراكيب..

كان بيرم كما أسلفنا أحد هؤلاء المنكوبين, أو «المناكيب» كما يقول، لكنه كان يملك عينين ذاتى بصيرة قبل البصر، وكان يراسل صحف ومجلات الشرق بما يراه ويثير فيه العجب والإعجاب من ناحية، والشجن والحسرة والسخرية من الناحية الأخرى. ويا للحسرة المضاعفة والسخرية المبكية أن ضنت عليه معظم تلك الإصدارات الصحفية التى راسلها بإبداعاته طوال سنين المنفى على أن تقوم تلك الدور بإيصال أجر أزجاله وكتاباته لأطفاله فى مصر الذين يتّمَهم نفيه، لكنها ضنت عليه وعليهم بتلك القروش, فأكلت عليه مال هؤلاء اليتامى فى حياة أبيهم!

ومن ضمن ما سجّله وراسل به صحف الشرق الحزين مشاهداته وتأملاته لنساء باريس وأطفالها، فقال من بين ما قال: يا مدمزيل يا للى ف قصرك/يا زينة عصرك/ البَسْط يُحبُك على خصرك/يتهز قوام/ فى الحرب بتواسى المجاريح/ فوق الطراريح/ وتقلبى الغم بتفريح/ والنار بغرام/../ دول فى المدارس ودُّوكى/ ودول ربوكى/ الله يخليكى لابوكى/ وامِّك يا تمام/ طلعتى حافضة جغرافيا/ وصحة وعافية/ حتى اللى هو بلا قافية/ حافضاه يا سلام/ البنت عضو ف أكاديميا/ وتعرف كيميا/ خلينا إحنا فى البامية/ والفقر التام» ..وباقى القصيدة مقارنات واستطرادات تشرح أسباب الهّم والحسرة إزاء ما يحمله الشاعر فى صدره من تذكارات محزنة لنساء وطنه وأطفاله فى مطالع القرن العشرين.. وللحديث بقية.

نقلا عن صحيفة الأهرام

مقالات اخري للكاتب

مدينة موراكامى الفاسدة-3

توقفنا في المقالة السابقة عند ما وصفناه بأنه أعجب ما في الرواية وأكثره إثارة للحيرة: فالقوى التي تهيمن على مدينة جاكي ساكه الفاسدة؛ تلك الكائنات النورانية

مدينة موراكامي الفاسدة «2»

قلنا: قبل التوغل فى أدغال مدينة موراكامى الفاسدة «1Q84»، يحسُن بنا نحن العرب أن نتعرف على ذلك الكاتب اليابانى هاروكى موراكامي، الذى لم يحصل على جائزة كبرى

نفس عميق من الهواء النقىّ (8)

يبدو أن هناك صلة عميقة بين شعر العيون وبين عيون الشعر. ولذلك تبارى رواد الشعر العربى الحديث فى وصف عيون المحبوبة، فجاءوا بلآلئ بقيت فى الذاكرة، ومنها ذاكرتى

نفس عميق من الهواء النقى (7)

مازلنا نتصفح معًا ديوان: من نور الخيال.. لفؤاد حداد، بعد أن اغترفنا في المقالة السابقة من نبع قصيدتيه الأوليين، وتداوينا بجمالهما من هَمّ الزمان والأدران.

نفس عميق من الهواء النقي (6)

..ومن ديوان من نور الخيال وصُنع الأجيال في تاريخ القاهرة، نواصل الإبحار مع فؤاد حداد مُتَنَسِّمين الهواء البلْسَمِيّ الشافي الذي يحضننا من كل اتجاه ونحن

نفس عميق من الهواء النقى ـ 4

ومن عيون الشعر ما قاله بيرم عن العيون، فى قصيدة نُشِرت منذ مائة عام تقريباً بصحيفة مجهولة الآن كان اسمها «الشباب»، فى عددها الثالث والستين، بتاريخ الأحد

نفس عميق من الهواء النقي

هنالك حيث الجبال الخضراء، أو عند شاطئ البحر تحت سماء زرقاء، يحلو المشى واستنشاق الهواء بعمق.. فإن لم تسِرْ بقدميك سرْ بخيالك. إن تعذّر البحر والجبال والهواء

أَعَزُّ الوِلْد

على وهج القيراط الأخير الذى تبّقى من شمعة ذِهني، والفتيل المشتعل كلما توهجّ أكثر ذاب الشمع بسرعة أكبر، وأحرقت دموعه الساخنة أصابع يُمناي، أكتب إليكَ، على

أحبكم .. من خلف الكمامة

أنا رجل عادةً ما يميل للصمت، وجاءت الكمامة ليزداد صمتا، ويبدو أكثر بُعدا. لكنى لا أدرى لماذا أستيقظ اليوم وقلبى يريد أن يحكى:

أريد أن أتنفس

لا أستطيع التنفس، قالها جورج فلويد، الأمريكى الأسود الذى زوّر شيئاً ما فقُبِض عليه فى الخامس والعشرين من مايو الماضي، قالها وركبة رجل إنفاذ القانون الأبيض تضغط بلا رحمة على عنقه، وظل يكررها حتى فقد الوعي.

شاعر يمشى كأنه يتذكر (2)

«أصطاد أعضاءها بصوتى»: عنوان القصيدة الذى توقفنا بذكره عن الكلام المباح لاعتبارات المساحة فى آخر مقالتنا السابقة عن أحدث عمل شعرى صدر للكاتب والصحفى الزميل البهاء حسين بعنوان «يمشى كأنه يتذكر».

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]