محمود رضا "فنان الشعب".. رفع شعارالهوية والوعي.. و٣ مقومات صنعت نجاحه مع فرقته |صور

10-7-2020 | 16:32

الفنان محمود رضا

 

سارة نعمة الله

فنان نادر يجمع بين الاستعراض والأداء التمثيلي، كانت ملامحه الجميلة عنوانًا لفنه الذي حمل نفس الشعار "الجمال" فلم يكن فنانًا يؤدي رقصات أو يصممها بل أنه يستشعر روحه فيها وحيويته التي لربما كانت سببًا في إقباله على الحياة واستمراره بها، هكذا تترجم رحلة الفنان محمود رضا الذي رحل عن عالمنا اليوم الجمعة تاركًا خلفه رحلة طويلة من الإبداع الذي يبقى حيًّا ونباضًا بتقادم الزمن.


محمود رضا الذي تتلمذ على يد شقيقه الفنان علي رضا، رافضًا العمل في تخصصه حيث تخرجه في كلية التجارة، ليبدأ رحلته في الإبداع الفني منطلقًا من بوابة السينما حينما ظهر من خلال فيلم "أحبك أنت" ١٩٤٩ حيث قدم دور راقص، ليشارك بعدها في فيلم فيلم "بابا أمين" للمخرج يوسف شاهين، لتتوالى بعد ذلك الأدوار التي ظهر فيها الراحل في دور "راقص" بالسينما كما في أفلام أغلى من عينيه، عروسة المولد، فتى أحلامي وغيرها.





بدأت رحلة الراحل مع الرقص لأول مرة في فيلم "نور عيوني" مع الراحلة نعيمة عاكف هذا بخلاف عمله مساعدًا لشقيقه علي رضا حيث كان يقدم الأخير رقصات تحتاج لمجاميع من الأفراد مما كان يجعله يستعين به فيها، وخلال إحدى مقابلات الراحل لإحدى فرق الرقص الأرجنتينية بإستوديو النحاس والذين طلبوا منه مشاهدة رقصاته أنبهروا به فبدأ العمل معهم مقابل مبلغ اثنان جنيه في اليوم، وعمل معهم في مصر وروما وباريس.

كان الراحل لديه رحلة كبيرة من التحدي فبخلاف ما كان يتعلمه على يد شقيقه علي، كان يذهب إلى السينما ويشاهد نوعيات الأفلام التي تتضمن محتوى الرقص والاستعراض ويشاهد الفيلم أكثر من مرة "٢٠ مرة" حتى يتعلم منه ويحسن أداؤه كما كان للجمباز دورًا بارزًا في لياقته وقفزاته السريعة التي تميزت بها رقصاته.

يعتز الراحل بلقب "فنان الشعب" هذا اللقب الذي أستحقه بعد تأسيسه ل فرقة رضا ، تلك الفرقة التي شكلت كيانًا لفن الاستعراض في مصر والعالم العربي، فبعد أن كان الرقص هو مجرد هواية للراحل أصبح حرفة تجمع بين موهبته وإبداعه، بدأ الراحل تكوين فرقته بالاشتراك مع الراقص الأول شقيقه علي رضا، والراقصة الأولى للفرقة فريدة فهمي ، لتقدم الفرقة أول عروضها على مسرح الأزبكية في أغسطس عام 1959، وقد بلغ عدد أعضائها عند التأسيس 13 راقصة و13 راقصاً و13 عازفاً، إلى أن وصلت إلى ١٨٠ راقص في السبعينات من القرن الماضي.



لكن لماذا حصدت الفرقة كل هذا النجاح، وكان الراحل عنوانًا بارزًا ورائدًا لفن الاستعراض؟

الإجابة على هذا الأمر تحمل الكثير والكثير لكن يمكن تلخيصها في كلمة واحدة "الهوية"، بالفعل الهوية التي بحث فيها الراحل عن أصل وتأصيل كل ما هو مصري وشرقي من خلال تصميماته التي كان يؤكد فيها على هذا المفهوم في رقصات استوحاه من الصعيد والريف المصري وغيرها من أرجاء مصر التي طاف بها بفرقته بين هنا وهناك.

وفي هذا الأمر حديث طويل، فالتاريخ الذي انطلق منه الراحل بفرقتِه عقب إعلان ثورة يوليو ١٩٥٢ وبعد فترة سادت فيها الفنون الأجنبية المجتمع المصري طبقًا للمرحلة السياسية التي عاش فيها كان تطلب أن يكون هناك نموذج للفن العربي الذي يحمل وعي وفكر للآخر، فما كان يقدمه محمود رضا ليس مجرد رقصًا ولكنه يحمل اعترافها صريحًا بحبه لوطنه في كل حركة وكل رقصة صممها وطاف بها في محافظات مصر.

ويندرج تحت أسباب نجاح الراحل وفرقته أيضًا، المزج الذي أحدثه بين ثلاثة أشياء وهي "الرقص الشرقي، الرقص الغربي، القفزات السريعة والقوة العضلية طبقًا لما تعلمه من لعبة الجمباز" كل هذا شكل تراكمًا في اللاوعي الخاص بالراحل والذي خرج في تصميماته الإبداعية فيما بعد حاملًا تركيبة خاصة لم ينجح أحد في الوصول والاقتراب منها، كل هذا بخلاف المزج الموسيقي الذي صاحب هذه الرقصات خصوصًا بعد إنضمام الموسيقار الراحل علي إسماعيل للفرقة ليكون أول أوركسترا بالفنون الشعبية.

ربما كان فيلمه الشهير غرام في الكرنك عنوانًا آخر لنجاح فرقته، هذا العمل الذي قدم عام ١٩٦٧ ولا تزال تفاصيله تعيش في ذاكرة ووجدان المشاهد المصري، فقد كان بمثابة التوثيق للإبداع والجهد الكبير الذي تبذله الفرقة من أجل تقديم فن يحافظ على هوية مصر ويؤرخ لحضارتها وتراثها وفلكلورها الشعبي.

وبخلاف ما أحدثه الراحل الذي نال العديد من الجوائز الدولية والمحلية، فأن الراحل لاشك أنه خاض تحديًا كبيرًا، فبالتأكيد أن قرار تكوين الفرقة في مثل هذه المرحلة لم يكن سهلًا، هذا التوقيت الذي كانت العادات والتقاليد تحمل كثيرا من التحفظ بالمجتمع، فربما لم يكن لأسرته أية اعتراض لكن فكرة أن تكون هناك أول فرقة راقصة مصرية بالطبع كانت غريبة على آذان الجمهور في هذا التوقيت، لكن الراخل أستطاع أن يثبت أقدام الفرقة في قلوب متابعيه عندما حافظ على شكل الرقصات والاستعراضات التي يخرج بها على مجتمعه فصحيح أنها كانت تحمل كثيرا من التطور الذي أخذ لمحة مما تعلمه على إيدي الفرقة الأرجنتينية التي عمل معها وأيضًا من مشاهدته للفرق الأجنبية بالأفلام السينمائية لكنه في ذات الوقت حافظ على مقومات البلد التي يعيش فيها ويخرج إليها بفنه سواء بما يقدمونه من رقصات أو ملابس يظهرون بها، مما جعل فرقته تدخل إلى القلب مباشرة دون إعتراض من أحد.

الموهبة والإبداع في الاستعراض الذي حمله الراحل محمود رضا في قلبه جعله يتجاوز سنه ومرضه ويصعد مع فرقته منذ عام وهو في عمر متقدم ويرقص معهم كأنه لا يزال في كامل لياقته وقوته الذهنية التي جعلته يتذكر حركاتهم.




شارك الراحل في العديد من الأعمال الفنية، منها: ساحر النساء، قلوب حائرة، أجازة نص السنة، غرام في الكرنك وغيرها، لكنه كان ذكيًا في عدم استسلامه لشهرة ووهج عالم التمثيل الذي كان من الممكن أن يخطفه ويقضي على موهبته خصوصًا وأن ملامحه الجميلة كان من الممكن أن تؤهله ليكون نجمًا في المصاف الأولى لكنه بالأساس لم يلتفت لهذا الأمر لأنه حتى على مستوى عمله كراقص ابتكر ليطور فنه ولم يعتمد على كونه "راقص بملامح حلوة".

عاش محمود رضا في قصة حب مع زوجته الأولى خديجة فهمي وشقيقة شريكته الفنانة فريدة فهمي ، أحبها حبًّا كبيرًا وكان يعلم بأزمتها الصحية حيث إصابتها بروماتيزم في القلب إلى أن وفاتها المنية ليبدأ رحلة جديدة في عمره بعد زواجه من اليوغسلافية روزا، والدة ابنته الفنانة شيرين رضا التي جاءت لتستكمل رحلة نجاح العائلة ولكن على صعيد آخر "التمثيل".

يبقى محمود رضا علامة فارقة في تاريخ الثقافة والفن المصري، فنان صاخب موهبة وإبداع خاص، كانت الهوية شعاره الذي رفعه خلال رحلة عمله، يظل حيًّا بفنه الذي لن يموت وتوارثها أجيالا بعد أجيال لا تتعلم منها فقط حب الرقص والاستعراض بل حب الوطن ومتعة جمهوره.






مادة إعلانية

[x]