كورونا ورسائل المتعافين

11-7-2020 | 00:43

 

التعافي أو استعادة العافية والاستمتاع بالشفاء وبالصحة وزوال المرض والعودة للحياة الطبيعية بعيدًا عن محاذير الأطباء ومخاوف الألم هو حلم كل مريض؛ فما بالنا بمريض ال كورونا ..


وال كورونا ليست أخطر الفيروسات ؛ ولكن يزداد التخوف منها لعدم وجود لقاح يحمي منها ولأنها تخترق الاحتياطات أحيانا وينفذ الفيروس ويحتل جسد المريض ويتسبب بإنهاكه جسديا وإرباك حياته أيضا..

ولكن ماذا يقول المتعافون من المرض؛ وكيف يواصلون حياتهم بعد التعافي منه؟

الأمير تشارلز تعافى من كورونا وصرح بأنه أصبح يتعاطف أكثر مع مرضى كورونا وحرص على استعادة لياقته البدنية بعدها، والتزم بالتباعد الاجتماعي حتى مع أحفاده فلم يعانقهم واكتفى برؤيتهم عن بعد كما واصل أنشطته الخدمية، وبدا أكثر انفتاحا على الآخرين وسارع بإغلاق صفحة المرض، واحتفل وزوجته وحدهما بمرور 15عامًا على زواجهما؛ وكأنه يعيد احتضان الحياة..

أما رئيس البرازيل ورئيس الوزراء البريطاني فقد أكدا صدق ألبير كامو في رواية الطاعون؛ فقد قال: أكثر الناس إصابة بالوباء؛ هم الذين لا يصدقون بوجوده .. فيعيشون حياتهم الاعتيادية غير آبهين بالكارثة..

فقد سخر كلاهما من كورونا وأصيبا به؛ وتعافى الثاني بعد مروره بتجربة قاسية استوجبت بقاءه أياما بالرعاية المركزة وكانت حالته حرجة؛ ولكنه فور شفائه لم يترك لخصومه فرصة للنيل منه؛ وسارع بأداء مهام منصبه ورد على المتشككين بقدرته على العمل بنشر فيديو له وهو يقوم بتمارين الضغط؛ وهذا يدل على رغبته العارمة باستغلال كل يوم بعمره وتعلم الحذر ورفض سجن نفسه كمريض سابق يخاف من الحياة..

ومسن إيطالي (101عام) أصيب ب كورونا ولما تعافى "ابتسم" قائلا: دائما هناك أمل..

ونصح الهندي روهيت دوتا أول من أصيب بال كورونا بدلهي بعدم الذعر عند اكتشاف الإصابة - لا قدر الله - وحكى كيف غيرت العزلة بالمستشفى حياته وكانت فترة استبطان بالنسبة له، وأعرب عن خيبة أمله لرؤية الأطفال وكبار السن يتنزهون ويمارسون حياتهم بصورة طبيعية - رغم وجود كورونا - وقال إنه تعافى لأنه تحلى بالايجابية خلال العلاج والعزلة ولم يتواصل إلا مع الإيجابيين وحافظ على ابتسامته مما ساعده على التمتع بذهن إيجابي..

أما الفرنسية ساندرين (48عامًا) فأكدت أن العبء النفسي لمريض ال كورونا هائل حيث شبح الانتظار ومراقبة التنفس مرهق نفسيًا وأنها حرصت على الصمود ولجأت للتأمل وأقنعت نفسها أنها ستتعافى قريبا وابتعدت تماما عن مشاهدة التليفزيون ومتابعة أخبار الوباء حتى لا تتأثر سلبيًا..

وأصيبت كارين (بريطانية عمرها 39عامًا) ب كورونا وهي حامل بطفلها الرابع قالت: كنت أقاتل بكل أنفاسي من أجل حياتي وحياة طفلي..
وأضافت أنها لن تنسى أبدا الشعور بالهواء البارد والنقي على وجهها عندما غادرت المستشفى؛ وفجأة قدرت أصغر الأشياء التي لم تتوقف عندها يومًا من قبل..

ولعل أجمل القصص كانت من المسن الصيني البالغ 103عامًا الذي أجاب بسرعة عندما سألوه ماذا ستفعل بعد مغادرتك المستشفى وشفائك؛ فقال: سأعتني بزوجتي البالغة 92 فقد تركتها وحيدة طوال هذه الفترة؛ فلم يقل سأستريح وكفى ما عانيته بل سارع لمواصلة "مسؤولياته" بحب ورضا واشتياق..

ونتوقف طويلا عند تجربة فريدة لرجل أصيب ب كورونا بعد مرض زوجته وكتب تفاصيل تجربته على مدونته الخاصة وكان ملهمًا للكثيرين؛ إنه مارك شيفر أستاذ جامعي أمريكي ومدير لشركة تسويق..

ينبه مارك لأهمية تعلم كيفية العلاج الذاتي والبقاء على قيد الحياة ورفض الاستماع للمبالغات عن المرض حتى لا تؤذي المريض نفسيًا وصحيًا..
قال تلقيت معلومات هائلة من أسرتي وأصدقائي؛ فاستبعدت كل شيء وركزت فقط على خطة الطبيب البسيطة بالبقاء بالمنزل والراحة وعلاج الأعراض وتمارين التنفس..

وقد مرضت زوجتي قبلي وساعدتها للتعافي ومارسنا سويا ألعابًا عقلية للتخفيف من المعاناة..

وأعلن تردده في الكشف عن مرضه؛ وكأنه سيضطر بعدها للاختباء تحت الأرض؛ وكان ذلك مستحيلا لكثرة الأصدقاء والعملاء ثم قرر الشجاعة والبحث عن استخدام إعلان مرضه للخير..

ويرى أنه ساهم في إزالة الوصم عن مرضى كورونا وبث الأمل، وعندما تعافى؛ أعد الطعام واستمتع بالشمس وقال: كان مذهلًا أن أفعل شيئا عاديًا وبسيطًا كشواء اللحم.؛ كنت أعتقد أنه أمر مفروغ منه ولكنه كان لحظة فرحة ثمينة..

وإذا كنت على قيد الحياة؛ فلديك عدد لا نهائي من الفرص لتجربة لحظات فرح صغيرة حتى في أسوأ الأوقات؛ كالمشي تحت أشعة الشمس وعناق صديق والاستماع لأغاني وتناول الآيس كريم وقطف زهرة وتناول المزيد من الآيس كريم؛ وطالب بالانتباه للمتع البسيطة وعدم تجاهلها أثناء سعينا للمتع الأكبر؛ فتجاهلنا يحرمنا من السعادة.

تؤكد رسائل المتعافين من شتى أنحاء العالم أن أي مرض لن يؤثر بأي مريض نفسيًا وبالتالي "يزيد" من معاناته الجسدية؛ إلا بقدر ما "يسمح" هو ومن يستعن بقوة بالرحمن سيتعافى جسديًا ونفسيًا بأسرع وأفضل مما يتمنى..

سينتهي كورونا بمشيئة الرحمن كما انتهت أوبئة سابقة وسنواصل حياتنا الطبيعية ونود – فقط - الاحتفاظ بما تعلمه المتعافون من المرض من خبرات "نحتاجها" جميعا لنفوز بحياة أفضل وأكثر رحابة ونحتاجها ونستحقها أيضا..

مقالات اخري للكاتب

النجاح وتسلق الجبال

شاهدت فيلمًا أمريكيًا عن قصة حقيقية لمجموعة من متسلقي الجبال، تألمت بشدة لرؤيتي معاناتهم وتعرضهم لصعوبات قاسية جدًا وتكبدهم لمشاكل صحية ونفسية، بداية من

السعادة والعمر الضائع

كثيرًا ما نقضي أوقاتًا ونحن نبحث عن أشياء ثم نكتشف أنها كانت أمام أعيننا ولم ننتبه لوجودها..

الامتنان .. طوق النجاة

تضيق الحياة وتختفي الابتسامة من القلب ومن الوجه ويزحف التعب النفسي بألوانه ويجهد الجسد ونكاد نغرق، فنبحث عن طوق للنجاة، وعندما نجده "ونسارع" بالتشبث به وباحتضانه تتسع الحياة وتشرق القلوب والوجوه بنور لطيف يزيح الوجع ويفسح المجال للفرح وللبراح بأنواعه..

ورود وأشواك العلاقات

أدعو لكم بالفوز بأجمل الورود من التعامل مع الآخرين والنجاة من أشواكهم؛ فيندر الورد بدون أشواك.

فرويد والاضطرابات النفسية

في 23 سبتمبر عام 1939 غادر فرويد الحياة وترك تراثًا هائلًا اختزله الكثيرون بنظرياته عن الكبت الجنسي ودور الغريزة الجنسية في الأمراض النفسية وتأثيرها على

شباب تحت المائة

تستطيع دومًا أن تعيش شابًا؛ هذا ما يثبته متابعة شباب تحت المائة؛ تمتعوا بالرغبة بالاحتفاظ بالحياة داخلهم ورفضوا الموت وهم أحياء؛ وزرعوا بعقولهم أن الشباب "اختيار" وليس عمرًا..

جبر الخواطر والأذى

جبر الخواطر نور لطيف وجميل ينير حياة من يقوم به قبل أن يصل لمن يجبر بخاطره، وكيف لا؟؛ وفعل الخير يوسع حياة صاحبه، وأثبتت أحدث الدراسات الطبية أن فعل الخير يزيد المناعة ويفيد صاحبه، لأنه يمنحه الرضا النفسي فيجعله أهدأ نفسيا وينعكس بالخير على صحته الجسدية.

حواء وآدم والفضفضة

من منا لم يشعر يوما بالحاجة للفضفضة وللتخلص من أحمال نفسية يحملها؛ طوعا أو كرها، ومن منا لم يندم على فضفضة قام بها ظنا أنها ستمنحه قدرا من الارتياح "يساعده" على مواجهة ما يؤلمه، وإذا بها تزيد من مشاكله وتضاعف معاناته.

عن التحرش والمتحرشين

لا يقتصر التحرش على الاعتداء الجسدي؛ ويشمل النظرة المسيئة والكلمة الخادشة للحياء، والتلميحات الجارحة.

العنف بين المتزوجين

مساحات شاسعة تفصل بين الفرحة التي تملأ عيون العروسين بحفل الزفاف وما قد يلي ذلك، حيث الحزن والغضب بالعيون والقلوب يقيمون بحياة بعض المتزوجين..

الوحدة وجحيم الآخرين

"الجحيم هو الآخرون" قالها الفيلسوف والأديب الفرنسي "جان بول سارتر"؛ ويعتقد بها البعض ويتجاهلها آخرون ويؤمن بها غيرهم.. ينبهنا "سارتر" للحذر من علاقاتنا؛ فلا نلقي بأنفسنا في الجحيم بأيدينا في إشارة للتعاملات المؤذية للنفس..

الأميرة ديانا والرهانات الخاسرة

لا يختلف إثنان على جاذبية وجمال الأميرة ديانا وعلى إسهاماتها الخيرية "وبراعتها" الاجتماعية وقدرتها الهائلة على التعامل مع كل الطبقات بود ولطف.. وهذا أول رهان ربحته ديانا؛ فقد صرحت بأنها لن تصبح ملكة ولكنها ستصبح أميرة القلوب..

الأكثر قراءة

مادة إعلانية

[x]